صنعاء 19C امطار خفيفة

نشاط جوي غامض فوق «ميون» وسط ارتباك رسمي وصراع على باب المندب

نشاط جوي غامض فوق «ميون» وسط ارتباك رسمي وصراع على باب المندب

أثارت الأنباء المتداولة بشأن محاولة إنزال جوي في جزيرة ميون، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، حالة من الالتباس، في ظل تضارب لافت في التصريحات الصادرة عن جهات عسكرية وأمنية يمنية، وغياب رواية حكومية موحدة تحسم ما جرى فعليًا.

ففي الوقت الذي تحدثت فيه تسريبات أولية عن محاولة هبوط طائرة عسكرية مجهولة في مدرج الجزيرة، سارعت أطراف رسمية إلى نفي الواقعة بشكل قاطع، إذ أكد مسؤول في خفر السواحل عدم رصد أي نشاط جوي غير اعتيادي. في المقابل، أقرّ مصدر عسكري آخر بوجود طائرة مسيّرة "معادية" تم التعامل معها، بينما قدّم تصريح ثالث رواية مختلفة، مشيرًا إلى أن ما حدث لا يتجاوز تحليقًا "روتينيًا" لطائرة تابعة لدولة صديقة في أجواء البحر الأحمر.
هذا التباين الواضح بين النفي المطلق، والإقرار بوجود طائرة مسيّرة، ثم الحديث عن نشاط اعتيادي، يكشف عن غياب التنسيق الإعلامي والمؤسسي، ويطرح تساؤلات جدية حول طبيعة ما حدث وحدود السيطرة الفعلية على الجزيرة.
في المقابل، أكد مصدر محلي لـ«النداء» أن طائرتين حلّقتا بالفعل في أجواء جزيرة ميون خلال الفترة نفسها في مهمة استطلاعية، دون توفر معلومات دقيقة عن هويتهما، ما يعزز فرضية وجود نشاط جوي فعلي جرى التقليل من شأنه أو التعامل معه بارتباك رسمي.

مناورات السيطرة

لا يمكن فصل هذا الجدل عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتزايد أهمية جزيرة ميون بوصفها نقطة ارتكاز للتحكم بمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يحتل موقعًا استراتيجيًا عند مدخل البحر الأحمر، الرابط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتمر عبره نحو 10% من حركة التجارة العالمية، كما يُعد ممرًا رئيسيًا لنقل ما يقارب 10 ملايين برميل من النفط يوميًا، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي والسلع والإمدادات الغذائية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أخطر الأزمات البحرية، عقب إغلاق مضيق هرمز فعليًا نتيجة الحرب، وهو ما أدى إلى تعطّل ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية، وتراجع حركة الملاحة بشكل شبه كامل، بالتوازي مع ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتزايد مخاطر الركود العالمي.
ولم تكتفِ طهران باستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، بل لوّحت أيضًا بتوسيع نطاق التأثير ليشمل ممرات بحرية أخرى، بما في ذلك باب المندب، عبر حلفائها في المنطقة، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي، في خطوة قد "تشل الاقتصاد العالمي" إذا ما تم استهداف هذا الممر الحيوي.

صراع نفوذ صامت على ميون

في هذا الإطار، تتحول جزيرة ميون إلى نقطة صراع غير معلن بين قوى إقليمية، سواء تلك الداعمة للحكومة اليمنية أو الأطراف المناوئة لها، حيث يمنح التمركز في الجزيرة قدرة مباشرة على مراقبة حركة السفن، بل والتأثير فيها.
ومع تصاعد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، يكتسب باب المندب أهمية مضاعفة كبديل استراتيجي، ما يرفع من القيمة الجيوسياسية لجزيرة ميون، ويفسر الحساسية العالية لأي نشاط عسكري أو استطلاعي في محيطها.
وبذلك، فإن حادثة "الطائرة الغامضة" لا تبدو معزولة، بل تأتي في سياق أوسع لإعادة تشكيل خرائط السيطرة البحرية في المنطقة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المصالح الاقتصادية العالمية، وسط غياب رواية يمنية رسمية قادرة على تفسير ما يحدث في واحدة من أخطر النقاط الاستراتيجية في العالم.

الكلمات الدلالية