نداء السلام تحذّر من تعمّق الانقسام وتطالب بحوار يمني–يمني شامل
جنود تابعون للمجلس الانتقالي ــ رويترز
عبّرت جماعة نداء السلام عن قلقها البالغ إزاء المنحى الذي اتجهت إليه الأحداث اليمنية مؤخرًا، في ظل استمرار الصراع منذ أكثر من عقد ونصف، وما خلّفه من تشظٍّ سياسي وعسكري أسهمت فيه مختلف المكوّنات اليمنية.
وقالت الجماعة، في بيان صادر عنها اليوم، إن التحالف المؤيّد للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا شهد انقسامًا واضحًا، كاشفًا عن خلفيات الصراع بين أبرز ركيزتين فيه، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومُظهرًا إلى العلن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية المتعارضة التي يسعى كل طرف إلى تحقيقها في اليمن.
وأكدت أن الأزمة اليمنية تعمّقت نتيجة مشاريع سياسية ضيّقة، داخلية وخارجية، سعت إلى احتكار السلطة والثروة وإقصاء بقية المكوّنات، الأمر الذي أدى إلى تصاعد النزعات المناطقية والطائفية وتهديد وحدة اليمن ونسيجه الاجتماعي بشكل غير مسبوق.
وجدّدت الجماعة دعوتها إلى إنهاء الحرب والتوجّه نحو حوار يمني–يمني شامل لا يستثني أي مكوّن، ويؤسّس لبناء دولة قائمة على الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية والتداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات، محذّرة من أن استمرار الصراع والمشاريع الانقسامية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمزّق وعدم الاستقرار.
وأشارت إلى أن الأحداث التي شهدتها المحافظات الجنوبية خلال الأسابيع الماضية أكدت فشل المشاريع الضيّقة، موضحة أن المزاج الشعبي العام يرفض الخطابات المناطقية والطائفية، ويتمسّك بوحدة اليمن باعتباره وطنًا يتّسع لجميع أبنائه.
كما وجّهت الجماعة رسالة إلى القيادات اليمنية المشاركة في مشاورات الرياض، دعتها إلى تحمّل مسؤولياتها التاريخية، وتغليب مصلحة اليمن على المصالح الفئوية، وتوسيع دائرة الحوار لتشمل جميع المكوّنات اليمنية دون استثناء.
فيما يلي نص البيان
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان صادر عن جماعة نداء السَّلام
حول المستجدات في اليمن
تابعت جماعة نداء السلام الأحداث المتلاحقة التي شهدتها الساحة اليمنية باهتمام بالغ، مشوب بالقلق الشديد إزاء المنحى الذي اتجهت إليه هذه الأحداث مؤخراً، بعد عقد ونصف من الصراع بين المكونات السياسية والعسكرية اليمنية، التي تكيفت مع الواقع المتشظي، بل وساهمت في صنعه.
لقد انقسم التحالف المؤيد للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، انقساما كشف خلفية الصراع بين أهم ركيزتين في التحالف، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأخرج إلى العلن المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية المتعارضة التي يسعى كل منهما إلى تحقيقها لنفسه في اليمن، وأكد ما كنا قد كررنا الإشارة إليه في بياناتنا المبكرة وفي كتابات أعضاء جماعة نداء السلام، وهو أن التدخل العسكري الخارجي في اليمن يستبطن أهدافاً تتجاوز مجرد دعم الحكومة الشرعية، وأن اليمنيين هم المعنيون بحل خلافاتهم وتجاوز الأوضاع التي جرتنا إليها طموحات البعض منا غير المشروعة للاحتفاظ بالسلطة والثروة ومحاولة توريثهما، أو للاستحواذ على السلطة والثروة والانفراد بالقرار السياسي وإقصاء المكونات اليمنية الأخرى.
إننا نعي مجمل الأحداث التي كونت لدى بعضنا وعياً غير سليم، لا يمكن عند التدقيق فيه إلا أن نتبين بأنه ناتج عن حالة انفعالية، لا حالة عقلانية. حالة ترمي كل عوامل التاريخ والجغرافيا والاجتماع وراء ظهرها، فتتنكر لذاتها، وتشتط في محاولاتها إعادة كتابة تاريخها وتشكيل وعيها ووعي شعبها، على نحو لا يمت إلى تاريخها بصلة. وهذه محنة نشهدها على امتداد اليمن كله، شماله وجنوبه، رغم اختلاف الدوافع والغايات، ورغم التباين في بعض التفاصيل، إلا أن الأصل واحد والمآل في نهاية المطاف مآل واحد، يلحق أفدح الأضرار باليمن وشعبه.
لقد حرصت جماعة نداء السلام منذ أطلقت نداءها للسلام ودعت إلى إنهاء الحرب والتوجه إلى طاولة الحوار اليمني _ اليمني، الذي لا يستثني أحداً ولا يفرض وصاية على أحد، بل يتجه نحو التوافق على بناء دولة اليمنيين جميعهم، دولة الشراكة الوطنية والمواطنة المتساوية والتبادل السلمي للسلطة عبر صناديق الانتخابات، حرصت منذ ذلك الحين، رغم ما لا قته من عنت وما واجهته دعوتها من رفض من قبل الأطراف اليمنية المتصارعة جميعها، على تأكيد موقفها تجاه الحرب، وما تسببه من كوارث وما راجت فيها من مشاريع ضيقة الأفق، لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تمزيق اليمن، بجغرافيته الممتدة وبنسيجه الاجتماعي، الذي لم يكن في زمن من الأزمان مهدداً بالتفتيت، كما هو مهدد اليوم.
لقد ابتلي اليمن بتدخل خارجي متعدد الأوجه، له مشاريعه الخاصة، غير المتسقة مع مصالح اليمن حاضراً ومستقبلاً. ولكن هذا التدخل الخارجي لم يكن أسوأ من المشاريع البائسة للمكونات السياسية اليمنية، التي سعى كل منها إلى إلغاء الآخر، والتحكم وحده بمصير الشعب اليمني بكامله، أو التحكم بمصير جزء منه، في الشمال أو في الجنوب أو في الشرق أو في الغرب. وظهرت دعاوى مناطقية وطائفية، مقرونة بارتهان لا تخطئه العين لقوى خارجية. وكل هذه الدعاوى ليست سوى غطاء لطموحات سلطوية، قصيرة النظر، لا ترى في اليمن الواسع سوى مصالحها الضيقة، ولا تتعامل مع اليمنيين كشعب له وجوده قبل وجودها وله مصالحه العليا، التي تتجاوز مصالحها الضيقة.
هذا الوضع لم يعد مقبولاً، وآن له أن يتغير. ولن يتغير إلا عبر المصالحة الوطنية الشاملة، والتوجه نحو حوار يمني _ يمني صادق، لا يُستثنى منه أحد من المكونات اليمنية الفاعلة والمؤثرة، يؤسس لبناء دولة اليمنيين جميعهم، ويتجاوز الكانتونات التي لم يتردد بعضنا في التبشير بها والتنظير لأحقيتها في الوجود دون سواها.
لقد أثبتت أحداث الأسابيع الماضية في المحافظات الجنوبية، أن المشاريع الضيقة لا مستقبل لها. وعلينا أن نأخذ عبرة مما حدث. فالمزاج الشعبي العام، الذي كُبت خلال الحرب ومقتضياتها، ورُسِّخ بفعل خارجي وبقصور داخلي، لا يتقبل خطاباً مناطقياً، يستعدي بعض الشعب اليمني على بعضه الآخر، ولا خطاباً طائفياً يميز فئة من المجتمع اليمني عن فئاته الأخرى. فاليمن وطن واحد يتسع للجميع، والشعب اليمني شعب واحد، لا فضل لأحد منه على أحد إلا بالعمل الصالح المخلص لمصلحة اليمنيين جميعهم.
من هنا علينا أن ننطلق نحو بناء اليمن الواحد على أيدي كل أبنائه، متجاوزين كل ما حفلت به سنوات الحرب من تعبئات خاطئة ومن مشاريع ضيقة.
وأخيراً لا بد من أن نوجه كلمة خاصة لمن يجتمعون في الرياض لمناقشة الأوضاع في اليمن، شمالاً وجنوباً: لستم بالتأكيد أفضل من أنجبتهم اليمن. ولكنكم اليوم أقدر على خدمة بلدكم من الآخرين، الذين لم تتح لهم الفرصة التاريخية التي أتيحت لكم. فالأقدار وضعتكم حيث أنتم. وبيدكم الآن، إن صدقتم النية وامتلكتم القرار وأحسنتم العمل، أن تؤدوا دوراً مؤثراً في رسم مصير شعبكم ووطنكم. فوجهوا بوصلتكم نحو اليمن، وتجاوزوا كل ما من شأنه أن يعمق الشرخ في بلدكم، بين مكوناته السياسية والاجتماعية. واعملوا على بناء دولة اليمنيين جميعهم، على أسس ثابتة يتوافق عليها كل اليمنيين. وسعوا دائرة اتصالاتكم وحواراتكم لتشمل كل المكونات اليمنية شمالاً وجنوباً دون استثناء، المسلحة منها وغير المسلحة، الحاكمة وغير الحاكمة. فكلنا يمنيون، واليمن يتسع لنا جميعاً. لا تحصروا أنفسكم في دائرة ضيقة، من دوائر المكونات اليمنية المتصارعة، التي قد لا يقبل بعضها بعضاً في الوقت الحالي. لأنكم إن فعلتم ذلك فسينتهي بالفشل كل جهد نتمنى أن تبذلوه. وإلى جانب ذلك ابذلوا جهودكم لتوصيل قناعة اليمنيين إلى إخوتهم في المملكة العربية السعودية، بأن لا خوف على المملكة، وغيرها من دول الجوار، من اليمن المستقر المتطور، بل الخوف عليها كل الخوف من يمن مضطرب منقسم، تسوده الفوضى والفقر والتخلف وانعدام الأمن والاستقرار. تتصارع في داخله قوى متعددة المشارب ومتعددة الولاءات الخارجية. ولن يلبث تأثير صراعاتها أن يتمدد إلى دول الجوار جميعها، طال الزمن أو قصر. فالدولة اليمنية الواحدة القوية المستقرة، ضمان لاستقرار المملكة ولاستقرار كل الأشقاء من حولنا، وأساس لبناء علاقات أخوية قائمة على الاحترام المتبادل وتنمية المصالح المشتركة، والتعاون في كل ما فيه خير للجميع، وتجنب كل ما من شأنه الإساءة إلى علاقات الجوار الطبيعية. ولا شك بأن تعامل دول الجوار مع دولة يمنية واحدة مستقرة، هو أسهل وأفضل وأكثر أماناً من التعامل مع مكونات مسلحة شتى، تتصارع فيما بينها، وتسبب الفوضى وعدم الاستقرار في بلدها والقلق الدائم لجيرانها. وضعوا نصب أعينكم، وأنتم تتدارسون أوضاع بلدكم، مختلف الاجتهادات ومشاريع الحلول التي صدرت عن دعاة السلام، بمختلف مسمياتهم، على مدى السنوات الطويلة الماضية. فستجدون فيها ما قد يساعدكم على وضع تصور عملي لخارطة طريق تفضي إلى إنقاذ اليمن مما هو فيه.
جماعة نداء السلام .
صنعاء، 9 يناير 2026م