اليمن: حين يغدو اليأس رصيفاً والعدم وطناً
لم يعد الوجع اليمني مادةً صالحةً للبكائيات المعتادة، فقد تجاوزت المأساة سقف الأزمة الإنسانية لتستقر في منطقة رمادية مرعبة هي مرحلة ما بعد اليأس، فما يمر به اليمنيون اليوم ليس مجرد إحباط عابر، بل هو انسلاخ كامل عن مفهوم الدولة، والزمن، وحتى الحق في الحلم؛ لقد تحول اليأس من شعور طارئ إلى "هوية" تلتصق بالملامح والجدران.
أصبحت الجغرافيا اليمنية تمثل جغرافيا الانكسار في وطن معلق خارج الزمن، في اليمن لا يمر الوقت كما يمر في بقية العالم، هنا يتوقف الزمن عند حدود البقاء. لقد وصل الإنسان اليمني إلى قناعة مريرة بأن غده ليس سوى نسخة مشوهة من أمسه، وأن الصراع الذي ينهش جسد البلاد لم يعد حرباً من أجل مبادئ، بل تحول إلى اقتصاد موت مستدام، يقتات عليه أمراء الحرب بينما يتضور الشعب صمتاً وجوعاً وموتاً.
في صورة هزلية تآكلت الطبقة الوسطى وتلاشى الحامل الاجتماعي للوعي، فأصبح الأكاديمي والمثقف يبحثون عن رغيف الخبز خلف أرصفة البيع المتجول، ولم يعد خبر الموت أو الانتحار أو الجوع يحرك ساكناً في الوجدان الجمعي؛ لقد حدث ما هو أخطر من الموت، وهو موت الإحساس بالصدمة.
إن تزايد حالات الانتحار في المدن اليمنية مؤخراً هو الدليل القاطع على أن اليأس وصل إلى نقطة الغليان. حين يقرر رب أسرة إنهاء حياته لأنه عجز عن توفير "كيس دقيق"، فنحن لسنا أمام حالة نفسية فردية، بل أمام إبادة معنوية شاملة، اليمني الذي عُرف بجلده وصبره الأسطوري، بدأ ينكسر تحت ثقل اللاشيء؛ لا رواتب، لا خدمات، لا أفق سياسي، ولا حتى اعتراف دولي بآلامه يتجاوز بيانات القلق الباردة.
معظم اليمنيين يعيشون اليوم غربتين؛ واحدة داخل وطنه حيث يشعر أنه غريب في مدينته، محاصر بخطوط النار والجبايات والولاءات الضيقة، وأخرى في المنافي حيث يطارد بلقب "لاجئ" أو "مقيم" غير مرغوب فيه. هذا الانسداد جعل من الهجرة حلماً انتحارياً، حيث يفضل الشاب اليمني الموت غرقاً في البحر على الموت كمداً فوق تراب بلده.
إن أخطر ما يواجه اليمنيين اليوم ليس الرصاص، بل القناعة المتجذرة بأن التغيير مستحيل، وأن الخراب قدر محتوم لا فكاك منه.
إن وصول اليمنيين إلى هذه المرحلة من اليأس هو إدانة صارخة لكل القوى المحلية والإقليمية والدولية، إنها لحظة الحقيقة التي تقول إن "اليمن السعيد" أضحى مجرد ذكرى في كتب التاريخ، وأن الحاضر هو عبارة عن غرفة انتظار كبرى للمجهول.
إضافة إلى الموت المادي، يعيش اليمني ما يمكن تسميته بـ "الموات الوجداني". إن اليأس هنا ليس غياباً للأمل فحسب، بل هو "امتلاء بالخيبة". لقد تحول الإنسان اليمني من كائن فاعل في التاريخ إلى رقم في كشوفات المساعدات، أو هدف في إحداثيات الحرب. الصدمة الحقيقية تكمن في أن اليمني، الذي كان يفاخر بعزة نفسه، بات اليوم مضطراً لمقايضة كرامته بلقمة عيش مغمسة بالذل، وهذا الانكسار الداخلي هو أشد فتكاً من شظايا القذائف.
أخطر ما يضاف إلى مشهد اليأس الحالي العابر للأجيال هو "تسميم المستقبل". نحن لا نتحدث عن جيل واحد يائس، بل عن أطفال وُلدوا ونشؤوا ولا يعرفون في قاموسهم معنى "الدولة" أو "الأمان"، فطفولتهم مفخخة، هؤلاء الصغار الذين كبروا على أصوات الطائرات وصور الأشلاء، أصبح اليأس لديهم غريزة وليس مجرد شعور، في حين كان يفترض أن يكون هناك مواد دراسية تختزل معالجة الوضع الحالي لدى هذه الاجيال، فقد تم تزييف الوعي، لذا دفع اليأس بآلاف الشباب إلى محارق الموت كخيار وحيد للحصول على "راتب"، مما يعني أن الموت صار "وظيفة" والحياة أصبحت عبئاً.
ما يضاعف مرارة اليأس هو مشهد النخب السياسية والثقافية التي تعيش في أبراجها العاجية خارج البلاد، غارقة في ترف التنظير، بينما الداخل يغرق في مستنقع اللاشيء. هذا الانفصال التام بين "الراعي" و"الرعية" جعل اليمني يشعر باليتم الوطني؛ فلا صوت يمثله، ولا يد تمتد لتنتشله، مما ولد قناعة صادمة بأن الجميع شركاء في الجريمة، سواء بالرصاص أو بالصمت.
لقد تجاوز المجتمع اليمني مرحلة الاكتئاب السريري إلى مرحلة التبلد العام أو ما يسمى الاحتراق النفسي الجماعي، فحين تشاهد مجتمعاً يسير في الجنازات دون دموع، ويتلقى أخبار الكوارث ببرود مرعب، فاعلم أن البؤس قد أكل الجهاز العصبي لهذا الشعب، إنها حالة من الاحتراق الكامل، حيث لم يعد هناك ما يحترق، ولم يعد هناك ما يضيء.
اليأس في اليمن ليس صرخة عالية، بل هو ذلك الصمت المطبق الذي يسبق الانهيار الكبير؛ هو التخلي الطوعي عن فكرة النجاة.
لكن إحذروا، ففي قلب هذا العدم، يبقى اليأس نفسه قوةً دافعة؛ فمن لم يعد لديه ما يخسره، هو الوحيد القادر على قلب الطاولة، غير أن السؤال المر يبقى: هل سيتبقى في جسد اليمنيين رمق للانتفاض، أم أن الجوع قد أكل حتى صرخة الاحتجاج؟