صنعاء 19C امطار خفيفة

الفكرة بين اليقين والرصاصة

عمر باطويل

الى روح عمر باطويل في ذكراه العاشرة

هناك لحظة في تاريخ هذه المنطقة يصعب حصرها داخل إطار زمني محدد، لأن ما تبدّل فيها كان تحولاً جذرياً في طريقة فهم الأشياء. في تلك اللحظة تغير موقع الدين داخل الوعي العام وانتقل من فضاء يحتمل الأسئلة إلى أداة تُستدعى عند الحاجة إلى الحسم. أخذت العلاقة مع الإيمان شكلاً أكثر صرامة، وصار الجواب يُقدم كصيغة مكتملة تحمل في داخلها يقيناً جاهزاً يوجه مباشرة نحو كل اختلاف.

بدأ هذا التحول يتكون تدريجياً خلال سبعينيات القرن الماضي في سياق عربي مثقل بنتائج هزيمة 1967، ومفتوح على تحولات اقتصادية كبرى مع الطفرة النفطية في الخليج. خرج التدين من مجاله الفردي إلى فضاء عام يتكئ على مؤسسات ومنابر إعلامية، وبدأت تتشكل عبره رؤية تعيد ترتيب العالم وفق ثنائية حادة. صار الانتماء معياراً يحدد موقع الإنسان، وتراجعت المساحات الرمادية التي تسمح بتعدد القراءات، فبرز خطاب يضيق بالاختلاف ويعيد تفسيره باعتباره تهديداً مباشراً.

وجدت هذه الصيغة مجالها الأكثر كثافة في أفغانستان عندما التقت الحرب مع التعبئة الدينية ضمن سياق دولي مرتبط بالحرب الباردة. هناك تشكّل جيلٌ عرف لاحقًا باسم الأفغان العرب، حمل تصوراً يتجاوز الحدود الجغرافية ويعيد تعريف الصراع كحالة مستمرة. عاد هذا الجيل بخبرةٍ قتالية ورؤية ترى في القوة أداةً مركزية لإدارة الواقع، وتبلورت من هذا المسار نواة تنظيم القاعدة الذي قدم العنف كوسيلة منظمة لمشروعه العابر للحدود.

وعند انتقال هذه التجربة إلى المجال العربي ظهرت آثارها بشكل واضح في مصر مع اغتيال السادات في حدث كشف مدى اقتراب التأويل الديني من الفعل السياسي المباشر. ثم تصاعدت موجة استهداف المثقفين بقتل فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وأخذت الكلمة في هذا المناخ موقعاً خطيراً، وأصبح التعبير المختلف محفوفاً بكلفة عالية في ظل خطاب يغلق الأبواب أمام أي قراءة تتجاوز حدوده.

ومع دخول الألفية الجديدة اتجه المسار نحو مزيد من التنظيم والتوسع. بعد الغزو الأمريكي للعراق تشكلت بيئة مفتوحة أعادت إنتاج العنف بطريقة أكثر منهجية، فظهر تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي تطور لاحقاً إلى داعش. سيطر التنظيم على مدن مثل الموصل وسنجار وأدارها ضمن نموذج قائم على فرض الهيمنة وإعادة تشكيل المجتمع عقائدياً بالقوة. في سوريا برزت تشكيلات متعددة الأسماء، حافظت على بنية فكرية متقاربة تقوم على إقصاء المختلف وتنظيم الحياة وفق تصور مغلق.

ضمن هذا الامتداد دخلت اليمن في مسارٍ متداخل مع هذه التحولات. منذ تسعينيات القرن الماضي بدأت تتشكل نوى محلية متأثرة بتجربة أفغانستان، ومع تراجع مؤسسات الدولة بعد 2011 توسعت هذه النوى داخل بيئة هشّة، لتتسع الفجوات داخل المجتمع وتجد الأفكار الحادة فرصتها في الانتشار، فتتحول إلى عامل إضافي يعمق الانقسام ويعيد تشكيل المجال العام على أساس الصراع.

ورغم امتداد هذا المسار عبر عقود بقيت هناك محاولات لتقديم قراءة أوسع للإيمان، قراءة تربط بين العقل والقيمة الأخلاقية وتعيد فتح المجال أمام التفكير باعتباره جزءاً أصيلاً من التجربة الدينية. هذه المحاولات تتحرك بهدوء تاركة أثراً يتراكم ببطء، وتبقي إمكانية الخروج من هذا المسار قائمة حتى في أكثر اللحظات ازدحاماً بالعنف.

الكلمات الدلالية