حين تنبض الملاعب.. يعود الوطن
حين تنبض الملاعب من جديد، لا تعود كرة القدم وحدها إلى الحياة، بل يعود الوطن بكل ما فيه من دفءٍ وإنسانية، وتعود القلوب لتلتقي على بساطٍ أخضر لا يعرف الانقسام، حيث تتلاشى الفوارق وتعلو فقط أصوات الفرح، وهدير المدرجات، وكأنها لغة واحدة تمحو ضجيج الفرقة، وحالة التشرذم والانغلاق.
في المستطيل الأخضر، تتصافح المدن (صنعاء وعدن) و (المكلا وإب)، و ( تعز وأبين)، و (سيؤون والحديدة)، وتذوب الحدود التي رسمتها السنوات القاسية، لتبقى فقط روح المنافسة النبيلة والانتماء الأوسع لوطنٍ يتسع للجميع، وطنٌ أكثر قربًا، وأكثر حياة.
بعد أعوامٍ أثقلت فيها الحرب كاهل البلاد، تعود كرة القدم اليوم لتفتح نوافذ الفرح في اليمن، وتعيد إلى الملاعب نبض الحياة الذي غاب طويلًا، انها ليست مجرد مباريات رياضية وحسب، بل هي عودة للأمل، ورسالة بأن هذا الوطن ما زال قادرًا على النهوض رغم كل ما مرّ به.
تظل الرياضة عموما وكرة القدم على وجه التحديد المساحة الأجمل التي تركض على جنباتها قيم التسامح والمحبة والود بين أبناء الشعب اليمني، فهي اللغة التي يفهمها الجميع دون ترجمان، والراية التي تلتف حولها القلوب مهما اختلفت الاتجاهات.
وحين فرّقت السياسة أبناء هذا الوطن الصابر جمعتهم الرياضة، وحين أغلقت الحرب كثيرًا من الأبواب، فتحت الملاعب أبواب اللقاء من جديد، وهدّمت جدران القطيعة بهدفٍ وابتسامة وتصفيق.
فكم هو جميل أن تنتقل أندية عدن، التلال والوحدة والشعلة، لتلعب في صنعاء، وأن تأتي أندية الأهلي واليرموك والعروبة إلى عدن، في مشهد يؤكد أن اليمن أكبر من الخلافات، وأوسع من الانقسامات، وأبقى من كل الأزمات.
يمكن القول إن الرياضة اليوم أعادت شيئًا من اللحمة الوطنية، وأغلقت فصلًا طويلًا من التشرذم لتبدأ صفحة جديدة عنوانها التلاقي، وروحها المنافسة الشريفة، وحبرها فرحة الجماهير.
وهكذا، حين تنبض الملاعب، لا يعود الوطن فقط، بل يتجدّد، أقوى، وأقرب إلى صورته التي نحلم بها جميعًا.
