صنعاء 19C امطار خفيفة

من البيت يبدأ التعايش: الشباب والتعليم والبيئة في زمن التحديات

في مجتمع يواجه صراعات متراكمة وظروفًا معيشية صعبة، يصبح الحديث عن التعايش أكثر من مجرد أمنية، بل ضرورة لبقاء الناس معًا بسلام، رغم ما يفرقهم من آراء وتجارب وأوضاع. وفي اليمن، حيث يمتزج التنوع مع الأزمة، يبدو واضحًا أنَّ الطريق نحو التفاهم المجتمعي لا يمر فقط عبر المبادرات الرسمية أو الخطط السياسية، بل يبدأ من أبسط مكان: من داخل الأسرة.

الأسرة اليمنية اليوم، رغم كل الضغوط، لا تزال تحافظ على مكانتها كمحور رئيسي في تشكيل الوعي، ونقل القيم، وتربية الأجيال. لكنّ هذا الدور بحاجة إلى تجديد وتطوير، يتناسب مع التحديات الجديدة التي يواجهها الشباب، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا التعليم، البيئة، والتعايش.
إن التعايش، في جوهره، ليس مجرد فكرة مجرّدة، بل ممارسة يومية تبدأ من أسلوب التعامل داخل البيت. هل نُصغي لبعضنا؟ هل نحترم رأي الصغير كما الكبير؟ هل نفتح مجالًا للنقاش دون تهكم أو قمع؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا. لأن البيت هو أول مكان يتعلم فيه الإنسان كيف يعبر عن رأيه، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف يبني حوارًا سليمًا مع من حوله.
وهنا يأتي دور الشباب داخل الأسرة. ليسوا مجرد متلقين لتوجيهات الكبار، بل يمكن أن يكونوا مصدر إلهام في تعزيز ثقافة الحوار، وحل الخلافات بالحكمة، وتشجيع الإخوة على الدراسة، وتنظيم شؤون البيت بطريقة تشاركية. وهذا لا يحدث بالكلام فقط، بل بالممارسة.
إن الشاب الذي يقترح على أسرته أن يجتمعوا كل أسبوع لمناقشة ما يشغلهم، أو تشجيع إخوانه الأصغر على التعبير عن مشاعرهم، أو اقتراح حلول لمشكلاتهم الدراسية، هو في الحقيقة يمارس التعايش. هو يبني، من داخل بيته، نموذجًا مصغّرًا لما يمكن أن يكون عليه المجتمع.
أما التعليم، فهو واحد من أهم المجالات التي تنعكس فيها هذه الروح. فالتعليم لا يُقاس فقط بالشهادات، بل أيضًا بطريقة التفكير التي يكتسبها الإنسان. هل يتعلم كيف يحل مشاكله بالحوار؟ هل يتعلم كيف يتعاون مع زملائه؟ هل يرى أن التعلم مسؤولية جماعية أم فردية؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى بيئة أسرية تدعم لا فقط المذاكرة، بل الفهم العميق للعلم كوسيلة للنهوض والتفاهم.
كثير من البيوت اليمنية تعيش اليوم تحديات كبيرة فيما يخص تعليم أبنائها، نتيجة النزوح، أو توقف الرواتب، أو ضعف الخدمات. لكن رغم هذه الظروف، تظهر نماذج كثيرة لأسر تشجع أبناءها على الاستمرار، ولو بأبسط الوسائل: مشاركة الكتب، تنظيم وقت الدراسة، تشجيع الفتيات على التعلم، استخدام الإنترنت في التعليم الذاتي. هذه الجهود، مهما بدت متواضعة، تؤكد أن دعم التعليم داخل الأسرة هو أحد أشكال التعايش الحقيقي، لأنه يؤمن بأن لكل فرد حق في النمو والتطور.
أما القضية الأخرى التي تُظهر عمق التعايش المجتمعي، فهي البيئة. فالبيئة بطبيعتها لا تعترف بالانقسامات. الهواء الذي نلوّثه، والمياه التي نهدرها، والنفايات التي نتركها، كلها تؤثر علينا جميعًا. وعندما نغرس في الأسرة – من خلال الشباب – قيمة احترام البيئة، فإننا نغرس قيمة أوسع: احترام الحياة، والآخر، والمستقبل.
شابة تزرع شتلة أمام البيت، أو شاب ينظم حملة تنظيف في الحي، قد لا يغيران الواقع كليًا، لكنهما يرسلان رسالة مهمة: أننا مسؤولون، وأن العيش معًا يتطلب رعاية مشتركة للمكان الذي يجمعنا. وهذه الروح، حين تبدأ من البيت، تنتقل إلى الجار، ثم الحي، ثم المجتمع.
الشباب اليمني، رغم الظروف، أثبت أنه قادر على الإبداع، والمبادرة، وتحويل الأفكار الصغيرة إلى أفعال مؤثرة. ومع ذلك، فإن هذه القدرة تحتاج إلى بيئة حاضنة، تبدأ من الأسرة. فالشاب الذي يشعر أن رأيه مسموع، وأن مساهمته مقدّرة، ينمو وهو يحمل مسؤولية مجتمعه على كتفيه، لا فقط همومه الشخصية.
ولهذا، فإن بناء التعايش في اليمن لا يحتاج فقط إلى خطط كبيرة، بل إلى حوار صغير في مجلس البيت، أو مبادرة تعليمية بسيطة، أو سلوك بيئي واعٍ. كل هذه الأفعال، حين تتكرر، تصبح ثقافة. ثقافة ترى في الآخر شريكًا، لا خصمًا. وفي التعليم وسيلة للتقارب، لا للتفاضل. وفي البيئة مسؤولية، لا عبئًا.
إننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من داخل الفرد، ومن داخل الأسرة، ثم يخرج إلى المجتمع الأوسع. والشباب ليسوا عنصرًا هامشيًا في هذه العملية، بل هم القوة الدافعة لها. فهم الأقرب إلى الواقع، والأكثر انفتاحًا على الأفكار الجديدة، والأقدر على كسر الجمود وتحريك المياه الراكدة.
وفي الختام، يمكن القول إن تعزيز التعايش في اليمن هو مشروع جماعي، يبدأ من بيت صغير، وينمو مع كل فكرة تُقال بحب، وكل حوار يُبنى على الاحترام، وكل مبادرة يقودها شباب مؤمنون بمستقبل أفضل. وبين زحام الأزمات، لا يزال هناك متّسع للأمل، إذا آمنّا بأن الكلمة الطيبة، والسلوك الواعي، والعمل المشترك، هي مفاتيح الطريق نحو الغد.

الكلمات الدلالية