الخميس 30 أبريل 2026

كتاب الرماد والأنبياء

1
يا أيها الذاهبون إلى التاريخ من غير أبواب
ها هي الأرض تسلم مفاتيحها للغبار
وها هو هولاكو يعبر من فتحة في الذاكرة
والتتار يجرون الليل خلف خيولهم
والمغول يحصون أنفاس المدن
قبل أن يضعوا على رقبتها آخر
سؤال عن معنى البقاء
لم نكن يومًا سوى الروم في مرآة الروم
ولا العرب في مرآة العرب
نحمل داحس والغبراء في جيوبنا
مثل حجارة ورثناها
من يد نسيت لماذا تشعل النار

2
قال نيرون وهو يشعل المعبد
أعطوني ليلًا أطول كي أرى نفسي
لكن أشعيا وقف على حافة اللهيب
ومعه توقيت الريح
وقال لا خوف على المدن
مادام في الكنائس صمت يصلي
وفي المآذن ظل مؤذن
لم يقطع صوته السيف

3
من حصان طروادة خرج الليل
بألف قناع
وبقي النهار واقفًا
أمام بوابة من أسئلة
من ستالينغراد خرجت الأرض
تشد على جراحها
وتقول
لن ينتصر الجليد على نار أمهاتي

4
فلسطين ليست خبرًا في النشرة
إنها اسم الناجي الوحيد
من الغرق في المعاجم
بيروت تمد يدًا من دخان
ويدًا من أغنية
بغداد تبحث عن طفلتها بين رفوف التاريخ
وصنعاء تقول
مازال في قلبي متسع
لآخر قبلة من الفجر

5
في البدء
لم تكن الأرض تعرف أسماء قاتليها
ولا كانت الحروب سوى حصى صغيرة
يتدرب بها الأطفال
على رمي الهواء
لكن الغبار كبر
وكبرت معه السيوف في أيدي العابرين
من جنون إلى جنون
جاء هولاكو
يمشي على ضوء خافت
من فزع الكتب
فيتبعه التتار
كأنهم ظلاله المبعثرة
وتتبعه المغول
كأنهم صدى صوته
إذا صاح في ليل القرى
افتحوا الطريق لقد تأخرت
لم نكن في تلك الأزمنة
سوى صدى يرتطم
بأسوار المدن المكسورة
ولا كانت الروم تعرف
أن حديدها سيصدأ
على أبواب نسيت أن تغلق
ثم تكاثرت الغزوات
حتى صار التاريخ
حائطًا طويلًا من الصراخ
وصارت داحس والغبراء
دفتر طفولة لأمة
لا تعرف كيف تنام
إلا على صوت سيفين يختصمان
وصارت البسوس
أمًا للدم
ترضع قبيلتين
وتقول لكل جيل جديد
هذا النزاع ميراثكم
فلا تهملوه
وكان الليل يمشي
وهو يجر خلفه
جثث القرون
وكانت الأرض
تتعثر بأقدام الغزاة
ثم تقوم
وتقوم
ونقوم
كما لو أنها
تتدرب منذ بدايتها
على فن البقاء
وفي آخر هذا الفصل من الطين
حسن تغيرت أسماء السيوف
ولم تتغير الجراح
نظر طفل صغير
إلى سماء قريته المهدمة
متى تنتهي البداية
فقالت وهي تجمع الرماد
إلى صدرها
حين يعرف البشر
أن الحروب لا تبدأ
حين يشهرون السيوف
بل حين ينسون
أنهم بشر

6
لما انطفأت الحروب الأولى
أيقظت المدن رمادها
وقالت
آن للضوء أن يخرج من تحت ركامه
لكن الطغاة
كعادتهم منذ أول حجر
كانوا يحرسون الليل
بمشاعل من نار
لا تدفئ أحدًا
وقف نيرون
على سلم المعبد
يمسح يده بيد التاريخ
ويقول للحرائق
كبروا قليلًا
كي أرى نفسي أوضح
فانفجرت المدينة
ضوءًا لا يشبه الضوء
وصار المعبد
كتفين للأجراس
وصارت الكنائس
رئة ألم
تتردد بين عظام المؤمنين
وفي زاوية لم يمسسها اللهيب
جلس الكاهن
يعد ما بقي من الصلوات
ويبحث في الكتب المقدسة
عن معنى جديد
للخلاص
قال
أيها الرب
إن عبادك
قد ملوا من كثرة التجارب
لكن السماء صمتت
كما لو أنها
تفهم أكثر مما تريد أن تقول
وعلى مقربة من تلك النار
كانت المآذن
ترفع ظلالها كشجر خائف
وتجرب أن تصلي
بصوت لا يقطعه صراخ الجنود
فإذا المؤذن
يخرج من بين الركام
على مهل
وهو يمسح غبار القذائف
عن حنجرته
ثم يؤذن للسلام
كأنه أول إنسان
علمته السماء
كيف يعيد للوقت اتزانه
وفي تلك اللحظة
ظهر أشعيا
من بين دخان يتصاعد
مثل حكمة قديمة
كان يمشي دون أن يخشى النار
كأن النار
ابنة ضالة له
رفع يده نحو المدينة
قال
لا تخافوا
فالسماء لا تترك شعبًا
يفهم دموعه
والضوء يولد من الرماد
كما يولد الطفل
من خوف أمه
ثم أغمض عينيه
فباركتهما الريح
وحملتهما إلى حيث
ينام الأنبياء
بلا نوم
وفي آخر الفصل
كانت المدينة
تتكئ على جدار محترق
وتقول بصوت
يشبه آخر صلاة
النار لا تقتل الضوء
إنما تمتحنه

7
يا وادي النيل
يا صفحة الماء التي حفظت
أسماء الملوك
كما يحفظ القلب
سره الأخير
لم نعرف أرضًا
تعرف كيف تنهض موتاها
كما تفعل أنت
ولا نهرًا
يمشي إلى البحر
وهو يحمل معه
ذاكرة الكواكب
هنا مر البابليون
فتركوا في هواء الصباح
أنين أبراجهم البعيدة
مر الآشوريون
فجروا الظلال بحديدهم
ومضوا
وبقي صدى خطاهم
يرن في الرمل
مثل طبول تبحث
عن معركة أخرى
وجاء الكنعانيون
يحملون أناشيد المطر
ويزرعون قمحًا
ينحني للشمس
كما ينحني طفل
لأغنية قديمة
كانوا يعرفون
أن الأرض أم
وتم الأم
لا يليق بها
إلا الحب
ثم تقدم المقدونيون
يلوحون بسيوف الضوء
من جهة الغرب
فيتسع ظل الإسكندر
على خرائط
لا تنتهي
كان يريد أن يضع العالم
في قبضة واحدة
وينسى
أن العالم
لا يمسك إلا بقلب
لا يخاف الخسارة
في وادي النيل
لم تكن الحضارة
نقشًا على حجر
بل كانت رئة
تتنفس من صدر الأرض
وكانت الكتب
أجنحة للطمي
تعرف كيف تحافظ
على أسرار الملوك
حتى بعد أن
يتكسر التاج
على جبهة الزمن
وقف الكاهن المصري القديم
عند باب المعبد
ورفع إصبعه للسماء
وقال
يا رب النيل
أرسل فيضانك
كي نعرف
أنك مازلت تتذكرنا
فجاء الفيضان
مثل كتاب أبيض
يمحو خطايا الغزاة
ويعيد للحياة
قدرتها على البدء
وفي آخر الفصل
حين هدأت الريح
على ضفاف النهر
سمع الناس
صوتًا يخرج
من أعماق الماء
الحضارة ليست ما يبنيه الملوك
بل ما يبقى بعد أن يرحلوا

8
في هذا الفصل
يخرج الزمن من صمته
ويلبس درعًا
من أسئلة لا يقدر
أحد على كسرها
فالحرب
منذ أن تعلم الإنسان
كيف يفتح يديه
ليأخذ ما ليس له
لم تكن قدرًا
بل كانت عادة
قديمة
مثل الخوف
في العصور الوسطى
كان الليل طويلًا
كأنه ذراع فارس
يبحث عن قلب
يعلق عليه ميدالية النصر
وكانت المدن
تخفي خوفها
تحت خوذ من النحاس
وتترك أبوابها
تتدلى من مفصل واحد
كأنها جروح
تنتظر ضمادا من الصباح
جاءت الحروب الصليبية
تدعي أنها تحمل رسائل السماء
بينما كانت السماء
تراقب المشهد
بدهشة مرهقة
وتسأل
كيف يمكن للقداسة
أن تحمل بحد السيف
لكن الأرض
تعرف دائمًا
أن الدم لا يصلي
ثم دقت المدافع
باب القرن العشرين
فانفتح الجحيم
على اسمه الجديد
ستالينغراد
لم تكن مدينة
بقدر ما كانت
صدرًا واسعًا
يقف أمام الريح
ويقول لها
مري من خلالي
فلن تنكسري في صدري
تهشم الثلج
على أجساد الجنود
وتكسر الصمت
على جبهات
لا تفرق بين لحم
ولا حديد
ومع ذلك
ولدت من تلك العظام
قصيدة طويلة
عن معنى الصمود
وقبلها بقرون
كان حصان طروادة
لايزال يتجول
في ذاكرة البشر
يذكرهم
بأن الخدعة
أشد فتكًا
من السيف
خرج من بطنه الليل
وتسأل إلى المدينة
مثل فكرة سوداء
يخفيها عاشق
في جيب معطفه
ومنذ تلك الليلة
عرفت المدن
أن الخطر
قد يأتي على هيئة
خشبية جميلة
وفي نهاية الفصل
خين تضع الحرب قناعها
وتغسل وجهها
من بقايا الموت
تتساءل الأرض
بمرارة هادئة
لماذا يختبر الإنسان
إنسانيته
على جثث الآخرين؟
ولماذا يعود من كل حرب
أقل بشرًا
مما كان؟
ثم تصمت
كأنها تخشى
أن تعرف الإجابة

9
في هذا الفصل
تتفتح الأرض
على أصوات
من زمن لم يكتمل
ويخرج الأنبياء
من صفحات صفراء
ليعيدوا ترتيب
فوضى الإنسان
جاء داوود
وفي يده قيثارة
مصنوعة من خشب الحنين
جاس على صخرة
في وادٍ لن يعرفه أحد
ثم غنى
فارتجف الليل
كالطفل إذا سمع
أول حكاية
قالت الريح:
أيها الملك الصغير
كيف استطعت أن تهزم
جندًا بهذا الصوت؟
فابتسم
ومسح على أوتاره
الحرب يا ريح
لا تحتاج إلى السيف
إن عرفت أين يسكن القلب
وجاء يعقوب
يمشي بثقل جرح
لا يراه إلا الله
وبوحشة رجل
فقد نصفه في طريق
لا يعرف نهايته
كان يحمل اسمًا
تطارده الملائكة
وقصة تتناثر
مثل قمح في طريق طويل
وقف
ثم قال لليل
أنا رجل
تعلم أن ينتظر كثيرًا
يتحول إلى نبوءة
أما أسباط الحجارة
فلم يكونوا رجالًا فقط
بل كانوا
أحمال الأرض كلها
يحملون وصايا الآباء
كدروع من خوف قديم
كانت حجارتهم
تتكلم حين يسكنون
وتبكي حين يتعبون
وتتشقق
إذا ضاقت الأرض
بما فيها من ظلم
وفي كل حجر منهم
ذاكرة وطن
وصوت أم
ومقبرة مفتوحة
على آخر دعاء
ثم جاء موسى
من جهة النار
يحمل في يده عصا
وكتابًا
وسؤالًا واحدًا
متى يصبح الطريق
أقل شوكًا؟
تشققت الأرض
تحت قدميه
ومع ذلك
ظل يمضي
كأنه يعرف
أن المعجزة
لا تحتاج إلى عصا
بل إلى قلب
لا ينسى ما رآه
قالت له الجبال:
يا موسى
إلى أين تأخذ شعبك؟
فقال:
إلى ما لم يكتب بعد
وأخيرًا
جاء المسيح
يمشي على ظله
كما يمشي الماء
على الماء
كان يحمل صليبًا
أخف من الهواء
وأثقل من العالم
وقف على تلة
ونظر إلى المدينة
وقال:
سلامًا لكم
ولو أن السلام
لا يملك بيتًا
يسكنه
ثم وضع كفه
على صدر الأرض
فهدأت
وكأنها تذكرت
أن الحب
هو الدين
الذي لم يختلف عليه أحد
وفي نهاية الفصل
اجتمع الأنبياء
في ساحة من نور
وقالوا للأرض:
نحن مررنا هنا
لنعرف فقط
أن الإنسان
أكبر من خطيئته
وأصغر من حلمه
وأن الطريق
هو المعجزة
فأجابتهم الأرض
بصوت خافت
يشبه نبضًا قديمًا:
امضوا
فلايزال الطريق
طويلًا على البشر

10
كان القرن
أصعب من أن يحكى
وأثقل من أن يكتب
على ورق لا يحتمل
كل هذا الرماد
كان قرنًا
يرفع باليد اليمنى
شعار التقدم
وباليد اليسرى
يمسح آثار جريمة
لم يعترف بها أحد
في صباح يشبه القيامة
استيقظت ناجازاكي
على ضوء
لم تطلبه
ضوء
لا يصلي
ولا يرأف
ولا يعرف من أين جاء
سقطت المدينة
على ركبتين
ثم حاولت أن تنظر
إلى جسدها المتفحم
لكنها لم تجد
شيئًا يشبه الإنسان
سأل طفل
كان يجمع رماد لعبته:
هل هذا نهار جديد؟
فبكت أمه
وبكت معه
سماء كانت تشاهد
كل شيء من فوق
ولا تستطيع أن تنقذ أحدًا
وفي هيروشيما
لم تكن القنبلة
قنبلة فقط
كانت
صوتًا يقطع الحاضر
عن تاريخه
ويضرب الزمن
كطفل
يحاول تكسير لعبته
ليلعب بها من جديد
خرج الناجون
من بين الغبار
كأنهم أشباح
تفكر
هل نحن أحياء
أم أننا مجرد ذاكرة
تبحث عن جسدها؟
كان الهواء ثقيلًا
كما لو أنه يحمل
ألف روح
تتشبث بالحياة
ثم جاءت هافانا
ولكن على طريقتها
كانت جزيرة
تدخن الثورة
كما يدخن شاعر
قصيدته الأولى
ترفع قبضتها
في وجه البحر
وتقول له:
أيها العالم
لسنا صغارًا
كما تظن
ولا كبارًا
كما نتظاهر
نحن فقط
نحاول أن نعيش
بطريقة
لا تقتلنا
في الأزقة
كان الفقراء
يمشون بثقة
غريبة
كأنهم ورثة الشمس
لا ورثة السلاسل
وكان صوت التروبا
يملأ الشرفات
بنغم يقول:
الثورة ليست علمًا
بل أغنية
وفي نهاية الفصل
وقف القرن العشرون
أمام المرآة
ورأى وجهًا
تكسر من كثرة الحروب
قال بصوت
لن يسمعه أحد:
لم أكن قاتلًا
كنت فقط
زمنًا
حمل الإنسان
فيه سيفًا
أطول من ظله
فأجابته الأرض:
نحن لا نلوم الزمن
نلوم من استخدمه
ثم انطفأت القنابل
وبقي الرماد
ينتظر
أن يتحول يومًا
إلى غيمة بيضاء

11
كانت الأرض في هذا الفصل
أشد هشاشة من أن تحمل
وأشد قوة
من أن تسقط
كانت المدن
تخرج من ليلها
كمن ينهض من كابوس
ويبحث عن اسمه
فلسطين
يا قصيدة العصور
يا جرحًا يفتح نافذة على الله
ويا وطنًا
إذا تنفس طفل فيه
ارتجف التاريخ
لم تكن فلسطين
مجرد كلمة
في نشرات المساء
كانت أمًا
تحمل أطفالها بيد
وباليد الأخرى
تحاول أن توقف
رصاصة تخترق الهواء
كانت تعرف
أن الحرية
لا تأتي بالصدفة
بل تأتي
من قلب يعرف
كيف يحفظ الخريطة
حتى لو مزقت الحدود
قالت:
لن أكون ضحية
سأكون ذاكرة
بيروت
وفي بيروت
كانت المدن
تتعلم كيف تغني
وهي تنزف
تجلس على شرفة البحر
وتشعل سيجارتها
بشرارة
من آخر انفجار
بيروت
لا تموت
لأنها
لا تتذكر كيف تموت
كلما سقطت
نهضت
وكلما احترقت
خرجت من نفسها
أكثر شعرًا
أكثر امرأة
أكثر مدينة
تحب الحياة
ولو خانتها الحياة
قالت للعالم:
أنا من رماد
يعرف كيف يصبح وردًا
بغداد
وأما بغداد
فكانت تنهض
ومع كل نهوض
تفقد جزءًا من صوتها
ثم تستعيده
كما تستعيد أم
طفلها الضائع
جاءها الغزاة
كأنهم فصل آخر
من كتاب
أرادت أن تمزقه
لكن بغداد
لا تمزق شيئًا
هي تجمع
ما تبقى من التاريخ
وتعيد ترتيبه
على رفوف
من حنين ثقيل
كانت تقول:
يا أحفادي
لا تبحثوا في الخراب
ابحثوا في أنفسكم
عن بداية الأعمار
صنعاء
وفي آخر الطريق
جلست صنعاء
على تلة من قلوب أهلها
تنظر إلى السماء
وتسأل:
هل هناك فجر
لم يمسسه الدخان؟
كانت عتيقة
كالحكمة
طرية
كالخجل
وحين تتحدث
تتمايل القباب
على لحن صوتها
قالت:
أنا لا أريد
حروبًا
أريد بابًا قديمًا
يعود إلى بيت
لم ينهدم
ومع أن القذائف
مزقت جدرانها
ظلت تستر جرحها
بضفيرة فتاة
تحفظ التراث
كي لا يضيع
وفي آخر الفصل
اجتمعت المدن
على خريطة واحدة
وقالت للأرض:
نحن لم نختر
أن ننزف
لكننا اخترنا
أن نكتب
فأجابت الأرض
بصوت هو مزيج
بين صرخة أم
ونفس قصيدة:
اكتبوا
فالكتابة
أقوى من الخراب

12
غزة
وفي آخر الحافة
كانت غزة تنام على بركان
وتستيقظ على بركان
ولا تنسى أن تزرع
في كل حفرة
زهرة تعرف
كيف تهزم الدخان
غزة التي تعلم العالم
أن الجسد الصغير
أقوى من الطائرة
وأن الطفل
إذا حمل حجرًا
تغير شكل العالم
قالت للعاصفة:
أنا لست مدينة
أنا امتحان الإنسانية
القدس
أما القدس
فكانت تمشي
على رؤوس الملائكة
وتجر ثوبًا من نور
سرقته من يد الله
حين لم يكن الحراس
منتبهين
هي ليست مدينة
بل صلاة تمشي على قدمين
ورائحة تاريخ
إذا تنفس
اهتزت الجبال
لم تكن القدس
تغفو
لأن القداسة
نوم قصير
ولأن الحجر
يحرسها أكثر
مما يحرسها البشر
قالت:
سلامي لا ينتزع
سلامي يولد
زنوبيا
ومن جهة البادية
جاءت زنوبيا
تمشي على خطى
لم تخف من الرومان
ولا من ظلال الإمبراطوريات
رفعت سيفها
لا لتقتل
بل لتقول
أنا ابنة الشمس
وأرفض أن أظلل
كانت تعرف
أن الملكات
لا يحكمن فقط
بل يحمين الأرض
من أن تنسى نفسها
بلقيس
وجاءت بلقيس
بخطوة
تفوح منها رائحة اللبان
وحنين الصحارى العميقة
وقفت على باب التاريخ
وقالت:
أيها الملوك
تعلمت من النمل
أن الحكمة
أقوى من الجيوش
ومن الريح
أن القلب
إن صدق
صار له جناح
كان عرسها
لايزال يومض
في الذاكرة
كأن الذهب
لم ينسَ
كيف يلمع حين يكون
ملكًا على قلب نبيل
كليوباترا
ثم ظهرت كليوباترا
من بين دخان الأساطير
تمسك بشموخ
لا يذوب
كانت تعرف
أن الملكة
هي التي تبحر
ضد الغرق
وتواجه المصير
وهي تضع التاج
على رأسها
حتى اللحظة الأخيرة
ابتسمت
وقالت للنيل:
يا حليبي القديم
مازلت تكتبني
كما يكتب شاعر
امرأة لا يجرؤ
أن ينسى
قادش
وفي خلفية المشهد
كانت قادش
تنهض كمعركة
لا تخضع للنسيان
كانت ساحة
حملت أول اعتراف
بأن الأرض
لا تتغير بالسيوف
بقدر ما تتغير
بذاكرة من سقطوا عليها
كانت تقول:
أنا درس مبكر
في معنى القوة
ومعنى الخسارة
لم تربح قادش
سيفًا
لكنها ربحت
سطورًا
لم يمحها الزمن
اجتمعت المدن والملكات
والأنبياء
على خريطة
لم ترسمها يد
بل رسمها الألم
والحب
والجروح التي تعرف
كيف تتحول إلى النشيد
وقالت الأرض لهم جميعًا:
أنتم تاريخ
لا يبحث عن ماضٍ
بل يكتب مستقبلًا
من نور
ومعنى

13
في نهاية الرحلة
حين مشى الزمان
على عكاز حكمته
وحين هدأت الريح
من كثرة ما حملت
من أرواح وأساطير
اجتمع العالم
في ساحة لا اسم لها
والسور
كأنها قلب مفتوح
على مصير وتحدٍّ
جاءت المدن
كل تحمل ظلها
وأطفالها
وما تبقى من جدران
غزة بيد من نار
ويد من ورد
القدس بثوب من صلاة
بيروت بنعاس أغنية
تبحث عن حضن
بغداد بكتب محترقة
صنعاء بباب
لم يعد يعرف
إلى أي بيت ينتمي
وجاءت الملكات
من تاج إلى تاج
زنوبيا على صهوة نور
رفض أن ينكسر
بلقيس على خطوة عطر
كليوباترا
على نهر
يعرف اسمها من الذاكرة
لم يحملن الذهب
بل حملن حكمة
تعلمت من الهزائم
أكثر ما تعلمت
من العروش
وجاء الأنبياء
داوود بترتيلة
تذيب جدارًا
يعقوب بجرح الانتظار
موسى بظل الطريق
المسيح بنور
لا يجد مكانًا
ليستريح
كان أشعيا يرافقهم
يكتب على الهواء
سينتصر الضوء
ولو بعد ألف عام
ثم جاء التاريخ
ثقيلًا
مثل رجل سكران
يحمل على ظهره
ما لا يحتمل
حمل معه
هولاكو وخراب المغول
وحروب الروم
وداحس والغبراء
والبسوس
وطروادة
وستالينغراد
وكل الدم
الذي سال
من قادش حتى هيروشيما
وقف في وسط الجموع
وهو يردد:
لم أكن أشتهي الخرب
لكن البشر
كتبوا اسمي بالسيوف
وفي تلك اللحظة
مشت الأرض
نحو المركز
كانت امرأة
في هيئة وطن
أمًا في هيئة اللهفة
وحجرًا في هيئة القلب
رفعت يدها
وقالت:
يا أبنائي
لقد رأيت كل شيء
قنابل تسقط
مثل أقدار
مدنًا تبنى
من بكاء أطفال
ملوكًا يصعدون
مثل دخان
وشعوبًا تنهض
مثل أغاني الفقراء
لكنني
رغم كل هذا
لم أولد للخراب
ولم أخلق
كي أدفنكم
خلقتكم
لتكونوا نورًا
فلماذا تتذكرونني
بالنار؟
فساد الصمت
صمت يشبه
أول لحظة في الخلق
ثم تقدمت غزة
بخطوة من رماد
وقفت أمام الأرض
وقالت:
سنحيا
وتقدمت القدس
وقالت:
وسنصلي
وقالت بيروت:
وسننهض
وقالت بغداد:
وسنتذكر
وقتلت صنعاء:
وسنفتح بابًا جديدًا
وقالت بلقيس:
ونحكم بالحب
وقالت زنوبيا:
وسنكون أحرارًا
وقالت كليوباترا:
وسنغرق الخوف
في جمال الحياة
وقال المسيح:
وسنسامح
وقال موسى:
وسنواصل الطريق
وقال داوود:
وسنغني
وقال يعقوب:
وسنصبر
وقال أشعيا:
وسنرى المعجزة
ثم قالت الأرض
بصوت يشبه
نهاية القصيدة:
إذن
هذا هو العهد لن تعود الحروب
إن تذكرتم أنكم
جميعًا أبنائي
وسقط الليل
على كتف النهار
كأنهما أخوان
تصالحا أخيرًا
وانتهت الملحمة
كي تبدأ من جديد
في قلب كل من يقرأ

كتاب الرماد والأنبياء

يحيي سعيد الواضح
23 نوفمبر2025

1
يا أيها الذاهبون إلى التاريخ من غير أبواب
ها هي الأرض تسلم مفاتيحها للغبار
وها هو هولاكو يعبر من فتحة في الذاكرة
والتتار يجرون الليل خلف خيولهم
والمغول يحصون أنفاس المدن
قبل أن يضعوا على رقبتها آخر
سؤال عن معنى البقاء
لم نكن يومًا سوى الروم في مرآة الروم
ولا العرب في مرآة العرب
نحمل داحس والغبراء في جيوبنا
مثل حجارة ورثناها
من يد نسيت لماذا تشعل النار

2
قال نيرون وهو يشعل المعبد
أعطوني ليلًا أطول كي أرى نفسي
لكن أشعيا وقف على حافة اللهيب
ومعه توقيت الريح
وقال لا خوف على المدن
مادام في الكنائس صمت يصلي
وفي المآذن ظل مؤذن
لم يقطع صوته السيف

3
من حصان طروادة خرج الليل
بألف قناع
وبقي النهار واقفًا
أمام بوابة من أسئلة
من ستالينغراد خرجت الأرض
تشد على جراحها
وتقول
لن ينتصر الجليد على نار أمهاتي

4
فلسطين ليست خبرًا في النشرة
إنها اسم الناجي الوحيد
من الغرق في المعاجم
بيروت تمد يدًا من دخان
ويدًا من أغنية
بغداد تبحث عن طفلتها بين رفوف التاريخ
وصنعاء تقول
مازال في قلبي متسع
لآخر قبلة من الفجر

5
في البدء
لم تكن الأرض تعرف أسماء قاتليها
ولا كانت الحروب سوى حصى صغيرة
يتدرب بها الأطفال
على رمي الهواء
لكن الغبار كبر
وكبرت معه السيوف في أيدي العابرين
من جنون إلى جنون
جاء هولاكو
يمشي على ضوء خافت
من فزع الكتب
فيتبعه التتار
كأنهم ظلاله المبعثرة
وتتبعه المغول
كأنهم صدى صوته
إذا صاح في ليل القرى
افتحوا الطريق لقد تأخرت
لم نكن في تلك الأزمنة
سوى صدى يرتطم
بأسوار المدن المكسورة
ولا كانت الروم تعرف
أن حديدها سيصدأ
على أبواب نسيت أن تغلق
ثم تكاثرت الغزوات
حتى صار التاريخ
حائطًا طويلًا من الصراخ
وصارت داحس والغبراء
دفتر طفولة لأمة
لا تعرف كيف تنام
إلا على صوت سيفين يختصمان
وصارت البسوس
أمًا للدم
ترضع قبيلتين
وتقول لكل جيل جديد
هذا النزاع ميراثكم
فلا تهملوه
وكان الليل يمشي
وهو يجر خلفه
جثث القرون
وكانت الأرض
تتعثر بأقدام الغزاة
ثم تقوم
وتقوم
ونقوم
كما لو أنها
تتدرب منذ بدايتها
على فن البقاء
وفي آخر هذا الفصل من الطين
حسن تغيرت أسماء السيوف
ولم تتغير الجراح
نظر طفل صغير
إلى سماء قريته المهدمة
متى تنتهي البداية
فقالت وهي تجمع الرماد
إلى صدرها
حين يعرف البشر
أن الحروب لا تبدأ
حين يشهرون السيوف
بل حين ينسون
أنهم بشر

6
لما انطفأت الحروب الأولى
أيقظت المدن رمادها
وقالت
آن للضوء أن يخرج من تحت ركامه
لكن الطغاة
كعادتهم منذ أول حجر
كانوا يحرسون الليل
بمشاعل من نار
لا تدفئ أحدًا
وقف نيرون
على سلم المعبد
يمسح يده بيد التاريخ
ويقول للحرائق
كبروا قليلًا
كي أرى نفسي أوضح
فانفجرت المدينة
ضوءًا لا يشبه الضوء
وصار المعبد
كتفين للأجراس
وصارت الكنائس
رئة ألم
تتردد بين عظام المؤمنين
وفي زاوية لم يمسسها اللهيب
جلس الكاهن
يعد ما بقي من الصلوات
ويبحث في الكتب المقدسة
عن معنى جديد
للخلاص
قال
أيها الرب
إن عبادك
قد ملوا من كثرة التجارب
لكن السماء صمتت
كما لو أنها
تفهم أكثر مما تريد أن تقول
وعلى مقربة من تلك النار
كانت المآذن
ترفع ظلالها كشجر خائف
وتجرب أن تصلي
بصوت لا يقطعه صراخ الجنود
فإذا المؤذن
يخرج من بين الركام
على مهل
وهو يمسح غبار القذائف
عن حنجرته
ثم يؤذن للسلام
كأنه أول إنسان
علمته السماء
كيف يعيد للوقت اتزانه
وفي تلك اللحظة
ظهر أشعيا
من بين دخان يتصاعد
مثل حكمة قديمة
كان يمشي دون أن يخشى النار
كأن النار
ابنة ضالة له
رفع يده نحو المدينة
قال
لا تخافوا
فالسماء لا تترك شعبًا
يفهم دموعه
والضوء يولد من الرماد
كما يولد الطفل
من خوف أمه
ثم أغمض عينيه
فباركتهما الريح
وحملتهما إلى حيث
ينام الأنبياء
بلا نوم
وفي آخر الفصل
كانت المدينة
تتكئ على جدار محترق
وتقول بصوت
يشبه آخر صلاة
النار لا تقتل الضوء
إنما تمتحنه

7
يا وادي النيل
يا صفحة الماء التي حفظت
أسماء الملوك
كما يحفظ القلب
سره الأخير
لم نعرف أرضًا
تعرف كيف تنهض موتاها
كما تفعل أنت
ولا نهرًا
يمشي إلى البحر
وهو يحمل معه
ذاكرة الكواكب
هنا مر البابليون
فتركوا في هواء الصباح
أنين أبراجهم البعيدة
مر الآشوريون
فجروا الظلال بحديدهم
ومضوا
وبقي صدى خطاهم
يرن في الرمل
مثل طبول تبحث
عن معركة أخرى
وجاء الكنعانيون
يحملون أناشيد المطر
ويزرعون قمحًا
ينحني للشمس
كما ينحني طفل
لأغنية قديمة
كانوا يعرفون
أن الأرض أم
وتم الأم
لا يليق بها
إلا الحب
ثم تقدم المقدونيون
يلوحون بسيوف الضوء
من جهة الغرب
فيتسع ظل الإسكندر
على خرائط
لا تنتهي
كان يريد أن يضع العالم
في قبضة واحدة
وينسى
أن العالم
لا يمسك إلا بقلب
لا يخاف الخسارة
في وادي النيل
لم تكن الحضارة
نقشًا على حجر
بل كانت رئة
تتنفس من صدر الأرض
وكانت الكتب
أجنحة للطمي
تعرف كيف تحافظ
على أسرار الملوك
حتى بعد أن
يتكسر التاج
على جبهة الزمن
وقف الكاهن المصري القديم
عند باب المعبد
ورفع إصبعه للسماء
وقال
يا رب النيل
أرسل فيضانك
كي نعرف
أنك مازلت تتذكرنا
فجاء الفيضان
مثل كتاب أبيض
يمحو خطايا الغزاة
ويعيد للحياة
قدرتها على البدء
وفي آخر الفصل
حين هدأت الريح
على ضفاف النهر
سمع الناس
صوتًا يخرج
من أعماق الماء
الحضارة ليست ما يبنيه الملوك
بل ما يبقى بعد أن يرحلوا

8
في هذا الفصل
يخرج الزمن من صمته
ويلبس درعًا
من أسئلة لا يقدر
أحد على كسرها
فالحرب
منذ أن تعلم الإنسان
كيف يفتح يديه
ليأخذ ما ليس له
لم تكن قدرًا
بل كانت عادة
قديمة
مثل الخوف
في العصور الوسطى
كان الليل طويلًا
كأنه ذراع فارس
يبحث عن قلب
يعلق عليه ميدالية النصر
وكانت المدن
تخفي خوفها
تحت خوذ من النحاس
وتترك أبوابها
تتدلى من مفصل واحد
كأنها جروح
تنتظر ضمادا من الصباح
جاءت الحروب الصليبية
تدعي أنها تحمل رسائل السماء
بينما كانت السماء
تراقب المشهد
بدهشة مرهقة
وتسأل
كيف يمكن للقداسة
أن تحمل بحد السيف
لكن الأرض
تعرف دائمًا
أن الدم لا يصلي
ثم دقت المدافع
باب القرن العشرين
فانفتح الجحيم
على اسمه الجديد
ستالينغراد
لم تكن مدينة
بقدر ما كانت
صدرًا واسعًا
يقف أمام الريح
ويقول لها
مري من خلالي
فلن تنكسري في صدري
تهشم الثلج
على أجساد الجنود
وتكسر الصمت
على جبهات
لا تفرق بين لحم
ولا حديد
ومع ذلك
ولدت من تلك العظام
قصيدة طويلة
عن معنى الصمود
وقبلها بقرون
كان حصان طروادة
لايزال يتجول
في ذاكرة البشر
يذكرهم
بأن الخدعة
أشد فتكًا
من السيف
خرج من بطنه الليل
وتسأل إلى المدينة
مثل فكرة سوداء
يخفيها عاشق
في جيب معطفه
ومنذ تلك الليلة
عرفت المدن
أن الخطر
قد يأتي على هيئة
خشبية جميلة
وفي نهاية الفصل
خين تضع الحرب قناعها
وتغسل وجهها
من بقايا الموت
تتساءل الأرض
بمرارة هادئة
لماذا يختبر الإنسان
إنسانيته
على جثث الآخرين؟
ولماذا يعود من كل حرب
أقل بشرًا
مما كان؟
ثم تصمت
كأنها تخشى
أن تعرف الإجابة

9
في هذا الفصل
تتفتح الأرض
على أصوات
من زمن لم يكتمل
ويخرج الأنبياء
من صفحات صفراء
ليعيدوا ترتيب
فوضى الإنسان
جاء داوود
وفي يده قيثارة
مصنوعة من خشب الحنين
جاس على صخرة
في وادٍ لن يعرفه أحد
ثم غنى
فارتجف الليل
كالطفل إذا سمع
أول حكاية
قالت الريح:
أيها الملك الصغير
كيف استطعت أن تهزم
جندًا بهذا الصوت؟
فابتسم
ومسح على أوتاره
الحرب يا ريح
لا تحتاج إلى السيف
إن عرفت أين يسكن القلب
وجاء يعقوب
يمشي بثقل جرح
لا يراه إلا الله
وبوحشة رجل
فقد نصفه في طريق
لا يعرف نهايته
كان يحمل اسمًا
تطارده الملائكة
وقصة تتناثر
مثل قمح في طريق طويل
وقف
ثم قال لليل
أنا رجل
تعلم أن ينتظر كثيرًا
يتحول إلى نبوءة
أما أسباط الحجارة
فلم يكونوا رجالًا فقط
بل كانوا
أحمال الأرض كلها
يحملون وصايا الآباء
كدروع من خوف قديم
كانت حجارتهم
تتكلم حين يسكنون
وتبكي حين يتعبون
وتتشقق
إذا ضاقت الأرض
بما فيها من ظلم
وفي كل حجر منهم
ذاكرة وطن
وصوت أم
ومقبرة مفتوحة
على آخر دعاء
ثم جاء موسى
من جهة النار
يحمل في يده عصا
وكتابًا
وسؤالًا واحدًا
متى يصبح الطريق
أقل شوكًا؟
تشققت الأرض
تحت قدميه
ومع ذلك
ظل يمضي
كأنه يعرف
أن المعجزة
لا تحتاج إلى عصا
بل إلى قلب
لا ينسى ما رآه
قالت له الجبال:
يا موسى
إلى أين تأخذ شعبك؟
فقال:
إلى ما لم يكتب بعد
وأخيرًا
جاء المسيح
يمشي على ظله
كما يمشي الماء
على الماء
كان يحمل صليبًا
أخف من الهواء
وأثقل من العالم
وقف على تلة
ونظر إلى المدينة
وقال:
سلامًا لكم
ولو أن السلام
لا يملك بيتًا
يسكنه
ثم وضع كفه
على صدر الأرض
فهدأت
وكأنها تذكرت
أن الحب
هو الدين
الذي لم يختلف عليه أحد
وفي نهاية الفصل
اجتمع الأنبياء
في ساحة من نور
وقالوا للأرض:
نحن مررنا هنا
لنعرف فقط
أن الإنسان
أكبر من خطيئته
وأصغر من حلمه
وأن الطريق
هو المعجزة
فأجابتهم الأرض
بصوت خافت
يشبه نبضًا قديمًا:
امضوا
فلايزال الطريق
طويلًا على البشر

10
كان القرن
أصعب من أن يحكى
وأثقل من أن يكتب
على ورق لا يحتمل
كل هذا الرماد
كان قرنًا
يرفع باليد اليمنى
شعار التقدم
وباليد اليسرى
يمسح آثار جريمة
لم يعترف بها أحد
في صباح يشبه القيامة
استيقظت ناجازاكي
على ضوء
لم تطلبه
ضوء
لا يصلي
ولا يرأف
ولا يعرف من أين جاء
سقطت المدينة
على ركبتين
ثم حاولت أن تنظر
إلى جسدها المتفحم
لكنها لم تجد
شيئًا يشبه الإنسان
سأل طفل
كان يجمع رماد لعبته:
هل هذا نهار جديد؟
فبكت أمه
وبكت معه
سماء كانت تشاهد
كل شيء من فوق
ولا تستطيع أن تنقذ أحدًا
وفي هيروشيما
لم تكن القنبلة
قنبلة فقط
كانت
صوتًا يقطع الحاضر
عن تاريخه
ويضرب الزمن
كطفل
يحاول تكسير لعبته
ليلعب بها من جديد
خرج الناجون
من بين الغبار
كأنهم أشباح
تفكر
هل نحن أحياء
أم أننا مجرد ذاكرة
تبحث عن جسدها؟
كان الهواء ثقيلًا
كما لو أنه يحمل
ألف روح
تتشبث بالحياة
ثم جاءت هافانا
ولكن على طريقتها
كانت جزيرة
تدخن الثورة
كما يدخن شاعر
قصيدته الأولى
ترفع قبضتها
في وجه البحر
وتقول له:
أيها العالم
لسنا صغارًا
كما تظن
ولا كبارًا
كما نتظاهر
نحن فقط
نحاول أن نعيش
بطريقة
لا تقتلنا
في الأزقة
كان الفقراء
يمشون بثقة
غريبة
كأنهم ورثة الشمس
لا ورثة السلاسل
وكان صوت التروبا
يملأ الشرفات
بنغم يقول:
الثورة ليست علمًا
بل أغنية
وفي نهاية الفصل
وقف القرن العشرون
أمام المرآة
ورأى وجهًا
تكسر من كثرة الحروب
قال بصوت
لن يسمعه أحد:
لم أكن قاتلًا
كنت فقط
زمنًا
حمل الإنسان
فيه سيفًا
أطول من ظله
فأجابته الأرض:
نحن لا نلوم الزمن
نلوم من استخدمه
ثم انطفأت القنابل
وبقي الرماد
ينتظر
أن يتحول يومًا
إلى غيمة بيضاء

11
كانت الأرض في هذا الفصل
أشد هشاشة من أن تحمل
وأشد قوة
من أن تسقط
كانت المدن
تخرج من ليلها
كمن ينهض من كابوس
ويبحث عن اسمه
فلسطين
يا قصيدة العصور
يا جرحًا يفتح نافذة على الله
ويا وطنًا
إذا تنفس طفل فيه
ارتجف التاريخ
لم تكن فلسطين
مجرد كلمة
في نشرات المساء
كانت أمًا
تحمل أطفالها بيد
وباليد الأخرى
تحاول أن توقف
رصاصة تخترق الهواء
كانت تعرف
أن الحرية
لا تأتي بالصدفة
بل تأتي
من قلب يعرف
كيف يحفظ الخريطة
حتى لو مزقت الحدود
قالت:
لن أكون ضحية
سأكون ذاكرة
بيروت
وفي بيروت
كانت المدن
تتعلم كيف تغني
وهي تنزف
تجلس على شرفة البحر
وتشعل سيجارتها
بشرارة
من آخر انفجار
بيروت
لا تموت
لأنها
لا تتذكر كيف تموت
كلما سقطت
نهضت
وكلما احترقت
خرجت من نفسها
أكثر شعرًا
أكثر امرأة
أكثر مدينة
تحب الحياة
ولو خانتها الحياة
قالت للعالم:
أنا من رماد
يعرف كيف يصبح وردًا
بغداد
وأما بغداد
فكانت تنهض
ومع كل نهوض
تفقد جزءًا من صوتها
ثم تستعيده
كما تستعيد أم
طفلها الضائع
جاءها الغزاة
كأنهم فصل آخر
من كتاب
أرادت أن تمزقه
لكن بغداد
لا تمزق شيئًا
هي تجمع
ما تبقى من التاريخ
وتعيد ترتيبه
على رفوف
من حنين ثقيل
كانت تقول:
يا أحفادي
لا تبحثوا في الخراب
ابحثوا في أنفسكم
عن بداية الأعمار
صنعاء
وفي آخر الطريق
جلست صنعاء
على تلة من قلوب أهلها
تنظر إلى السماء
وتسأل:
هل هناك فجر
لم يمسسه الدخان؟
كانت عتيقة
كالحكمة
طرية
كالخجل
وحين تتحدث
تتمايل القباب
على لحن صوتها
قالت:
أنا لا أريد
حروبًا
أريد بابًا قديمًا
يعود إلى بيت
لم ينهدم
ومع أن القذائف
مزقت جدرانها
ظلت تستر جرحها
بضفيرة فتاة
تحفظ التراث
كي لا يضيع
وفي آخر الفصل
اجتمعت المدن
على خريطة واحدة
وقالت للأرض:
نحن لم نختر
أن ننزف
لكننا اخترنا
أن نكتب
فأجابت الأرض
بصوت هو مزيج
بين صرخة أم
ونفس قصيدة:
اكتبوا
فالكتابة
أقوى من الخراب

12
غزة
وفي آخر الحافة
كانت غزة تنام على بركان
وتستيقظ على بركان
ولا تنسى أن تزرع
في كل حفرة
زهرة تعرف
كيف تهزم الدخان
غزة التي تعلم العالم
أن الجسد الصغير
أقوى من الطائرة
وأن الطفل
إذا حمل حجرًا
تغير شكل العالم
قالت للعاصفة:
أنا لست مدينة
أنا امتحان الإنسانية
القدس
أما القدس
فكانت تمشي
على رؤوس الملائكة
وتجر ثوبًا من نور
سرقته من يد الله
حين لم يكن الحراس
منتبهين
هي ليست مدينة
بل صلاة تمشي على قدمين
ورائحة تاريخ
إذا تنفس
اهتزت الجبال
لم تكن القدس
تغفو
لأن القداسة
نوم قصير
ولأن الحجر
يحرسها أكثر
مما يحرسها البشر
قالت:
سلامي لا ينتزع
سلامي يولد
زنوبيا
ومن جهة البادية
جاءت زنوبيا
تمشي على خطى
لم تخف من الرومان
ولا من ظلال الإمبراطوريات
رفعت سيفها
لا لتقتل
بل لتقول
أنا ابنة الشمس
وأرفض أن أظلل
كانت تعرف
أن الملكات
لا يحكمن فقط
بل يحمين الأرض
من أن تنسى نفسها
بلقيس
وجاءت بلقيس
بخطوة
تفوح منها رائحة اللبان
وحنين الصحارى العميقة
وقفت على باب التاريخ
وقالت:
أيها الملوك
تعلمت من النمل
أن الحكمة
أقوى من الجيوش
ومن الريح
أن القلب
إن صدق
صار له جناح
كان عرسها
لايزال يومض
في الذاكرة
كأن الذهب
لم ينسَ
كيف يلمع حين يكون
ملكًا على قلب نبيل
كليوباترا
ثم ظهرت كليوباترا
من بين دخان الأساطير
تمسك بشموخ
لا يذوب
كانت تعرف
أن الملكة
هي التي تبحر
ضد الغرق
وتواجه المصير
وهي تضع التاج
على رأسها
حتى اللحظة الأخيرة
ابتسمت
وقالت للنيل:
يا حليبي القديم
مازلت تكتبني
كما يكتب شاعر
امرأة لا يجرؤ
أن ينسى
قادش
وفي خلفية المشهد
كانت قادش
تنهض كمعركة
لا تخضع للنسيان
كانت ساحة
حملت أول اعتراف
بأن الأرض
لا تتغير بالسيوف
بقدر ما تتغير
بذاكرة من سقطوا عليها
كانت تقول:
أنا درس مبكر
في معنى القوة
ومعنى الخسارة
لم تربح قادش
سيفًا
لكنها ربحت
سطورًا
لم يمحها الزمن
اجتمعت المدن والملكات
والأنبياء
على خريطة
لم ترسمها يد
بل رسمها الألم
والحب
والجروح التي تعرف
كيف تتحول إلى النشيد
وقالت الأرض لهم جميعًا:
أنتم تاريخ
لا يبحث عن ماضٍ
بل يكتب مستقبلًا
من نور
ومعنى

13
في نهاية الرحلة
حين مشى الزمان
على عكاز حكمته
وحين هدأت الريح
من كثرة ما حملت
من أرواح وأساطير
اجتمع العالم
في ساحة لا اسم لها
والسور
كأنها قلب مفتوح
على مصير وتحدٍّ
جاءت المدن
كل تحمل ظلها
وأطفالها
وما تبقى من جدران
غزة بيد من نار
ويد من ورد
القدس بثوب من صلاة
بيروت بنعاس أغنية
تبحث عن حضن
بغداد بكتب محترقة
صنعاء بباب
لم يعد يعرف
إلى أي بيت ينتمي
وجاءت الملكات
من تاج إلى تاج
زنوبيا على صهوة نور
رفض أن ينكسر
بلقيس على خطوة عطر
كليوباترا
على نهر
يعرف اسمها من الذاكرة
لم يحملن الذهب
بل حملن حكمة
تعلمت من الهزائم
أكثر ما تعلمت
من العروش
وجاء الأنبياء
داوود بترتيلة
تذيب جدارًا
يعقوب بجرح الانتظار
موسى بظل الطريق
المسيح بنور
لا يجد مكانًا
ليستريح
كان أشعيا يرافقهم
يكتب على الهواء
سينتصر الضوء
ولو بعد ألف عام
ثم جاء التاريخ
ثقيلًا
مثل رجل سكران
يحمل على ظهره
ما لا يحتمل
حمل معه
هولاكو وخراب المغول
وحروب الروم
وداحس والغبراء
والبسوس
وطروادة
وستالينغراد
وكل الدم
الذي سال
من قادش حتى هيروشيما
وقف في وسط الجموع
وهو يردد:
لم أكن أشتهي الخرب
لكن البشر
كتبوا اسمي بالسيوف
وفي تلك اللحظة
مشت الأرض
نحو المركز
كانت امرأة
في هيئة وطن
أمًا في هيئة اللهفة
وحجرًا في هيئة القلب
رفعت يدها
وقالت:
يا أبنائي
لقد رأيت كل شيء
قنابل تسقط
مثل أقدار
مدنًا تبنى
من بكاء أطفال
ملوكًا يصعدون
مثل دخان
وشعوبًا تنهض
مثل أغاني الفقراء
لكنني
رغم كل هذا
لم أولد للخراب
ولم أخلق
كي أدفنكم
خلقتكم
لتكونوا نورًا
فلماذا تتذكرونني
بالنار؟
فساد الصمت
صمت يشبه
أول لحظة في الخلق
ثم تقدمت غزة
بخطوة من رماد
وقفت أمام الأرض
وقالت:
سنحيا
وتقدمت القدس
وقالت:
وسنصلي
وقالت بيروت:
وسننهض
وقالت بغداد:
وسنتذكر
وقتلت صنعاء:
وسنفتح بابًا جديدًا
وقالت بلقيس:
ونحكم بالحب
وقالت زنوبيا:
وسنكون أحرارًا
وقالت كليوباترا:
وسنغرق الخوف
في جمال الحياة
وقال المسيح:
وسنسامح
وقال موسى:
وسنواصل الطريق
وقال داوود:
وسنغني
وقال يعقوب:
وسنصبر
وقال أشعيا:
وسنرى المعجزة
ثم قالت الأرض
بصوت يشبه
نهاية القصيدة:
إذن
هذا هو العهد لن تعود الحروب
إن تذكرتم أنكم
جميعًا أبنائي
وسقط الليل
على كتف النهار
كأنهما أخوان
تصالحا أخيرًا
وانتهت الملحمة
كي تبدأ من جديد
في قلب كل من يقرأ