من وهم الشراكة إلى تفكيك الدولة: نقد المحاصصة الحزبية والمناطقية
1- المحاصصة الحزبية: بعد تجارب مريرة في أداء الحكومات المتوالية؛ يُلاحظ اليوم مزاج يمني عام رافض للمحاصصة الحزبية في تشكيل الحكومات، باعتبارها أحد تجليات الأزمة السياسية العميقة التي تعيشها البلاد، وأحد أسباب النكبات كلها التي مرّت باليمن منذ 2012.
هذا الرفض ليس موقفًا معاديًا للأحزاب أو للسياسة، بل خلاصة تجربة قاسية راكمت خيبات متتالية، وأعادت تعريف العلاقة بين المجتمع والنخب الحزبية باعتبارها نخبًا خائنة وانتهازية، وهي حقيقة أكّدتها الأحداث الكبرى، ولا مجال لتزييفها بالادعاءات التي تقدمها خطابات الأحزاب.
خلال أكثر من عقد، أظهرت الأحزاب اليمنية حرصًا لافتًا وعنادًا صلبًا ومريبًا في أوقات اقتسام الحقائب الوزارية، مقابل تفريط كامل بوظائفها الوطنية في اللحظات المفصلية. لم يكن لها موقف حاسم في الدفاع عن الثوابت الوطنية، ولا حتى في حماية الشرعية التي شاركت باسمها في السلطة. هذا السجل لم ينتج فقط فشلًا سياسيًا، بل أنتج ما هو أخطر: فقدان الثقة الأخلاقية والوطنية بالنخب الحزبية.
من هنا، فإن الرفض الشعبي للمحاصصة هو في جوهره رفض لإعادة تدوير نخب أثبتت الأحداث عجزها وتواطؤها وانتهازيتها وخيانتها، وليس رفضًا لفكرة الشراكة الوطنية من حيث المبدأ.
الفارق بين المفهومين جوهري؛ فالشراكة الوطنية في الدول المستقرة تقوم على برامج واضحة، وتنافس سياسي، ومساءلة، بينما تحولت في التجربة اليمنية إلى غطاء لتقاسم غنيمة سلطة معلقة في الفراغ بلا دولة ولا حضور حقيقي. تقاسم حقائب وزارية غدت آلية لتعطيل القرار بدل توحيده.
الدفاع عن المحاصصة تحت مسمى «الشراكة» يتجاهل هذه الحقيقة، ويقع في خلطٍ متعمّد بين نقد تجربة فاشلة وكارثية ورفض السياسة ذاتها.
المطالبة بحكومة كفؤة ذات ولاء واضح للدولة لا تعني الدعوة إلى إقصاء الأحزاب، بل تعني رفض احتكارها لمقاعد الوزارات من دون أهلية ولا مسؤولية. كما أن القبول بسياسيين حزبيين أكفاء، أصحاب موقف وطني واضح، يختلف جذريًا عن القبول بنخب استهلكت رصيدها الوطني والأخلاقي، ولا تخجل من العودة للرأي العام في لحظة الاحتياج لداعم في مساعيها من أجل الاستمرار في المحاصصة، ومطالبة المجتمع تجديد الثقة بها دون مراجعة أو محاسبة.
إن أي حديث جاد عن شراكة وطنية اليوم لا يمكن أن يستقيم دون نقد صريح للتجربة الماضية، ومساءلة سياسية وأخلاقية للنخب، وإعادة تعريف الأولويات حول سؤال الدولة الغائبة وليس اقتسام سلطة معلقة خارج الحدود.
الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب نفسه، مع تغيير التسميات، لن يلقى شعبيًا إلا مزيدًا من النفور والازدراء لنخب حزبية قضيتها الوحيدة هي الوزارات وما يليها من مواقع ومناصب وكراسي.
حضور الأحزاب غدا محصورًا في هذا الاستشراس الانتهازي، وهو مسلك مقيت يعيد إنتاج الأزمة ويفوّت كل فرصة للخروج منها.
الخلط بين فكرة الأحزاب والنخب الحزبية في لحظة معينة وسياق وطني محدد، مغالطة مكشوفة وبائسة.
المشكلة ليست في الأحزاب كفكرة، ولا في الشراكة كمبدأ، بل في نخب حوّلت السياسة من أداة لبناء الدولة إلى وسيلة لإدارتها كحصص. وهي نفس النخب الحزبية التي حوّلت الشراكة من كونها ضرورة وطنية إلى محاصصة انتهازية هي أحد علامات اعتلال التكوينات الحزبية وصغارة قياداتها بل ودناءتها.
الكفاءة والولاء الوطني والانتماء السياسي لمشروع الدولة صفات مهمة ومعايير مهمة في اختيار الوزراء، لكن هذه المعايير لا ينبغي أن تكون مشروطة بالتوازنات الفارغة للنخب الحزبية الانتهازية.
2- المحاصصة المناطقية الشطرية
في السياق نفسه، لا يقلّ خطر المحاصصة المناطقية – بين شمال وجنوب – عن خطر المحاصصة الحزبية، بل قد يكون أشد تدميرًا على المدى البعيد. فهذه الصيغة، التي تُقدَّم بوصفها «ضرورة مرحلية» أو «معالجة واقعية للاختلالات»، ليست في جوهرها سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها بلغة جغرافية، وتحويل الانقسام من خلاف سياسي قابل للنقاش إلى تشقّق هوياتي يضرب فكرة الدولة من أساسها.
المحاصصة المناطقية لا تعالج مظالم، ولا تُنصف أطرافًا، ولا تُعيد توازنًا مفقودًا، بل تكرّس منطق الغنيمة وتقسيمها وفق خطوط ما قبل الدولة. وهي، مثل المحاصصة الحزبية، تقوم على افتراض مضمر وخطير: أن اليمن ليس وطنًا لمواطنين متساوين، بل فسيفساء كيانات متجاورة لكلٍّ منها «حصتها» في السلطة، بغضّ النظر عن حقيقة ادعائها تمثيل المناطق التي تتحدث باسمها، وبغضّ النظر عن الكفاءة أو النزاهة أو الموقف الوطني. هذا المنطق، حين يسود، لا يُنقذ الدولة بل يُعلن عجزها النهائي عن تمثيل الجميع.
القول إن تمثيل الشمال والجنوب أو المحافظات في الحكومة هو «ضمانة للوحدة» قول مضلل؛ إذ إن الوحدة لا تترسخ بتقاسم المناصب، بل ببناء مؤسسات عادلة، ودولة قانون، ومواطنة متساوية. أما تحويل الحكومة إلى خريطة توزيع جغرافي، فذلك لا ينتج إلا نخبًا انتهازية تدّعي تمثيلها لمناطقها لا للدولة. ينتج ترويكا مناطقية لا رجال سياسات عامة.
وهنا تتحول الوزارة من موقع مسؤولية وطنية إلى مكتب خدمات مناطقي، ويُستبدل منطق الدولة بمنطق التوازنات المناطقية.
كذلك، تقفل المحاصصة المناطقية باب المحاسبة؛ فالفشل يُبرر نفسه ويجد تسويغاته بأنه «توازن شطري»، والنقد يُواجَه بتهمة «الإقصاء المناطقي»، والكفاءة تغيب لصالح إرضاء هذا الطرف أو ذاك. وهكذا يُعاد إنتاج العجز نفسه الذي أنتجته المحاصصة الحزبية، لكن بغطاء أشد خطورة لأنه يغدو مسنودًا بالهويات والانتماءات الجزئية، وقد تم تصعيدها كبديل للهوية الوطنية الجامعة، ويدفع المجتمع – بوعي أو بدون وعي – إلى الاصطفاف خلف ممثلي المناطق بدل الاصطفاف خلف مشروع الدولة.
رفض المحاصصة المناطقية لا يعني إنكار المظالم التاريخية ولا تجاهل الاختلالات التنموية، كما لا يعني القفز فوق الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوحدة أو شكل الدولة. لكنه يعني فصل هذه القضايا عن تشكيل حكومة يُفترض أن تكون أداة إنقاذ وطني لا ساحة تسوية بين مجموعات انتهازية تبحث عن روافع لهوسها بالسلطة.
معالجة المظالم تكون عبر دولة قانون وسياسات عادلة، وتنمية متوازنة، وقضاء مستقل، وإدارة رشيدة، لا عبر توزيع وزارات كتعويض معنوي زائف.
الحكومة التي تُبنى على أساس الانتماء المناطقي، مثل تلك التي تُبنى على أساس الانتماء الحزبي، هي حكومة محكومة بالفشل قبل أن تبدأ. لأن معيار الاختيار فيها ليس «ماذا سيقدّم هذا الشخص للدولة؟» بل «من أين أتى؟ ومن يرضى عنه؟». وهذه معادلة لا تنتج دولة، وإنما تنتج أزمة جديدة.
اليمن اليوم لا يحتاج حكومة تمثل الشمال والجنوب أو المحافظات، ولا حكومة تمثل الأحزاب، بل حكومة تمثل الدولة الغائبة: كفاءات واضحة، ولاؤها الأول للدولة، مشروعها إنقاذ مؤسساتها، ومعيارها الوحيد هو القدرة على الفعل والمسؤولية والمحاسبة. دون ذلك، ستبقى كل أشكال المحاصصة – حزبية كانت أم مناطقية – مجرد تدوير لأسباب الانهيار، وليس جسر إنقاذ للخروج من الخرابة المظلمة.