صنعاء 19C امطار خفيفة

الجزيرة العربية سفينة واحدة

مدخل: رغم تعدّد محطات الخلاف في تاريخ اليمن، ظل اليمنيون -بحكم الجذور المشتركة والنسيج الاجتماعي المتقارب- أكثر تجانسًا في الهوية والثقافة والعادات والروابط القبلية والقومية. وفي المقابل، تبدو التركيبة القومية والعرقية والثقافية لدول التحالف التي تستهدف اليمن أكثر تباينًا من المجتمع اليمني المستهدف ذاته، وهي تتصارع اليوم بأدواتها المحلية فوق أرضه بصورة تهدد مستقبله ووحدته. لقد عرف اليمن صراعات داخلية عبر تاريخه، غير أنها لم تبلغ مستوى الخطر على المصير الوطني كما نشاهده اليوم؛ ما يبعث على التساؤل: هل هذا الصراع بين أطراف من التحالف -وهو في الأصل تحالف واحد- سبيل إلى تحقيق الأمن والاستقرار، أم أن الهدف تعميق الانقسام لتقاسمه وإطالة معاناة اليمن وأهله؟

دعوة إلى وحدة النهج وتغليب منطق الشراكة

في ظل التعقيدات الراهنة التي يمر بها المشهد اليمني، يتجلّى تنافس بين أطرافٍ تتحرك بدوافع سياسية متباينة ومغريات مالية مختلفة؛ فهناك من وجد نفسه ضمن دائرة التأثير بنهج سياسي معين في فضاء المصالح المرتبطة بأبوظبي، وتحمّل كلفة هذا الولاء مقابل مكاسب مالية، وآخرون يقعون ضمن دائرة التأثير المرتبط بالرياض بدوافع مماثلة، فيما تقف الأدوات الوطنية اليمنية بين هذين المسارين مثقلةً بوطأة الإنهاك وتقييد الإمكانات، وتحت ضغط واقعٍ سياسي وأمني واقتصادي معقد.
إن دول الجزيرة العربية -السعودية والإمارات وعُمان وقطر والبحرين والكويت- ومعها اليمن، تمضي جميعها على متن سفينةٍ واحدة هي الجزيرة العربية؛ وأمن هذه السفينة واستقرارها مسؤولية مشتركة لا يملك أحدٌ أن يغامر بها، فنجاتها مكسبٌ للجميع، أما تعرّضها للمخاطر -لا قدّر الله- فيطال الجميع دون استثناء.
وما نراه اليوم من توترات وصراعات على الساحة اليمنية لم يعد مجرّد تباين طبيعي في المصالح أو تنافس اقتصادي عابر، بل تحوّل -مع مرور الوقت- إلى مسارٍ يثقل كاهل اليمن وأهله، ويهدّد أمن واستقرار محيطه الخليجي والعربي، دون أن يكون لليمن نصيبٌ عادل من ثمار هذا الواقع أو نتائجه.
لقد أُنهكت مؤسسات دولة اليمن واقتصادها ومجتمعها، وتراجعت قدرة المواطن على العيش الكريم، في وقتٍ ماتزال فيه الأطراف المختلفة تتجاذب النفوذ داخل مسرحٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من الاستنزاف. ومن هنا، فإن مسؤولية الحكمة والتاريخ تستدعي وقفة جادّة وصادقة لإراحة اليمن، وإخراجه من دوامة الصراع، وتمكينه من استعادة عافيته ومؤسساته، والحفاظ على امنه واستقراره وحدوده ووحدته السياسية وتماسكه الاجتماعي وتكامله الاقتصادي.
إن المدخل الحقيقي لتعزيز الاستقرار المشترك بين دول وشعوب الجزيرة العربية يكمن في صون المصالح العليا للجميع، وتقريب المواقف، وتوحيد الأسس الاقتصادية والإنسانية والأخلاقية التي تُبنى عليها السياسات العامة، بما يمهّد لتوحيد الصف وتغليب منطق الشراكة والتكامل على منطق التنافس.

كلمة أخيرة

إن المسؤولية التاريخية تملي الدعوة إلى توحيد النهج السياسي بين دول الجزيرة العربية، بوصفه مدخلًا أساسيًا لبناء الثقة وتوحيد الصف، وهو الطريق الأمثل لتحقيق المكاسب المشتركة للجميع، وتعزيز أمن واستقرار الجزيرة العربية والمنطقة.
* دبلوماسي -سفير وبرلماني سابق

الكلمات الدلالية