نازحو الـ 4G عندما يصبح الإنترنت "قاتاً" دولياً ومورفين النازحين إلى السيرفرات
عن أي حياة في اليمن نتحدث !؟
ليكف علماء الاجتماع والمحللين في ردهات الصحافة عن استخدام المصطلحات الناعمة؛ إن ما يفعله اليمنيون اليوم في "مقاهي الإنترنت" ومنصات السوشيال ميديا ليس استخداماً للتقنية، بل هو هروب جماعي في الواقع، وانبعاث قسري في الافتراض. إننا أمام شعب يهاجر من جغرافيا الركام ليسكن في "السيرفرات"، يبحث عن وطن بديل لا تنقطع فيه الكهرباء، ولا تفتشه النقاط الأمنية.
بعيداً عن السياسة، وإن كانت السياسة والاقتصاد والوضع الاجتماعي المزري سبب لذلك، لم تعد مقاهي الإنترنت في اليمن مراكزاً للمعرفة، بل هي "ملاجئ سيكولوجية" ومقابر جماعية للوقت، في تلك الردهات المظلمة، يتبادل الشباب الصمت لا الحديث؛ ويتحول المقعد المهترئ إلى "عرش زائف"، والشاشة إلى نافذة وحيدة في جدار زنزانة كبيرة اسمها الواقع. إننا جيل يشتري ساعات العمر بساعات إنترنت، وكأننا نقايض بقايا حياتنا بجرعات من الضوء الأزرق. يجلس الشاب اليمني لساعات فيها، ليس لأنه يتواصل مع العالم، بل لأنه يهرب من "اللاشيء" الذي ينتظره في الخارج، المقهى هو "الرحم الاصطناعي" الذي يمنح اليمني وهماً بالبقاء على قيد الحياة المعاصرة، أصبحنا نمارس العزلة الجماعية؛ مئات الأجساد المتراصة، لكن كل روح منهم نازحة في فضاء رقمي خاص، هرباً من واقع لا يقدم سوى الانتظار.
عفواً ليس جانب النوع الأخر ببعيد من ذلك ففتياتنا مغيبات أيضاً فتحت ضغط وقوفهن في بوابات مقاهي الأنترنت الممتلئة بالذكور- كانت تصطف الفتيات لتنزيل الأفلام والمسلسلات الأجنبية- تم فتح أقسام بالفتيات تكاد الكراسي أن تكون ممتلئة، تمثل نوع أخر من النزوح النفسي لا لشيء إلا لمقاومة فترات الإكتئاب.
في جانب أخر يعد فيسبوك بمثابة برلمان المقهورين وسلطة "العدم"، في ظل غياب الدولة وتآكل المؤسسات، نصب اليمني من شاشته "محكمة شعبية" وبرلماناً موازياً يوثقون فيه تطلعاتهم، حيث تحولت المنشورات إلى سلطة قضائية بديلة تشهر بالفاسدين أو تحاكم السلوكيات الاجتماعية، ولسان حال البعض يقول لقد كفرنا بالواقع، فآمنا بـ "التايم لاين"، هنا نمارس "المواطنة المزيفة"؛ نحاكم، ونشهر، ونبني دولاً وخيالات سياسية لن تتحقق أبداً على الأرض، ولابأس أن رُتبت الخيبات فيه أحياناً أخرى.
الصدمة الاجتماعية تكمن في أن الإنترنت لم يذوب الفوارق، بل أعاد تدوير القبلية والمناطقية في قوالب رقمية، محولاً الفضاء المفتوح إلى "خنادق إلكترونية" تزيد من تمزيق ما تبقى من النسيج الاجتماعي تزيد من حدة الاستقطاب المجتمعي، والدليل ما يحدث الأن والمواقف المتنافرة على خلفية حركة الإنتقالي وسقوطه.
برع البعض في تسليع الأنين.. ليصبح الوجع "محتوى"، لقد ارتكبت السوشيال ميديا أكبر جريمة اجتماعية في اليمن: بتحويل المأساة إلى "فرجة"، أصبح الفقر اليمني، والجوع، والدموع بضاعة تُعرض للحصول على (لايكات) و(تبرعات رقمية)، هذا الفعل حول اليمني من إنسان ذي كرامة إلى كائن معروض في سوق نخاسة رقمي عالمي. لدرجة إننا تطبعنا مع الصدمة، وبات منظر الطفل الجائع مجرد "بوست" نتجاوزه بلمسة إصبع نحو الأسفل مما قتل فينا القدرة على الاستجابة الحقيقية للفعل الإنساني.
بشكل صادم وغير مسبوق، انهار جدار الحياء اليمني التاريخي أمام سطوة تيك توك وإنستغرام، فلجوء الفرد اليمني لكسر التابوهات والرقص فوق الأنقاض ليس ترفاً، بل هو جوع للاعتراف وإغلاق النقص عندما يشعر الفرد أنه نكرة في حسابات السلطة والحرب، فإنه يبيع خصوصيته على عتبات التريند ليشتري ثوانٍ من الشهرة، في جانب أخر يعد ذلك إعلان رسمي عن موت القيم التقليدية أمام قيم الاستهلاك الرقمي، حيث تصبح المشاهدات هي المعيار الوحيد للقيمة الإنسانية.
لقد أنتج العقل اليمني هجيناً مرعباً نستطيع تسميته "القات الرقمي"، فاليمني لا يخزن القات ليتأمل الواقع، بل غالباً ليتحمل ثقله، والآن أضفنا إليه الإنترنت لتعميق الغياب كغيبوبة مزدوجة، لذا أصبح اليمني اليوم غائب مرتين؛ غائب عن جسده بفعل الكيمياء، وغائب عن مكانه بفعل التكنولوجيا، هذا الانفصال التام جعل المجتمع في حالة "شلل حركي"؛ يفرغ طاقته الثورية في تعليقات ساخنة، ثم ينام ملء جفونه عن واقعه الذي يحترق.
من الظواهر الصادمة سوسيولوجياً هي لجوء اليمنيين إلى "الأسماء المستعارة" والهويات المتخيلة، حيث يهرب الشاب من وطأة اسمه المرتبط بقبيلة أو مذهب أو منطقة، ليعيد اختراع نفسه كـ "مواطن عالمي" بأسماء أجنبية أو رموز فلسفية. هذا الهروب يعكس أزمة ثقة في الذات الوطنية؛ فالانتماء لليمن المادي أصبح محملاً بالأعباء والوصم، بينما الانتماء للفضاء الرقمي يمنح سيولة هوياتية تسمح للفرد بأن يكون أي شخص آخر غير ذلك الإنسان المحاصر في جغرافيا الأزمات.
اليمن اليوم يعيش في حالة انتظار مزمنة (انتظار الراتب، انتظار السلام، انتظار الكهرباء). سوسيولوجياً تعمل مواقع التواصل الاجتماعي كقاتل للوقت بالمعنى الحرفي، فالمواطن لا يستخدم الإنترنت لينجز، بل ليجعل الزمن يمر بأقل قدر من الألم. الإنترنت هنا هو "مورفين زمني"؛ يحول ساعات الانتظار الثقيلة إلى دقائق من التصفح اللانهائي مما يؤدي إلى تحول المجتمع من مجتمع فاعل" إلى مجتمع مراقب، يكتفي بمشاهدة حياته وهي تضيع على الشاشة دون أن يملك القدرة على استردادها.
إننا نشهد ولادة إنسان يمني جديد، كائن رقمي بامتياز، يسكن في الثقوب التي تركتها الحرب في جدار الواقع، كون المقاهي والمنصات ليست مجرد أدوات، بل هي "أطراف صناعية" لهويات مبتورة، والصدمة الحقيقية ليست في كمية الوقت الذي يقضيه اليمنيون خلف الشاشات، بل في حقيقة أنهم يجدون في العالم الرقمي حياةً أكثر واقعية من حياتهم في الوجود المادي.
إننا نعلنها صريحة لم يعد الإنترنت في اليمن مجرد تكنولوجيا، إنه "مورفين"، فنحن جيل يعيش ازدواجية وجودية مرعبة؛ أقدامنا عالقة في طين الأزمات، ورؤوسنا محلقة في سحب "السيليكون فالي"، لذا فالكارثة الكبرى ليست في ما نفعله بالإنترنت، بل في ما يفعله الإنترنت بنا؛ إنه يعيد صياغتنا ككائنات مراقِبة لا فاعلة، كائنات تجد في صورتها الرقمية حياةً أكثر كرامة من حقيقتها المادية، في انتظار وطن يشبه الشاشات.