نحو الحقيقة در
لعواصف السياسة أعاصيرها المدمّرة؛ حين تهبّ، تثير معها زوابع تتجاوز ما تُحدثه العواصف الرعدية من دمار وتخريب في البيئة والطبيعة.
عواصف السياسة، إن هبّت، لا تأتي من فراغ ولا تهب فجأة؛ وإن حدثت، فالمراد منها إحداث تحولات عميقة تمسّ الجذور، بما يؤدي إلى تغيير ثوابت تفضي إلى توليد وقائع وعناوين أخرى على الأرض، تتجاوز بل وتتغوّل بفعل قوة الدفع التي امتلكتها ساعة الانطلاق، لتعيد تشكيل خارطة البيئة والمحيط والجوار، ناهيك عن إعادة التكوين العضوي لعناصر تشكّل البيئة التي منها انطلق مثل هذا الإعصار.
تحركات الطبيعة حين تتغير، وعناصر تفاعل المناخ بالضرورة، تفضي إلى تولّد أجواء ومناخات عاصفة، كالتالي نعيشها هذه الأيام ببلادنا، مع ما أصاب الغلاف الجوي من تغيّرات أفضت لما يعيشه العالم اليوم من مناخات غير معهودة. وللمرء أن يستشعر فداحة ما نقول حين تهب عواصف ورعود في بيئات أنهكتها مظاهر الحروب وعدم الاستقرار السياسي، ومثال غزة يقول بوضوح إن من لم يحقق مآربه عبر الحرب يتم تحقيقه بمناخات السياسة، حين تُجرى لمكوّناتها عمليات إعادة غسيل وإمدادها بمكوّنات ذات طبائع أشد فتكاً من أدوات الحرب المباشرة، تؤدي الغرض منها بآثار تتجاوز الحرب العسكرية وأهدافها.
وهنا لنا وقفة وسؤال.
وقفة مع أحداث تسارعت ببلادنا بشكل درامي، تكوّنت معها غمامات سوداء أمطرت زوابع أفضت إلى تجليات أشد سواداً، دفعت معها بلادنا وشعبها أثماناً سياسية باهظة.
السبب المباشر والأساس في تكونها كان مرتبطاً بكيانات سياسية تماهت بعيداً في لعبة السياسة، بعيداً عن جوهر صراعاتنا الوطنية، لترتبط مصيرياً مع أطراف خارجية لها مصالحها الخاصة، البعيدة جداً عن مصالحنا الوطنية، جنوباً وشمالاً.
أفضت خلال مراحل التحالف العربي إلى تفجّر لولب العلاقة المتعرج بين طرفي التحالف (السعودية والإمارات) إلى حالة من الانكشاف المفتوح، ليعبّر عن خلاف جوهري عميق، كانت نتيجته ما حدث في بلادنا من تطورات ذات طبيعة تصادمية خلافية، أقرب في مفهومها لما أشرنا إليه من مفاجآت وآثار مناخية عاصفة مدمّرة. تحولت معها بلادنا لمجرد مرجوحة، كل طرف من التحالف يشدّ حبالها وفق هواه، ويحركها وفق مصالحه الجيوسياسية الخاصة، بل الضيقة، سواء عبر أدوات السياسة المتعارف عليها أو عبر تغيير قواعد اللعبة ولو بالتستر والخفاء.
فأبو ظبي لن تخرج من المعادلة بلا حمص، وما تزال تمسك بالكثير من أدوات وخيوط اللعبة عبر الرموز التي ولّدتها، وستظل تحركها؛ إذ هي بالأساس جزء من قراءة وهيكلية سياسية ذات طابع أخطبوطي، يتجاوز دورها كإمارة مشيخية، ككارتل مرسمل متشعب جيوسياسياً مع قوى تلعب بالمنطقة والإقليم، وبدور مزاحم بل منافس لدور المملكة العربية السعودية والمنطقة التي تنتمي إليها.
بل إن الأمر بات متجاوزاً لذلك، ومن هنا مثل وجود التحالف ببلادنا كضرورة لمواجهة ما سُمّي بالمدّ الإيراني شركاً تدفع بلادنا والتحالف أثمانه حتى اللحظة القاتلة التي نمر بها، بعد أن باتت بلادنا مقسمة الأوصال، ضعيفة التكوين، مبعثرة الإمكانات، تتبع للأسف ولا تقرر، سواء ارتبط الأمر بالانتقالي ودوره الوظيفي لتفتيت وتقويض وحدة البلد، أو بضعف شرعية متهالكة، أو بالمشروع السلالي الكارثة المدمّرة لوحدة البلاد الوطنية.
نأتي للمراد المتعلق بمهرجان اللقاء الجنوبي–الجنوبي، الذي عقدته قيادات أغلبها تابع، ويتمحور جوهر فلسفة الانتقالي ـ إن كان جائزاً تسمية ما يطرحه فلسفة سياسية ـ أقول: المهرجان وليس اللقاء، الذي عقدته جمهرة من شخصيات تنتمي للانتقالي، احتكرت من خلاله ذات الفلسفة التي تستبعد الغير، ولوّحت من خلال مؤتمرها بذات الجوهر الانفصالي، حين عقدت اللقاء تحت علم غير العلم الذي ينضوي تحت ظلاله المجلس الرئاسي، قبل وبعد إعادة تشكيله.
للمفارقة، عقدوا اللقاء تحت راية جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي لا يعترفون بها أيضاً، لأن مشروعهم ينحو صوب ما يسمونه "الجنوب العربي".
كم كان سيكون جيداً وعظيم الأثر لو أعادوا قراءة المشهد عبر موقف نقدي تتجلى ملامحه في:
الخروج من عباءة "نحن الأصل والباقي مجرد هامش وأتباع".
إعادة مد الجسور مع كافة أطراف القضية الجنوبية وأنصارها.
موقف جاد وناقد لسياسات وقراءات ومواقف أفضت إلى حالة الاحتراب ورفع السلاح بدلاً عن الحوار.
كان من المفترض، وقد كان القرار الحكيم بالذهاب إلى الرياض، أن يتمثل جوهر القرار تحوّلاً نحو قراءة أوسع، تضمن تهيئة المناخات الحقيقية، دفعاً لاكتمال شروط نجاح مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي، الذي دعت إليه آلية رئيس مجلس الرئاسة، وطلب من السعودية الشقيقة احتضانه.
وما زال يحدونا الأمل أن تكون أجواء انعقاد هذا اللقاء تهيئة لانبثاق صيغة جامعة، دافعة لاستقطابات لاحقة، نحو أوسع حوار جنوبي–جنوبي، يشكل أرضية صلبة لنجاح مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي، بعد اكتمال عمل لجنة تحضيرية، يكتمل معها بزوغ فجر حوار يسهم في رسم مصالحة وطنية جنوبية، على طريق مصالحة وطنية يمنية، وفق صيغة تحقق استقراراً وقبولاً، خارج الفرض وتجاوزاً لقراءات وآليات الفرض بقوة المال أو السلاح أو المذهبية بشتى صورها وتلاوينها. وذلك جلّ ما نأمله ونرجوه.
ختاماً، نأمل مع وجود مساحة من الزمن أن يُعاد رتق ما تمزق من خيوط التواصل والفهم المشترك بين كافة الأطراف، كي نتجاوز وطنياً، وعلى مستوى الجنوب والشمال، حالة الشتات والتمزق والاحتراب؛ وكلها أمور كما عهدنا، واستمرارها لا تصب مطلقاً في خانة بناء الأوطان وتنميتها لصالح شعوبها، بل تصب في خانة إشعال الخلافات وساحات الحرب ودمار البلاد والعباد، وذلك ما لا نريده ولا يريده أهل البلاد من العقلاء الباحثين عن كلمة سواء، تلمّ الشمل وتنهي حالة التمزق، بحثاً عن وضع مستقر وتنمية واستقرار دائمين.