الابتعاد عن عوامل قوتنا كأمة
من الجدير بالذكر، أن منطقتنا كانت ساحة لحضارات عديدة، شملت حضارات ما بين النهرين، والفرعونية، والسبئية، والفينيقية، وبفعل عوامل الزمن هرمت، ثم نهضت بحلة قشيبة منذ القرن الثامن (750-1258م)، مركزها "بغداد"، لكنه دبت في صفوف الأمة عوامل الفرقة، والانقسام، واجتاحها التتار لضعف حكام بغداد، وانقسام الدولة العباسية في عهدها الثاني، إلى ولايات متفرقة..
في سياق متصل، نهضت حضارة أخرى متزامنة في الأندلس (شبه الجزيرة الأيبيرية: إسبانيا والبرتغال) (711م)، وكان مركزها قرطبة وغرناطة، وإشبيلية، إذ كثرت المشاكل بين ملوك الطوائف، وسقطت إمارة تلو إمارة، حتى توديع آخر حاكم إمارة غرناطة، في 2 يناير 1492م، وكان السقوط مريعًا بسبب تآمر حكام الإمارات ضد بعضهم البعض، مع الإفرنج ألد أعداء الأمة، وكانت النتيجة النيل منهم الواحد بعد الآخر.
على صعيد آخر، دخل بنو عثمان بلداننا في القرن السادس عشر، فحكمونا قرونًا، وأخيرًا خضعنا للاستعمار البريطاني، والفرنسي، والقطبية العالمية الجديدة..
إن الأمة فقدت مجدًا زاهيًا، في كل من بغداد وقرطبة، واستفاد الغرب من الحضارتين في مضمار العلوم، والرياضيات، والفلك، والفلسفة، والآداب، والثقافة، والفنون، وشادوا حضارتهم الحديثة.
حقيقة الأمر، لم تصحُ الأمة من جديد، رغم مقدراتها وإمكاناتها، التي تؤهلها لتبوؤ صدارة مرموقة في الحضارة الحديثة.
إن الزمن لم يقسُ على الأمة، بل قست على نفسها، وفقدت حضارة مترامية الأطراف، وأصبحت تخسر كنوزها وجغرافيتها.
فواحسرتاه! استسلمت الأمة للأجنبي، وحادت عن جادة الحق، والخير، والجمال، والشهامة، أسس قيمنا.. للأسف الشديد، ماذا أقول بعد، ونحن في وضع الهزيمة، والاستسلام لإملاءات أعدائنا؟
لا مراء، إن ديننا روح، ومادة، وقيم، لكننا خضعنا للمادة، وفقدنا الروح والقيم، فانحدرنا إلى الحضيض.
إن ديننا الحنيف كان رمز معالينا، ومشعل هدايتنا، ومصدر إلهامنا أنى توجهت بوصلتنا كأمة، ولم تخب مساعينا، لكننا سيّسناه، فكثرت فرقنا، ومذاهبنا، ومللنا، ونحلنا، وبقينا في مفهوم الآخرين وتصنيفاتهم لنا "إرهابيين"، ولسنا بإرهابيين، وإنما إرهاب غرسوه في عقر دارهم، ثم صدروه بضاعة بائرة، إلى بلداننا، بغية القضاء على قيمنا وديننا الحنيف، مصدر جزعهم، وقلقهم، وعامل ظفرنا، ونهضتنا.
تعاقدنا كأمة مع المستعمر الحاقد، وبددنا ثرواتنا للتآمر على بلداننا وقضايانا الحقة، حفاظًا على كراسينا، وتنكيس هاماتنا، وقتل كل جميل فينا، وبقينا أمام أمم الأرض صاغرين.
فهل من مخرج يرفع من مقامنا بين الأمم، لنعانق من جديد سهيلًا، والسماكين مجدًا؟
جوهر قولنا، إن عوامل القوة متوفرة لدينا في بحرنا، وبرنا، وسهولنا، وجبالنا، وبوادينا، وفيافينا، تلك هي آمالنا وأمانينا لتنهض الأمة من جديد.
وأخيرًا، ندعو الله العلي القدير أن يسدد خطانا، ويقيل عثراتنا.. والله المستعان، وعليه التكلان.