صنعاء 19C امطار خفيفة

صنعاء الانفجار الكبير أم التسوية المُرة؟

بينما تدق عقارب الساعة معلنة ذروة يناير 2026، لم تعد صنعاء مجرد مدينة محاصرة بالجبال والسياسة، بل تحولت إلى صندوق أسود للسياسة الداخلية والعالمية يترقب الجميع لحظة فتحه، ما ينتظر العاصمة التاريخية في الأيام القادمة ليس مجرد تغيير في المشهد، بل هو زلزال يعيد تشكيل خارطة القوة في شبه الجزيرة العربية.

تقف صنعاء اليوم على فوهة بركان من المتناقضات؛ فبينما تتباهى جماعة الحوثي بصمودها العسكري وبراعتها في تنسيق الظل الذي مكنها من اختراق جبهات خصومها سياسياً، تجد نفسها أمام واقع دولي وإقليمي لم يعد يقبل بأنصاف الحلول.
خلف الأبواب المغلقة، تنتظر في الأيام القادمة انفجار "صراع الأجنحة" داخل هيكل الجماعة الحاكمة. التقارير تشير إلى أن تآكل الموارد وتوقف عجلة الاقتصاد حول المؤسسات إلى "فقاسة صراعات" بين تيار يرى في السلام فرصة للبقاء ويرى ذلك أفضل من وهم الاستقرار الهش، وتيار عقائدي يرى في الحرب وجوداً مستمراً. هذا الصدام لن يبقى حبيس الغرف، بل سيمتد إلى الشوارع في شكل تصفيات أو تمردات صامتة.
وما يحدث اليوم في عدن، وحضرموت، والمهرة من إعادة هيكلة عسكرية واسعة تحت إشراف إقليمي مباشر، ليس بعيداً عن أسوار صنعاء. فإنهاء "ازدواجية السلاح" في المناطق المحررة ودمج القوات تحت قيادة واحدة يعني شيئاً واحداً: إغلاق ملف المناوشات الجانبية والتفرغ لرأس الحربة، صنعاء ستجد نفسها وجهاً لوجه أمام جبهة موحدة لأول مرة منذ سنوات، مما سيجعل خيار المراوغة السياسية الذي أتقنته الجماعة غير ذي جدوى.
صادمة هي الحقيقة التي يتجاهلها الساسة: صنعاء تنتظر زلزالاً معيشياً غير مسبوق. مع استمرار توقف صادرات النفط وانقسام البنك المركزي، فالريال أضحى تحت مقصلة الجوع والذي لم يعد شبحاً يطرق الأبواب، بل أصبح سيد الموقف. في الأيام القادمة، قد تشهد صنعاء "انتفاضة الأمعاء الخاوية"؛ فاليمني الذي صبر على القصف، قد لا يصبر على رؤية أطفاله يذبلون أمام اقتصاد "الجباية" الذي استنزف كل مدخرات الطبقة الوسطى.
أخطر ما ينتظر صنعاء هو تحولها من قلب الدولة إلى عاصمة رمزية، فالتحركات السياسية الأخيرة تلمح إلى سيناريو تقسيم ناعم أو فدرالية أمر واقع، حيث تظل صنعاء محاصرة بجغرافيتها وتاريخها، بينما تنتقل شرايين الحياة (للموانئ، النفط، والاعتراف الدولي الفعلي) إلى عدن والمحافظات الشرقية. هذا يعني عزلة دولية طويلة الأمد تحول العاصمة إلى سجن كبير محاط بالأسوار الجبلية.
أحد الخيارات الصادمة أن نتحدث عنها تغير في قواعد الاشتباك الجوي بعد سنوات من السكون النسبي، فالتقارير العسكرية تشير إلى أن صنعاء قد تواجه في الأيام القادمة نوعاً جديداً من الاستهداف بناءً على توجهها السياسي، بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة الانتحارية من الجيل الخامس، لم يعد القصف عشوائياً. التوقعات تشير إلى أن الأهداف القادمة ستكون مركزة وتحقق أهدافها مما سيضع سلطة صنعاء في مأزق أخلاقي وأمني أمام سكان العاصمة.
الجريء في الأمر هو الحديث عن تحول في العقلية الجمعية لسكان صنعاء، لسنوات ساد الصمت مقابل البقاء، لكن الضغط الاقتصادي بلغ مداه فبدأت تتعالى الأصوات، لذا فالتوقعات تشير إلى ظهور حركات مدنية غير منظمة، لا تتبع أي حزب سياسي، يقودها الشباب الذين فقدوا الأمل في المستقبل. هذه الحركات لن تواجه بالسلاح، بل بالعصيان المدني والرفض المجتمعي للجبايات، وهو ما سيجعل السيطرة الأمنية على المدينة استنزافاً لا تستطيع الجماعة تحمله طويلاً.
كان الأخطر من الحرب هو "اللاحرب واللاسلم"؛ الوضع الذي يمتص دماء صنعاء ببطء، لكن الأيام القادمة ستحطم هذه الحالة، لأن المحرك الخارجي (الإقليمي والدولي) قرر أخيراً أن استمرار "الستاتيكو" الحالي في اليمن أصبح يهدد مصالح التجارة العالمية بشكل لا يمكن التغاضي عنه.
خلاصة القول: صنعاء لا تنتظر حرباً جديدة فحسب، بل تنتظر لحظة الحقيقة، إما تسوية سياسية شجاعة تخرجها من عنق الزجاجة وتنزع فتيل الانفجار الداخلي، أو السقوط في فوضى اللادولة حيث لا رابح سوى الدمار. الأيام القادمة لن تكون للاحتفالات، بل ستكون للقرارات التي ستحدد هل ستظل صنعاء عاصمة السعيدة أم ستتحول إلى أطلال لمشروع لم يكتمل.

الكلمات الدلالية