الجوار يُعرف بالتعايش السلمي: من يوقف كارثة المُخَضّرِية في اليمن؟!
دماج، صعدة 2014
وأنا أتابع ما يجري في اليمن، في الآونة الأخيرة، وهي لا تنفصل عن مجرى أحداث تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، ذلك الاستكلاب الاستذائاب السياسي والديني والمذهبي والعائلاتي، والتقاتل على العدم، وفي أحس الأحوال البائسة التقاتل على الفيتة/ الجثة، بشهية ذئبية.
مع أن الذئب بريء مما يحدث في اليمن، تلك الحيوانات تأكل بما يسد جوعها فقط، بعكس البشر الذين لا يشبعون من أكل لحوم بعضهم نيئة وحنيذًا وممرقًا.
تذكرت حكاية يمنية طريفة معروفة، حكاية "المخضرية، وتقول بأن أحد الباعة كان يبيع "البرعي" في باب السباح بصنعاء، وفي أحد الأيام وبينما هو جالس بجوار دست البرعي، مرت دابة، وفي غفلة من أمره تبرزت بروثها الغليظ داخل الدست الكبير.
لم يعرف ماذا يعمل، فإن كرعه سيخسر. تلفت يمينًا ويسارًا، فلم يره أحد، وقام بتقليب "البرعي" مع الروث، ليأتي المشترون كعادتهم، وعندما بدأوا بتذوقه، استاؤوا، وقالوا: "لماذا اليوم البرعي أخضر قوي، وطعمه غريب أيضًا؟".

أجابهم البائع بثقة: "وأنتم أيش عرفكم، هذه مخضرية طعيمة، هيا كلوا، واستمتعوا بالمخضرية اللذيذة"، ثم واصل شغله بتقديمها للزبائن.
نعم، كم تشبهنا هذه الحكاية، فنحن وجيراننا الأشقاء المشاركون في هذه المأساة -الملهاة، نعالج قضايانا ومشاكلنا بنفس المخضرية، والأشقاء يعرفونها ويجرعوننا إياها لأكثر من قرن، فكأن لسان حالهم "داوِ الحمار من روثه".
لا تنزعجوا من حدة هذه الكتابة، فالحاصل هو مخضرية جهنمية سامة لا تلسعنا فحسب، بل تفتك بنا كل يوم، كل ساعة ودقيقة، ليس فقط لأننا مكب النفايات الخلفي للشقيقة الكبرى والجوار الخليجي، بل نحن من جعلنا أنفسنا ذلك المكب النفاياتي السمي الذي يتوسع ويجرفنا بوعي ولا وعي، وشئنا أم أبينا، نعم.

لقد جعلنا من أنفسنا وبلادنا ساحة، بل زريبة لأية هائمة ودابة تبصق وتذرق داخلها، وللأسف نحن من نأكلها ونغتسل بها ونتجشأ ونحمد آلهة الجوار أنها أطعمتنا البرعي -أو بالأحرى المخضرية النافعة لليمنيين في كل زمان- كما تقول الحوادث والاحترابات والفقر والمجاعة والجهل والتجهيل، واستمرار تغذية وتلقيح المخضرية للقبائل والمشايخ والسادة ورجال الدين والمليشيات والسلطات المتعاقبة، نتقاتل ونتناحر ونتحاقر أيضًا داخل دست المخضرية، بل نصبغها باللذاذة المقدسة.
لا نغالط أنفسنا، فبكل أنواع العيب الأسود والأغبر، وبالهذرفة الممسوسة باسم الهوية والوطنية والحضارة والدولة، والسيادة.. من الأوهام العذبة. نحن من صنعنا الدست والمخضرية معًا، وأشعلنا الموقد لتستوي الأكلة البرعية.

هذه هي صورتنا السيمائية المزرية لليمن واليمنيين في كل آن.
فلا أبشع من مخضرية تدوير هويات دسوت المخضريات من: القحطنة والعدننة وتفقيساتهما، طائفيات قبلية ودينية، عسكرية، وطنية، وجمهورية، اشتراكية، وو.. كلها غارقة وتبتلع وتسبح وتتجشأ زباد المخضرية.
إن ما تقوم به الشقيقات والجوار الوعر، هو تدسيم الأفواه "الشقاة" وتسميك المئزريات بمخضريات من مصانع المصحف وسيفي الكعبة (الشريفة) والصقر الإماراتي وغيرهم.
قطف خبر 1:
إن أية تسوية قائمة على المحاصصة بالمخضرية وأخواتها، أكانت بالملح أو الحامض أو السكر أو العسل، ما هي إلا مواقيت لحروب مؤجلة كالعادة، والتاريخ لا يكذب بهذا الصدد، فما إن تتوقف الحرب في بقعة، حتى تشتعل في مكان آخر.
من حقكم أيها الجوار -الشقيقة وأخواتها- أن تؤمّنوا حدودكم، بما تنص عليه مواثيق حقوق الإنسان الدولية، لا أن تصنعوا المخضرية وتريقوها تجريعًا للإنسان اليمني العاري من أبسط سبل الحياة.

أما آن لكم أن تكفوا عن الاستزراع والاستثمار في المليشيات: تارة السلفية وجهادية كـ"دماج"، وغيرها من الدماجيات المبثوثة لكم في كل أصقاع اليمن، بما فيه الريف القصي، وتارة مشيخيات قبلية دينية ومذهبية، فما إن تنتهوا من هذه الجماعة حتى تشتغلوا مع، وب، مليشيات أخرى، بمنطق "اقلع بصلي واغرس ثومي".
نعم، أن تتوقف مصانع مخضرياتكم التي تأكلنا وتقايض بنا، وتلتهمنا كعصابات حق تستبيح الأخضر واليابس، تلتهم أية ثروة وميناء وبحر وبر، وسماء، وإنسان.
السلام الذي ننشده اليوم 2026، أكثر من أي وقت مضى، يعني: حياة كريمة آمنة، في ظل دولة لا تعتلف المخضرية من دول الجوار، جورة إنسانية تفكر بمقاييس "الجار قبل الدار"، أن تساعد لتبني مدرسة، جامعة، مشفى، شق طريق، ماء نظيف، مركز موسيقي، لكن للأسف زرعت ونفشت العمى والجهل، زرعت ألغام المخضرية الوهابية المتصارعة في كل جدار ونافذة، ومجول ريحان، عمقت الكراهية، واشتغلت على الفقر والخراب، استنسخت الطائفيات من كل حجم وشكل ولون، طائفيات دائرية "شل منه وناوله"، نعم تعددت المليشيات والموت واحد وبسيف المخضرية، السل والجرب الأبدي لليمن واليمنيين.
نحتاج اليوم لدولة ودستور وقانون يصيغه إنسانها الحر بالتعليم والثقافة والفن والسياسة المؤنسنة من أجل الحياة، لا قبيلة وأعراف ومشايخ وعسكر يبتلعون كل أصناف المخضرية مع إضافة بهارات مخدرة من قات وبردقان، وغيره.
لم يعد كافيًا، أن نطالب بكحت عرق التسوس في الدست السام، بل المطلوب العاجل أن يرمى الدست بالبرعي وكل المخضرية المسمومة.
فلا بد من إيقاف وغلق، وإلى الأبد، توحش مصانع السيوف والصقور، وتكيات عصبية البداوة والقبيلة، "ما للحب المسوس إلا الكيال الأعور"، فلقد تعبنا واستهلكنا.
في العام الجديد لـ2026، ألا نستحق أن تكون لنا مدينة منورة بالعلم والثقافة والفنون والانفتاح بروح العصر؟ لقد أرهقتنا طوابير الصدقات البائسة لفلكلور نفايات الجوار: "الدبة الصفراء ودقيق القمح المنتهي الصلاحية، والريالات الجرب التي لا تسمن ولا تغني من جوع، تعبنا من حياة القمامة والقيامة خير وأبقى، نعم تعبنا، تعبنا، هلكنا أيها العالم.
أين أضع هذا السؤال؟!
أما آن الأوان أيها الأشقاء -بحق- أن نغني ونرقص معًا، وأن تتوطد علاقات الجوار الإنساني بأنغام فناننا الجميل محمد عبده:
أبعاد كنتم وإلا قريبين
المراد إنكم دايم سالمين
ما أقول غير الله..
الله يكون بعون كل العاشقين
أشتاق.. واسأل عنكم الأشواق..
اليمنيون في انتظار: تكملة الأغنية على مسرح الفن الحديث والمعاصر في اليمن -صعدة، الذي أسسته المملكة العربية السعودية بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والخليج، سيصاحب الموسيقى فرق الرقص، يعقبها وعلى مسرح المكلا الدولي، فرقة الفلامنكو الأسطورية "جيبسي كينغز"، وبالمثل في صنعاء وتعز وعدن وتهامة، بالطبع ستكون الأضواء متاحة لكل الجمهور، وأصر ذكورًا وإناثًا، يصاحب الترفيه بهجة الرقص والسلا.
ويا مستجيب الداعي!
كيف تشوفوووا؟!
**
مقال الكاتبة "صباح الخير يا رازح"