آراء تبدد غيوماً داكنة
حين يحل بالديار ظلام دامس، ويخيم عليها ليل عابس، فالأمر يستدعي ما يزيح العتمة، ويفتح نافذة ينفذ منها نور وشعاع يضيء الطريق، ويشير إلى بؤر إن اشتد ظلامها وطال سباتها، ألقت بسدولها الأكثر سواداً كي تسود وتسد أي توهجات لنور ينفذ، وبوصلة تشير للمسار الذي أخطأه الجمع المسيطر، أو لنقل بدقة أكبر: جمع يحرك الخيوط دونما رؤية تتكامل معها رؤى أخرى تنير آفاق الخروج من مستوطنة استوطنها الركود، وغاب عنها الصواب، لتظل حبيسة أركان أزمة تتعقد، وتتزايد فيها مواطن الخلل الهيكلي بعناصره السياسية والاقتصادية والأمنية.
لتظل عناوين أزمة الحكم والبلد تدور ضمن مفهوم الدوران داخل أتون الحلقة المفرغة، تماماً كما يظل أمر أي اقتصاد مصاب بالركود المزمن، مهما قيل إن علاجاً له تم، يجد نفسه يدور ضمن حلقة مفرغة؛ لأن مدخلات معالجة الركود لم تمس من الجذور أسباب الركود الاقتصادي، ليظل العجز والتدهور عنوانين بارزين.
وذات الأمر ينطبق على مجال معالجة الأزمة السياسية التي تطبع الحياة السياسية في البلاد، فلا جديد يحمل تغييراً في أسس المعالجة لجذور الأزمة، لتظل الأزمة تبعاً لذلك تدور داخل دوامة لم تتوافق لحلها إرادات وطنية حقيقية تمتلك زمام المبادرة، لرؤية وطنية متكاملة نابعة من إرادات سياسية مستقلة، تملك قراراً وطنياً سيادياً، لا بأس أن يرتبط بعلاقات مع الغير المساعد لا المقرر، وضمن قاعدة وطنية متحررة من عناصر الضغط، أيّاً كان شكلها أو لونها.
ذلك ضرورة لضمان الخروج من سبيكة الحلقة المفرغة المليئة بالصدأ والخدوش، وفوهات التدخل والتداخل بوسائل معطلة. ضمن هذه الرؤية، وجدنا إضاءات تتطلب الأمانة الوطنية بعد أن أعيتنا الحيل، ليجد الوطن الممزق مخرجاً لأزماته المتكررة والمتصاعدة داخل مرجل أزمة وطنية تزداد غلياناً طيلة عقد ونيف من الزمن، منذ قيام عاصفة الحزم.
هنا نتوقف لنشير إلى ثلاث رؤى، أو ثلاث مشاريع، أو لنقل وجهات نظر تعاملت بمسؤولية من يهمه أمر استقرار بلادنا اليمن العزيز، وخروجه من نفق بات يختنق فيه، ومعه يختنق شعب بكامله داخل مراجل أزمة تتصاعد دخاخينها ونيرانها التي تحرق الجميع.
هنا أشير أولاً إلى ما قدمته رؤية الأخ الرئيس علي ناصر محمد، التي أدلى بها خلال مشاركته في لقاء عبر "الزووم" مؤخراً، ليؤكد على ما يتبناه بشكل دائم، ضمن رؤية وطنية تدعو إلى ضرورة تبني مشروع للحوار الوطني الشامل سبيلاً للخروج من أتون أزمة وطنية مستدامة طالت الشمال والجنوب. وعناصر رؤيته جلية يذكر بها كلما استدعت الحاجة، وهي – باعتقادنا – حاجة ملحة يتطلبها وضع وطن يضيع ويبحث عمن يسير به صوب الصواب لا سوء السبيل.
الرؤية الثانية أعدها وكتبها الأستاذ يحيى حسين العرشي بمسؤولية تاريخية وطنية، تتواصل مع تاريخ وطني حافل ما يزال يحمله، وترتبط بمسار القضية الوطنية اليمنية. وأقصد الورقة التي تقدم بها لمن يهمهم أمر البلاد قبل فترة وجيزة، وتم تداولها. وكنا نأمل أن تستجيب لها الجهات ذات الصلة والنخب التي تتعاطى الشأن الوطني المأزوم، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وهي رؤية تحمل نفس الأفكار التي تدعو للحوار الوطني الشامل، وتهيئة الساحة الوطنية لذلك، داعياً إلى ضرورة المراجعة الشاملة لما جرى، وإطلاق سراح المعتقلين، وإعادة ما تم مصادرته دون وجه حق قانوني. والرؤية متاحة يمكن الرجوع إليها.
أما الورقة الثالثة، فهي التي طرحها الأستاذ الدكتور محمد المسفر من دولة قطر الشقيقة، وقد خص بها رئيس المجلس الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، داعياً إلى ضرورة إعادة النظر في طابع المجلس، وطرح إعادة تشكيله عبر عملية انتخاب لرئيس يدير الأمور، مؤكداً أهمية أن تتم هذه الخطوة عبر آلية انتخابية، حتى عبر مجلس النواب. كما أكد ضرورة بناء جيش وطني يتجاوز واقع التشكيلات الحالية.
ويمكن الرجوع لورقته التي أشاد فيها باختيار رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني، مشيراً إلى تاريخه الحافل بالخبرات التي تؤهله للموقع، لكنه حذر من اتباع مبدأ المحاصصة، مؤكداً خطورة ذلك في بلد تفترسه التناقضات المتعددة، خصوصاً المحاصصة الحزبية والمناطقية التي تم اتباعها عند تشكيل الحكومة.
كما أكد على عدم إغفال عاملي الخبرة والكفاءة، إلى جانب ما أبداه من ملاحظة بشأن ضم عناصر من المجلس الانتقالي إلى التشكيلة الحكومية، رغم أن ذلك شأن وطني لا يحق للغير الخوض فيه، سواء من الأستاذ المسفر أو سواه. والورقة متاحة ويمكن الرجوع إليها.
هنا لنا رجاء أن تتنادى الأصوات الوطنية للخروج من خانة الصمت إلى واقع الفعل المؤثر، المتفاعل إيجابياً مع كل فكرة ومقترح وطني صادق، طالما أن الجميع يتحدث باسم الوطن، بينما المواطن لا يشعر بأن أحداً يتحدث عن مشاكله ومعاناته.
