صنعاء 19C امطار خفيفة

اقتحام العقبة.. حين تصبح الرحمة شرط النجاة

كثيرون من الناس يظنون أن الطريق إلى الجنة يمرّ حصريًا عبر أداء العبادات الشعائرية: صلاة منتظمة، صيام، عمرة، حج، وأعمال ظاهرة يُطمئن بها الإنسان نفسه أنه قد ضمن المصير الأخروي. غير أن القرآن الكريم لم يمنح أحدًا هذا النوع من الضمان المباشر، بل على العكس تمامًا، وجّه الأنظار إلى اختبارات أخلاقية وإنسانية أشدّ عمقًا، وأكثر كلفة، وأعظم أثرًا في مصير الإنسان والمجتمع.

ومن أوضح المواضع القرآنية التي كشفت هذا المعنى بجلاء آيات سورة البلد، حيث يقول الله تعالى: "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ* ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ".
الآيات لا تتحدث عن طريق سهل أو عبادة مريحة، بل عن عقبة، أي حاجز صعب لا يُتجاوز إلا بالاقتحام، لا بالمجاملة ولا بالادعاء. وهذه العقبة ليست طقسًا دينيًا، بل فعل إنساني تحريري.

العقبة الأولى: تحرير الإنسان

أولى صور اقتحام العقبة كانت فكّ الرقبة، أي تحرير الإنسان من العبودية. وفي الزمن الذي نزل فيه القرآن كان الرق واقعًا اجتماعيًا قائمًا، فجاء النص واضحًا لا لبس فيه. غير أن روح النص لا تتوقف عند شكل العبودية التاريخي، بل تمتد إلى جوهرها: كل ما يسلب الإنسان حريته وكرامته.
وفي عالمنا المعاصر، لم تختفِ العبودية، بل تغيّرت أشكالها. فالإنسان قد يكون عبدًا للفقر، للجوع، للديْن، للقهر، أو للحاجة التي تكسر إرادته. ومن هنا يصبح إنقاذ الإنسان من الفاقة، وانتشاله من ذل العوز، وتمكينه من العيش الكريم، صورة حديثة من صور فكّ الرقاب.
وهذا المعنى يتأكد في آية مصارف الزكاة التي جعلت من "وفي الرقاب" بابًا مستقلًا من أبواب الإنفاق، بما يدل على مركزية التحرير الإنساني في المنظومة الأخلاقية للدين.

العقبة الثانية: إطعام الجائع في زمن الشدة

ينتقل القرآن بعد ذلك إلى صورة أخرى من صور الاقتحام: إطعام الطعام في يوم ذي مسغبة، أي في زمن المجاعة والضيق. ليس إطعامًا عابرًا ولا صدقة فائضة، بل فعل يُؤدى في أقسى الظروف، حين يكون الاحتياج عامًا والخوف حاضرًا.
ثم يحدّد القرآن الفئات الأكثر هشاشة: يتيمًا ذا مقربة، أي قريبًا في النسب أو الجوار أو الإنسانية، ومسكينًا ذا متربة، بلغ به الفقر حدًّا جعله ملتصقًا بالتراب، عاجزًا حتى عن ستر ضعفه.
واللافت أن القرآن استخدم هذه الكلمات بصيغة النكرة، من دون أي توصيف ديني أو عقائدي. لم يقل: يتيمًا مسلمًا، ولا مسكينًا من أهل الإيمان. وهذا اختيار لغوي مقصود، يؤكد أن الرحمة في القرآن إنسانية قبل أن تكون هوياتية.

العقبة الأخيرة: الصبر والرحمة

بعد التحرير والإطعام، يضع القرآن الشرط الأخلاقي الجامع: "وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة".
فالرحمة ليست شعورًا عاطفيًا عابرًا، بل منظومة سلوك كاملة. الرحمة لا تسمح بالظلم، ولا تبرر الاعتداء، ولا تغضّ الطرف عن أكل الحقوق، ولا تشرعن التعصب، ولا تصمت أمام القهر. الرحمة تعني العدل، والإنصاف، ومدّ اليد لكل محتاج، أيًّا كان.

الفقر ليس زهدًا

وفي المجتمعات التي ينتشر فيها الجوع، تصبح العقبة الكبرى هي تحرير الناس من الفاقة والاحتياج. فالإنسان الجائع لا يملك حرية الاختيار، ولا يستطيع أن يفكر أو يبدع أو يتحمّل مسؤولية. المجتمع الفقير مجتمع خانع، تابع، قابل للاستغلال، لأن الحاجة تكسر الإرادة.
وهنا يجب التفريق بوضوح بين الزهد والفقر.
فالزهد قيمة أخلاقية تُمارس حين يكون الإنسان قادرًا ومكتفيًا، أما الفقر فحالة قسرية تُصادر الكرامة. من زهد عن غنى ليس كمن زهد عن فقر.
ولهذا قدّم القرآن إشباع الحاجات الأساسية على بقية التكاليف، فقال: "الذي أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف"، فجعل الشبع والأمان أساسًا تُبنى عليه بقية الشرائع.
خاتمة
إن من يسعى إلى إبقاء الناس فقراء، جائعين، محتاجين، لا يخدم الدين، بل يبحث عن إذلالهم والسيطرة عليهم. فالدين لا يُبنى على الجوع، ولا يُزهر تحت الخوف، ولا يُثمر في بيئة القهر.
ويبقى السؤال مفتوحًا، موجّهًا لكل واحد منا: هل اقتحمنا العقبة فعلًا؟ أم اكتفينا بالوقوف عند عتبتها؟ أم كنا العقبة أمام احتياج الآخرين؟

الكلمات الدلالية