صنعاء 19C امطار خفيفة

مؤتمرات الحوار!! فخاخ ذكية

يتم تطوير النظم السياسية عمليًا عبر إدخال تعديلات دستورية وقانونية واقعية، تهدف إلى تصحيح الأخطاء الواضحة في ممارسة السلطة، التي أدت إلى أزمات أو ثورات، وصراعات وحروب.

في اليمن، وبعد عام 2011، كان المسار الواقعي يقتضي إجراء تعديلات قانونية تُقلّص من السلطة المطلقة لرئيس الدولة، وتحدّ من الفساد الفوضوي. وكان من أهم ما ينبغي العمل عليه تعزيز دور السلطة التشريعية واستقلال القضاء، إلى جانب وضع ضوابط واضحة على التعيينات في المناصب العسكرية والمدنية العليا، من خلال إشراك السلطة التشريعية في هذه التعيينات للحد من المحسوبية والفساد. كما كان من الضروري تفعيل قانون الخدمة المدنية بما يضمن تحسين مبدأ تكافؤ الفرص، وتحقيق قدر أعلى من الشفافية والعدالة في التوظيف والترقي.
وإلى جانب ذلك، كانت هناك حاجة إلى تعديلات تشريعية وخطوات تنفيذية واضحة للفصل بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة، بما يخلق بيئة حقيقية للتنافس السياسي في الانتخابات.
وكان بالإمكان إنجاز كل هذه التعديلات عبر تشكيل فريق صغير من الخبراء السياسيين والقانونيين، وبإشراك الأحزاب السياسية لوضع المقترحات، ومن ثم وتمريرها من خلال السلطة التشريعية.
غير أن القوى التي تولّت المشهد بعد ذلك التاريخ لم يكن في ذهنها تطوير النظام السياسي، ولا تعزيز عملية بناء الدولة اليمنية. فالمؤتمر الشعبي كان حريصًا على الإبقاء على نفوذه داخل الدولة، فيما كان همّ حزب الإصلاح إزاحة المؤتمر والحلول محلّه. أما الأحزاب اليسارية، وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي، فقد انصبّ جهدها على تنفيذ مشاريع تفكيك الدولة اليمنية، وإلغاء الجمهورية اليمنية التي جاءت بوحدة 22 مايو. في حين كان الرئيس الكارثة هادي منشغلًا بتعزيز سلطته وإطالة فترة بقائه في الحكم، هو وفريقه، عبر تفكيك الجمهورية اليمنية وخلق وضع انتقالي يمتد لعشرات السنين.
ومن أجل تمرير مشاريع التفكيك، جرى الترويج لمؤتمر الحوار، مع الإيحاء بأن هذا المؤتمر قادر على حل جميع مشكلات اليمن، الماضية والحاضرة والمستقبلية. وبعد أكثر من عشرة أشهر من الضجيج والرطانة والهرج والمرج، تم تمرير كل ما أراده المخططون لمؤتمر الحوار، وعلى وجه الخصوص مشاريع تفكيك الجمهورية اليمنية، وذلك عبر التصويت في دقائق معدودة على حزمة من 1400 بند، وبالأسلوب ذاته الذي كانت تُدار به المؤتمرات الشعبية في عهد القذافي.
وخلاصة الأمر أن هناك حيلًا نمطية تستخدمها القوى اليسارية على وجه التحديد، إضافة إلى القوى الانعزالية التفكيكية، تقوم على الدعوة إلى مؤتمرات حوار، يكون الهدف الحقيقي منها تمرير أجندات خبيثة يصعب تمريرها عبر الأطر الدستورية الطبيعية، كالبرلمان والسلطة التنفيذية. وقد بيّنت التجارب المعاشة أن مؤتمر حوار موفنبيك كان يهدف إلى تمرير خطط إنهاء الجمهورية اليمنية، فيما كانت مؤتمرات الرياض آلية لتمرير رغبات الدول الراعية، وهو المسار ذاته الذي يُراد له أن يتكرر فيما يُسمّى بـ«مؤتمر الحوار الجنوبي».
ثمّة حقيقة يدركها كل من حضر أو راقب أي لقاءات سياسية تُعقد تحت مسمّى مؤتمرات الحوار؛ وهي أن هذه المؤتمرات إما أن تفشل أطرافها في التوصل إلى أي اتفاق، مهما طالت فترة الحوار، إذا لم تكن هناك سلطة قادرة على فرض بنود محددة، أو يتم تمييع القضايا وتأجيل حسم الملفات الجوهرية، والخروج بوثيقة باهتة.
وفي حال وجود سلطة قادرة على فرض الحسم لصالحها، يتم تمرير المخطط بكل سهولة، كما حدث في مؤتمر موفنبيك والمؤتمرات اللاحقة.
ولهذا، فإن من الحصافة التعامل مع أي مؤتمرات حوار بحذر وتوجّس؛ فهذه المؤتمرات، في الغالب، ليست سوى أصباغ شرعية لمخططات جاهزة، يُدعى الحاضرون للمشاركة فيها بهدف تمريرها عبر حضور شكلي لهم.

الكلمات الدلالية