صنعاء 19C امطار خفيفة

أي حوار نريد؟!

تتلهّف الساحة الوطنية، وفي جوهرها الساحة الجنوبية، لانعقاد فعالية الحوار الجنوبي–الجنوبي المزمع استضافتها في الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية الشقيقة. ويحمل هذا المؤتمر في طياته، بجوهره وتوقيته، آمالًا عريضة تتطلع إليها الجماهير، لا في الساحة الجنوبية فحسب، بل في الساحة اليمنية عمومًا؛ إذ تمثّل القضية الجنوبية عنصرًا أساسيًا من عناصر المعضلة اليمنية، بل إنها تشكّل مفتاح الحل للقضية اليمنية برمّتها، إن أحسن المتحاورون والمعدّون للمؤتمر استثمار هذه الفرصة التاريخية.

وتأتي هذه الفرصة بعد مرحلة طويلة من الخراب، عاثت في البلاد فسادًا ودمارًا، وألحقت أذى بالغًا بالبنية السياسية والاقتصادية وسائر مناحي الحياة، في الجنوب والشمال على حدّ سواء. فقد دمّرت مفاعيل الحرب الناتجة عن الانقلاب على الدولة، وما تلاه من انقلابات على ما تبقى من كيان الدولة الهش، ليؤول حال البلاد، طيلة عقد ونيف، إلى واقعٍ ممزّق وأشلاء متناثرة.
واقعٌ تعيث فيه كيانات وتشكيلات لا تمتّ لمفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها بصلة، بل تعمّدت خلق تنافرات حادّة مزّقت ما تبقى من وشائج الانتماء الوطني، وأحالت اليمن عمومًا إلى ساحة فوضى تتقاسم قرارها السيادي قوى مذهبية أو قوى ذات أبعاد مناطقية، يرتبط كلاهما – مع الأسف – بأجندات خارجية. وقد دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا لذلك، صراعات دامية وتمزقًا للنسيج الوطني، تمثّل في تفرد أطراف بعينها بالقرار السياسي والاقتصادي؛ ففي صنعاء تفرد الحوثيون، وفي عدن تفرد المجلس الانتقالي، بينما ظل الوطن وشعبه على هامش المشهد.
وزادت الصورة قتامة، والجراح عمقًا، والنفوس احتقانًا، بفعل التهور الذي رافق عمليات الغزو لكل من حضرموت والمهرة، بما شكّل بلاءً فوق بلاء، وأحدث شروخًا عميقة يتطلب تجاوزها زمنًا وجهدًا وطنيًا صادقًا. كما أضيف إلى ذلك ما أفرزه بقاء قوات عسكرية لفترات طويلة دون مهام وطنية واضحة. وكل هذه الوقائع تجعل من مشروع الحوار الجنوبي–الجنوبي جهدًا وطنيًا ملحًا لتجاوز آثار الانقلاب على الدولة، سواء في صنعاء أو عدن، حتى بصورتها الهشة التي عشناها خلال السنوات الماضية.
ولهذا، ينتظر اليمنيون، من أقصى البلاد إلى أقصاها، نجاح محطة الحوار الجنوبي–الجنوبي، لتكون أملًا حقيقيًا للخروج من عنق زجاجة أزمة طالت زمنيًا، وارتفعت كلفتها اقتصاديًا وبشريًا. ويبقى السؤال الجوهري: كيف؟ وبأي ضمانات؟
إن الإجابة عن سؤال "كيف؟" تقتضي أن يُبنى الحوار على مقاربات واقعية، لا تحلّق في فضاء الشعارات والخواء، بل تنطلق من أرضية صلبة، وتفاهمات وطنية دقيقة وموضوعية، لا تكرر أخطاء الماضي أو ترث إرثه الثقيل. وفي هذا السياق، ينبغي أن تُبنى عناوين ومحاور ومنطلقات الحوار على الأسس التالية:
إن الحوار الجنوبي–الجنوبي لا يعني الانفصال عن الفضاء الوطني، لكنه لا يمنع تقديم نقد موضوعي شامل للممارسات التي مثّلت هيمنة وتشويهًا لجوهر وأهداف الوحدة اليمنية.
عدم استبعاد أي كيانات وطنية لها حضور تاريخي فاعل، بما لا يتعارض مع مفهوم الدولة الوطنية اليمنية ووحدتها.
تجاوز مفهوم "الحق الإلهي" في الحكم؛ فالحكم للشعب عبر الدستور والقانون، وفي إطار دولة المؤسسات.
عدم فرض أجندات تخالف أسس وجوهر المرجعيات الوطنية المعتمدة محليًا ودوليًا.
عدم مصادرة أي رؤية تسعى لإعادة الشراكة الوطنية الحقيقية، بعيدًا عن المركزية المفرطة التي تلغي دور ومكانة الآخر.
الإنصات الواعي والنقدي لأي طرح، حتى إن بدا خارج المسعى العام، دون شطط أو إقصاء، وبما يخدم الهدف الحقيقي لانعقاد مؤتمر تاريخي كهذا.
وفي ضوء هذه الأسس، وما يمكن أن يُضاف إليها، فإننا أمام مرحلة استكشاف جادّة لأفضل الرؤى والصيغ التي تحدد السبل المثلى لعقد مؤتمر حوار جنوبي–جنوبي يُتوَّج بصيغة وطنية جامعة، تشكّل خارطة طريق تحقق تطلعات شعبنا في الجنوب والشمال، وتجنّب البلاد دوامات جديدة من العنف وسفك الدماء، الناتج عن الاحتكار غير المشروع وغير الوطني للسلطة والثروة.
لقد آن الأوان أن نقول: كفى لما جرى.
كفى لحرب 1994، التي شكّلت جرحًا غائرًا، وانحرافًا خطيرًا، وهيمنة وإقصاءً للجنوب، وهي صيغة لا نريد لها أن تعود، تحت أي مسمى أو ممارسة أو هندسة سياسية كانت.
ويبقى التساؤل: كيف سنصل إلى عتبات المؤتمر الجنوبي–الجنوبي المزمع عقده في الرياض، والذي نأمله وندعمه ونتطلع إلى توفير كل أسباب نجاحه؟
نرى أن السبيل إلى ذلك يبدأ بخطوات تأسيسية واضحة، في مقدمتها:
اعتماد آلية شفافة لتشكيل اللجنة التحضيرية.
الاتفاق على معايير دقيقة تضمن التمثيل العادل والمسؤول.
ولا شك أن الجهة التي التقطت بذكاء فكرة عقد هذا المؤتمر تدرك تعقيدات المرحلة الراهنة، وتدرك أيضًا مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل وما تعرض له من مصادرة، فضلًا عن آثار سنوات الحرب والمواجهات العسكرية، وما خلّفته الأحداث الأخيرة في حضرموت من ندوب وجراح. وكل ذلك يضع على عاتق الداعين للمؤتمر مسؤولية تاريخية في الإعداد المتأني، والرؤية العميقة، وتوفير كل عناصر النجاح لمهمة وطنية مفصلية.
ختامًا، ونحن على أعتاب حدث تاريخي، وفي ظل تسارع التطورات على الأرض، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة إحياء مفهوم الدولة ومكانتها ومؤسساتها، بوصفها الضامن الوحيد لعودة الحياة إلى مسارها الطبيعي، وفقًا للقانون والنظام. ومن هنا، فإننا نثمّن كل خطوة تُسهم في ترسيم وحدة القرار السيادي، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز السيادة الاقتصادية، التي بدأت تتجلى بعودة الموارد السيادية إلى قنواتها الشرعية، وفي مقدمتها البنك المركزي، وعودة الروح إلى دور الحكومة بعد أن غُيّب جوهرها طويلًا.
كل الآمال العريضة نعقدها على نجاح مؤتمر الحوار، وهو حوار تستضيفه عاصمة ذات ثقل إقليمي ودولي هي الرياض، ونأمل أن تفوح من رياحينها نسمات تُنعش عروق وطن أنهكته الأزمات، وكاد جسده العليل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
ذلك ما نأمله وننتظره.

الكلمات الدلالية