أزمات إنسانية ضحيتها شعوب المنطقة
أ. المليشيات الانفصالية حصان طروادة لمشاريع خارجية
بدأ هذا العام 2026م كسابقه، وربما أشد وقعًا وإيلامًا، والضحية هي المنطقة العربية التي أصبحت عرضة للمشاريع الدخيلة، المتمثلة بتجنيد مليشيات انفصالية محلية.. هدفها مضايقة المجتمعات، ونهب مقدرات البلدان وتقسيمها، وترهيب المواطنين، وإيجاد حالة من عدم الاستقرار، خدمة لمشاريع امبريالية للسيطرة على المنطقة.
حقيقة الأمر، اكتوت بلدان عربية بنار تلك المليشيات الانفصالية العسكرية، في مقدمتها الجمهورية اليمنية، التي كانت على مقربة من إعلان الجنوب اليمني دولة مستقلة، تهيئة للاعتراف الإسرائيلي المتزامن مع إقليم "أرض الصومال" في الأسبوع الأخير من ديسمبر 2025م.
شاء القدر، أن تنجلي الكربة، وتتحرر البلاد من براثن المليشيات، في الخامس من يناير 2026م، بعد أن عاثت فسادًا، وبخاصة في أيامها الأخيرة في حضرموت والمهرة، إذ انهارت، وداعمتها دولة الإمارات، بسرعة غير متوقعة، بعد توجيه رئيس المجلس الرئاسي د. رشاد محمد العليمي، وتعليمات المملكة العربية السعودية، قائدة التحالف العربي لدعم الشرعية، بانسحاب المليشيات، وإنهاء خدمات دولة الإمارات من تحالف دعم الشرعية في اليمن.
في واقع الأمر، إن المليشيات الانفصالية في المنطقة، تمثل "حصان طروادة" لمشاريع خارجية، والغاية من ذلك تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وتكريس "التطبيع والشراكة الاقتصادية والتجارية والأمنية مع إسرائيل كلاعب رئيس في المنطقة".
ب. الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، واتفاق دونالد ترامب لإنهاء الحرب المستعرة في قطاع غزة
ما لا يدع مجالًا للشك، أن ما يحدث في الوقت الراهن من اعتداءات إسرائيلية لقطاع غزة، والتوسع الإسرائيلي الاستيطاني في الضفة الغربية، إنما يعتبر مقدمة لتصفية القضية الفلسطينية، رغم الحراك الدبلوماسي العالمي العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، وجمهورية فرنسا، متمثلًا بالاجتماعات المنعقدة في أغسطس، ثم سبتمبر 2025م، إبان انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، واعتراف 159 عضوًا في الجمعية العامة للأمم المتحدة، من مجموع 193 عضوًا، بالدولة الفلسطينية، شمل الاعتراف أربعة أعضاء من الأعضاء الدائمين العضوية الخمسة في مجلس الأمن، من يحق لكل منهم استخدام حق الفيتو (الاعتراض) على أي مشروع قرار يقدم إلى مجلس الأمن. وفي هذا الشأن، امتنعت الولايات المتحدة الأميركية عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو حل الدولتين.
وفي سياق متصل، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقًا يتضمن 20 بندًا حول إنهاء النزاع في قطاع غزة بين الإسرائيليين والفلسطينيين (حركة حماس) بوساطة جمهورية مصر العربية، ودولة قطر.
وبعد أشهر من المراوحة في تنفيذ أول بند في الاتفاق، رفض (الجانب الإسرائيلي) الانتقال من البند الأول بذريعة أن (حركة حماس) لم تنفذ الاتفاق بخصوص تسليم جثمان آخر رهينة. وليستمر بقصف الخيام، كما منع دخول المساعدات الإنسانية، رغم المطالبات المستمرة من جميع الدول المعنية بالاتفاق في مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، للانتقال إلى البند الثاني من الاتفاق. ولكن لا حياة لمن تنادي.. ذكرني هذا الموقف بشخص "شايلوك" في العمل الدرامي "تاجر البندقية" للكاتب والمسرحي الملهم ويليم شيكسبير، مما جعلني أقتنع، أن "شايلوك" لم ولن يموت، حتى قيام الساعة.
من الجدير بالذكر، أن نتنياهو بعد استلامه جثمان آخر رهينة في 25 يناير 2026م، يشترط من جديد أنه لن ينتقل أيضًا إلى البند الثاني في الاتفاق إلا بعد تسليم "حماس" سلاحها أولًا.. متناسيًا فتح معبري رفح لدخول المساعدات الإنسانية، وانسحاب إسرائيل من غزة، فضلًا عن إعمار القطاع.
يقينًا، إن المشوار طويل وشاق حتى ينتهي تنفيذ "الاتفاق الترامبي" بتفاصيله المعقدة. علمًا أنه يدور في خلد دونالد ترامب أيضًا إقامة مشروع استثماري دولي في قطاع غزة، برئاسته. وفي المقابل، وكذا إصرار إسرائيلي على احتلال مساحة ثلث قطاع غزة أو أكثر بذريعة حماية المستوطنات.. ولا ننسى أيضًا شق "قناة بن غوريون" المنافسة لقناة السويس، والمتوقع -حسب مراقبين- أن تبدأ من "إيلات" عبر صحراء النقب إلى شمال قطاع غزة، بدلا من "تل أبيب".
جوهر القول، إن الاتفاق الترامبي من الصعوبة أن ينتهي العمل به، قبل ست سنوات، إذا ما توفرت الجدية في التنفيذ من الأطراف المعنية كافة.. ولا يسعني إلا أن أردد قول الشاعر القاضي مطهر الإرياني، رحمه الله:
يا قافلة عاد المراحل طوال
وعاد وجه الليل عابس