صنعاء 19C امطار خفيفة

رأي آخر في تفسير آية قرآنية

منذ فترة وصلت إلى قناعة بأنّ علماء الإسلام -رحمهم الله- كرسوا جهودهم، وصَبُّوا اهتمامهم على الفقه والحديث النبوي أكثر من اهتمامهم بالقرآن.

فَإنَّكَ لو تتبعت المصنفات الفقهية والحديثية وشروحها، والحواشي وحواشي الحواشي، والمختصرات ومختصراتها- قِيَاسًا بكتب التفسير؛ لهالك كثرة المصنفات في الحديث وعلومه، والفقه ومذاهبه، وتنوع متونه، ومختصراته، وشروحه، وحواشيه، ولعرفت ألا مقارنة بين ما صُنِّفَ فيها وَمَا صُنِّفُ في القرآن وعلومه وتفسيره وإعجازه.
يكفيك فقط أن تنظر في كتاب الداودي «طبقات المفسرين» وهو مجلد متوسط الحجم، حتى تعرف ضآلة ما صُنِّفَ في التفسير بالنسبة لما أنتجوه من كتب الفقه والحديث.
وقد انتقد الغزالي في «إحياء علوم الدين» -رحمه الله- اشتغال علماء الإسلام بالفقه وإغراقهم في تفاريعه، وتركهم للطب والاشتغال به للنصارى. وما ذاك -كما يقول- إلا لأنهم يتوصلون بالفقه إلى قسمة التركات، وولاية الأوقاف، وتولي القضاء، والوصاية على أموال اليتامى... إلخ.
وأكد هذا ابن لنكك البصري في أبيات هجاهم بها:
أقولُ لِعُصبةٍ بالفقه صَالتْ
وقالت ما سِوَى ذا العلم باطل
أجل لا علم يوصلكم سِواهُ
إلى مال اليتامي والأرامل
وقال أبو العلاء المعري يعرض بهم، أو بأهل الكلام، فقال:
لولا التنافسُ في الدنيا لما وُضِعَتْ
كُتْبُ القناطرِ: لا «المُغنِيْ»()، ولا «العُمَدُ»()
قد بالَغوا في كلامٍ بَانَ زُخرُفُهُ
يُوهِيْ العُيونَ وَلم تَثْبُت له عَمَد
وما يزالونَ، في شامٍ وفي يمنٍ
يستَنْبطونَ قِيَاسًا ما لهُ أمَدُ
فذَرْهُمُ ودَناياهُمُ فقد شُغِلوا
بها ويكفيكَ منها القادرُ الصّمدَ
ثانيًا: أن الموجود من كتب التفسير مطبوعًا أو مخطوطًا، لا يخلو أكثره من التكرار والإعادة. فإنك قَلمَّا تجد الأصالة فيما كتب في هذا العلم؛ هذا إذا استثنينا تفاسير معدودة كتفسير الطبري أو كشاف الزمخشري و«مفاتيح الغيب»، للرازي، وتفسير ابن عاشور «التحرير والتنوير»، وتفسير القشيري، وتفسير محمد عبده.
فالعلامة اليمني المجتهد صالح بن مهدي المقبلي، يشنع على البيضاوي سَلْخَهُ تفسيره «أنوار التنزيل» من تفسير «الكشاف»، للزمخشري، ولم يصنع شيئًا سوى تجريده مذهب الاعتزال، واستبداله بمعتقده الأشعري.
كما أنَّ تفسير علامة الهند صديق حسن خان «البيان فِي مقاصد القرآن»، أكثر مادته مأخوذة من تفسير الشوكاني «فتح القدير».
وقبل يومين حضرت مناقشة لأحد الأقارب في جامعة صنعاء، وكان أحد الحضور في المناقشة أحد الدكاترة الفضلاء، وكنت أعرف أنَّ أطروحته للدكتوراه كانت عن علامة العراق ومفسرها أبي الثناء الألوسي صاحب تفسير «روح المعاني».
فعرفته بنفسي وسألته عن تخصصه وأطروحته عن الألوسي. فأجاب بأنَّ دراسته عن الألوسي كانت متعلقة بالجانب الفقهي في تفسيره.
ثُمَّ سألته سؤالين، أحدهما هو ما مهدت له في بداية المقال؛ وذلك فيما يخص كثرة المؤلفات الحديثية قِياسًا بالتفسير، وإلى أي مدى قد يكون هذا التصور أو هذه الرؤية صائبة. أعني اشتغال علماء الإسلام بالحديث أكثر من التفسير.
الثاني: إلى أيِّ مدى استطاع الألوسي أن يستقل في تفسيره عن أبي السعود- مفتي القسطنطينية صاحب تفسير «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم»؛ فإني كنت حين أحتاج للنظر في تفسير آية معينة كنت ألاحظ شيئًا من تطابق مباحث الألوسي مع أبي السعود في بعض المباحث.
فَحادَ عن السؤال الأول بكلام معناه: إنك لا تكاد تجد عَالمًا من علماء الحديث إلا كانَ مُفسِّرًا!
فهل ما ذكره الدكتور الفاضل صحيح؟
فإن صدق هذا على بعض الأئمة الذين كانوا متبحرين في علوم كثيرة، لكن لا يصدق على مجموعهم، فضلاً عن جميعهم.
فإذا كان إمام موسوعي مثل الطبري لا يُعدَّ أحمد بن حنبل من جملة الفقهاء، وإنما هو محدث فقط، وكان ذلك سبب نكبته من الحنابلة؛ حتى منعوه من أن يُدفَنَ في مقابر المسلمين؛ فدفن في بيته لأجل ذلك. ورمي قبره بالحجارة حتى صار كالتل.
أمَّا جوابه الثاني: فأكَّدَ فيه استقلال الألوسي كَثيرًا في تفسيره عن أبي السعود.
وبقي السؤال الثالث الذي لم أساله؛ وهو: تضخم الرواية وجنايتها على الدراية بشكل عام في الفكر الإسلامي، وفي التفسير بخاصة.
خطر لي هذا؛ إذ كانت الليلة الفائتة هي ليلة منتصف شهر شبعان الذي تحتفل بمناسبته كثير من البلدان الإسلامية، خاصة اليمن وأهل تهامة.
ويوردون في شأنها أحاديث وأخبار وأقاصيص كثيرة، وأنها هي المقصودة بقوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم).
لكن محققو العلماء كابن عطية وابن عاشور وغيرهما يردون ذلك ويضعفونه، ويقولون: إنَّ المقصود بها ليلة القدر.
فإلى هذه الآية وما قاله العلماء في تفسيرها، والنقاش فيما جاء في تفسيرها..
قال تعالى: (حم والكتاب المبين. إنا أنزلناه في ليلة مباركة. إنَّا كنا منذرين(). فيها يفرق() كل أمر حكيم. أمرًا من عندنا. إنَّا كنا مرسلين. رحمة من ربك إنه هو السميع العليم).
قال ابن عطية:
"قوله: (والكتاب المبين) قسم أقسم الله تعالى به...
وقوله تعالى: (إنا أنزلناه)، يحتمل أن يقع القسم عليه، ويحتمل أن يكون (إنا أنزلناه) من وصف الكتاب، فلا يحسن وقوع القسم عليه. وهذا اعتراض يتضمن تفخيم الكتاب، ويحسن القسم به، ويكون الذي وقع القسم عليه: (إنا كنا منذرين)". (المحرر الوجيز: 13/ 262).
ويقول: "معنى هذا النزول: أنَّ ابتداء النزول كان في ليلة القدر. وهذا قول الجمهور.
وقالت فرقة: بل أنزله الله جملةً ليلة القدر إلى البيت المعمور، ومن هنالك كان جبريل يتلقاه". اهـ.
أقول: أكثر المفسرين، وربما جميعهم حين يتطرقون لتفسير هذه الآية لا يخرجون عن ذلك؛ وهو:
أنَّ ضمير الغائب في (إنا أنزلناه)، يعود على القرآن. لكن يشكل عليهم أنَّ القرآن لم ينزل كله جملة واحدة في هذه الليلة؛ فيتأولون بموجبه روايات ذكرت أنه نزل جُملةً من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور، أو إلى السماء الدنيا، أو أنه أنزل جملة إلى جبريل، وَظَلَّ جبريل ينجمه على صدر النبي طيلة فترة الوحي.
وذكر السيد العلامة محمد رشيد رضا في تفسير «المنار» أنَّ المفسرين استشكلوا معنى الآية، فقال: "ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أنَّ الآية مشكلة، ورووا في حل الإشكال أنَّ القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا، وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سماوات، ثم أنزل على النبي مُنَجَّمًا بالتدريج، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان منه شيء خِلافًا لظاهر الآيات!". (2/ 130).
وكان السيد محمد رشيد رضا -رحمه الله- أجاب عن هذا الإشكال قبل ذلك بجواب حسن؛ وسبقه في الإجابة غيره من المفسرين، فقال:" أمَّا معنى إنزال القرآن في رمضان -مع أنَّ المعروف باليقين أنَّ القرآن نزل مُنجَّمًا متفرقًا في مدة البعثة كلها. فهو أنَّ ابتداء نزوله كان في رمضان، وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر. أي الشرف، والليلة المباركة كما في آيات أخرى".
"وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه؛ على أنَّ لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه". (المصدر السابق، نفس الجزء والصفحة).
وبما أنَّ ابتداء نزوله في شهر رمضان، وبالتحديد في ليلة القدر منها، فإنَّ بقية سوره لا شك أنها نزلت في ليالي وأيام وشهور وأعوام مختلفة.
وقد قيل أيضًا في معنى إنزاله في شهر رمضان؛ أي أنزل في فضله وعظيم شأنه، أو في فرض صيامه.
وبحسب ما يترجح للباحث أنَّ المقصود بالضمير في قوله تعالى: (إنا أنزلناه) على جبريل؛ وذلك لأسباب:
أنَّ نزول جبريل بالوحي والقرآن الكريم من الله سبحانه وتعالى يتضمن ويستلزم النزول بالقرآن الكريم.
الخروج من الإشكال الوارد على تفسير الآية، فيما لو جعلنا الضمير يعود للقرآن.
الخروج من تماثل جملة القسم وجوابه؛ إذ من المستبعد أن يقسم الله بالقرآن المبين، على قيامه هو بإنزاله.
تجنب طول الفصل بين القسم وجوابه بجملة وشبه جملة.
فالمقسم عليه أو جملة جواب القسم هو: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)؛ بحسب ما يذهب إليه الباحث، لا كما ذهب إليه ابن عطية وغيره من المفسرين وبعض النحاة أنه جملة (إنا كنا منذرين).
فالله أقسم بالكتاب الذي وصفه بأنه مبين على أنه أنزل جبريل به في ليلةٍ مباركةٍ على قلب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر ابن عادل في تفسيره «اللباب»: أنَّ التنزيل مُختَصٌّ بما يكون على سبيل التدريج؛ نحو قوله تعالى: (نَزَّل عليك الكتاب بالحق مُصدِّقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل). أمَّا الإنزال فلا يكون إلا دُفعةً وَاحدةً. (1/ 1340).
وهذا قد يؤيد الرأي الذي يذهب إليه الباحث.
كما يعززه إقسام الله في «سورة الشمس» بالخُنَّس- الجواري الكنس، وبالليل إذا عسعس، وبالصبح إذا تنفس إنه – أي القرآن- قولُ رسول كريم. أي جبريل، نزل به عن الله. (انظر البغوي: 8/ 349).
ولا حاجةَ إلى الذهاب إلى القول باحتمال أنَّ جملة (إنا أنزلناه) صفة؛ لأن السياق لا يساعد على ذلك. فقد وصف الله كتابه في الآية الأولى بأنه (مبين)، وتأتي الآية الثانية؛ للتفرغ لبيان الجملة المقسم عليها؛ وهو إنزاله سبحانه لجبريل في ليلة مباركة بالوحي أو القرآن الكريم.
ويدل على ذلك إتيانه بجملة: (إنا كنا منذرين) الواقعة موقع التعليل. أي أن إنزاله لجبريل بالوحي (القرآن) للنذارة.
قال تعالى: (نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين). [الشعراء: 193].
وهذه الآية تؤكد أيضًا، وتؤيد صحة هذا الراي. فمن أنزل الروح الأمين سوى الله سبحانه وتعالى؟!
كما أنَّ الملاحظ في أقسام الكتاب العزيز أن جواب القسم يكون أجنبيًّا ومغاير لِمَا أقسم به. نحو:
والفجر ... إن ربك لبالمرصاد. [الفجر: 1/ 14].
والضحى ... ما ودعك ربك. [الضحى: 1، 3].
وأقسموا بالله جهد أيمانهم ... لا يبعث الله من يموت. [النحل: 38].
والشمس وضحاها ... قد أفلح من زكاها. [الشمس: 1، 9].
وقد استبعد بعض النحويين- كما سبق وذكرنا عن ابن عطية- ونقله عنهم القرطبي وغيره من المفسرين- أن تكون جملة (إنَّا أنزلناه) هي جواب القسم، وقالوا: بأن الجملة صفة للكتاب. فلا تكون صفة المقسم به جوابًا له.
أقول: لا يظهر لي وقوع الجملة صفة. فلو كان النظم على هذه التركيب: والكتاب المبين الذي أنزلناه في ليلة مباركة.؛ لساغ لنا القول بأنَّ جملة الصلة واقعة صفة.
وَلعلّ ما حملهم على هذا؛ كونهم ظنوا أنَّ المنزل هو القرآن، فمنعوا أن تكون الجملة الواقعة بعده هي جواب قسمه، وتكلفوا عَدَّهُم لها صفة.
وبرأي الباحث أنَّ الجملة الأولى (الأية: 1)؛ وهي الجملة المشتملة على القسم بالقرآن ووصفه بالإبانة قد اكتملت، فلا تحتاج لوصف آخر؛ فيتعين أن تكون الجملة التي تلتها هي جوابها، دون تكلف الفصل بين القسم وجوابه بجملة طويلة معترضة.
ولو اعتبرنا أنَّ جملة جواب القسم، والضمير الواقع فيها الدال على جبريل، بحسب ما نراه- فلن نحتاج لأن نتكلف أن جملة (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) صفة ثانية فاصلة بين القسم وجوابه.
أمَّا الجملة الثانية الواقعة بعد جواب القسم؛ وهي (إنا كنا منذرين)، فقائمةٌ مقام التعليل. بمعنى أن إنزالنا لجبريل على قلب عبدنا ونبينا محمد في ليلة مباركة؛ لأجل الإنذار.
أمَّا جملة (فيها يفرق كل أمر حكيم)، فصفة ثانية لـ (ليلة).
ولا شك أن هذه الليلة المباركة -ليلة القدر- قد عظم الله شأنها، وفيها نزل القرآن الكريم على قلب سيد المرسلين، إلى غير ذلك من الأمور التي قضاها الله لخلقه من الآجال والأرزاق وغير ذلك من الأمور.
وقد يؤكد هذا قوله تعالى: (واعلموا إن ما غنمتم من شيء فأنَّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان). [الأنفال: 41].
فماذا أنزل الله على عبده ونبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- يوم الفرقان- يوم التقى الجمعان؟
يقول المفسرون: إنه أنزل الملائكة، والآيات البينات، والمطر... إلخ.
ويقولون إنما سُمِّىَ يوم بدر بيوم الفرقان؛ لأنَّ الله فرق فيه بين الحق والباطل؛ بإعزاز الحق، وإذلال الباطل.
وقال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر). [القدر: 4].
فأنت ترى في هذه الآية: تَنَزُّلَ الملائكة والروح في ليلة القدر بإذن ربهم، وأن تنزلهم لأمور مختلفة.
وفي «سورة الدخان» أنَّ الإنزال في ليلة مباركة، وأنه بأمر منه سبحانه.
وقبلها في «سورة آل عمران» ذكر إنزاله على عبده يوم الفرقان. والذي أنزله تنازعته آراء كثيرة، ولا شك أنَّ الملائكة وجبريل داخلين في معنى هذه الآية بحسب نص المفسرين.
أمَّا انتصاب (امرًا من عندنا)، فعلى نزع الخافض. أي نزل بِأمرٍ من الله. أو مصدر من معنى فعل الإنزال.
أو مفعول لأجله. فإنَّ جبريل لم ينزل بما نزل به إلا بأمر من الله. أو حال من النزول. نحو قولك: جاءت الكتيبة الفلانية سَندًا وَدَعمًا للجيش.
وتأتي جملة (إنا كنا مرسلين) أيضًا تعليلاً للإنزال؛ بأنَّ هذا دأبه -سبحانه وتعالى- بإرسال الرسل، وإنزال الشرائع.

الكلمات الدلالية