عارُ الرجل "نزوة".. وعارُ المرأة "فناء"
تُصنَّف المرأة -أيًا كان وضعها الاجتماعي، سواء كانت في مقتبل العمر، أو متزوجة، أو منفصلة- بمجرد خروجها عن الأطر السلوكية التي رسمها المجتمع، على أنها ارتكبت "جرمًا وجوديًا" يستوجب الإقصاء أو التصفية الجسدية (القتل). وهنا يكمن التناقض الأشد إيلامًا؛ إذ إن القتل الذي نتحدث عنه ليس تطبيقًا لتشريعات سماوية أو حدودٍ شرعية منضبطة، بل هو تغولٌ تفرضه "العادات والتقاليد" الموروثة التي استبدلت روح العدالة بشهوة الانتقام.
بناءً على ذلك، أضحت هذه التقاليد في واقع الأمر "شرعًا موازيًا" ومنفصلًا تمامًا عن المقاصد الدينية السامية، تفصل بينهما وديانٌ من الجهل والتعصب؛ والشواهد على هذا الانفصال كثيرة، حيث يُرفع "العُرف" فوق "النص الأخلاقي"، مما يشير بوضوح إلى أننا نعيش تحت وطأة بدعةٍ اجتماعية تُشرعن سفك الدماء بذريعة الحفاظ على الكرامة، بينما هي في جوهرها انتهاكٌ لكل القيم الإنسانية.
وعلاوة على ذلك، بمجرد توجيه الاتهام للمرأة، تُحوَّل فورًا من كائن إنساني له حقوق إلى "أداة تلطيخ" لسمعة العائلة بأكملها؛ فتُوصم سمعة الأب والأم والإخوة بظلالٍ قاتمة لا تمحى. ومن هنا، تصبح المرأة منبوذة ومهمشة، وتُجرد من انتماءاتها الفطرية. وفي حالات نادرة -حين يخفّ التعصب قليلًا- قد تُترك لتعيش "موتًا اجتماعيًا" بطيئًا؛ بيد أن الأغلبية الساحقة من هذه القضايا تنتهي بطريقة مأساوية، إذ يبادر الرجل إلى استخدام العنف فورًا كحلٍ وحيد لغسل ما يسميه "العار"، دون أدنى محاولة للفهم أو الاستقصاء.
إن الجانب الأكثر خطورة في هذه الظاهرة يتمثل في غياب القرينة المادية؛ حيث يتم الإعدام المعنوي أو المادي دون أدنى دليل ملموس، بل يكفي أن يصل إلى الرجل "خبرٌ عابر" أو "وشايةٌ مغرضة" لتتحول الشبهة إلى إدانة قطعية. إنها عملية حكمٍ تعسفي تُبنى على الشك والظن، وتُبرَّر بكلمة "الشرف"، ليصبح الأخير مجرد ذريعة لتكريس التسلط الذكوري العنيف الذي يقتات على إضعاف المرأة وترهيبها.
وعلى المقلب الآخر، نصل إلى ذروة الازدواجية الأخلاقية المتمثلة في "الحصانة المطلقة" للرجل؛ فلو ارتكب الرجل الفعل ذاته، فإن كل هذه الحدود والأعراف تتبخر فجأة. فلا يُقام عليه حد، ولا ينبذه المجتمع، ولا تجرؤ البيئة المحيطة على محاسبته. بل والأدهى من ذلك، أن المجتمع قد ينظر إلى تجاوزات الرجل كنوع من "النزوة العابرة" أو "دليل الفتوة"، مما يخلق فجوة أخلاقية سحيقة تجعل من "الشرف" مفهومًا انتقائيًا يُطبق بصرامة على الضعيف ويُستثنى منه القوي.
إضافة إلى ما سبق، يجب أن ندرك أن هذه القضية ليست مجرد حوادث فردية، بل هي نتاج "ثقافة مجتمعية" متجذرة تعيد إنتاج نفسها عبر التربية والتعليم والإعلام. إنها ثقافة تحصر قيمة المرأة في حيز بيولوجي ضيق، وتتجاهل كيانها كعقل وروح ومساهم في بناء المجتمع. ونتيجة لذلك، يظل السؤال الجوهري قائمًا: لماذا تُطبَّق كل هذه الأعراف القاتلة على المرأة وحدها؟ ولماذا تتحمل هي وحدها العبء الأكبر من مفهوم "الشرف" الذي يسقط عند عتبة الرجل وينهض كالسيف فوق رقبتها؟
إن هذا التباين يكشف حقيقة سوسيولوجية صادمة: وهي أن "الشرف" في هذا السياق ليس فضيلة، بل هو أداة سياسية واجتماعية لضبط التوازنات داخل البنية القبلية والذكورية؛ حيث تُعاقب المرأة لا لأنها أخطأت فحسب، بل لأنها تجرأت على كسر "تابوهات" السيطرة. هل التفسير الوحيد لكل هذا التوحش هو مجرد الفوارق النوعية؟ إن هذا السؤال يختصر قرونًا من القمع الفكري الذي غلف الجهل برداء القداسة.
ختامًا، إنّ تحرير مفهوم "الشرف" من مخالب الأعراف القاتلة، وإعادته إلى سياقه الأخلاقي والقانوني العادل الذي ينظر إلى الإنسان بصفته قيمة عليا، هو الخطوة الأولى لإنقاذ مجتمع يغرق في تناقضاته. فمادام الدم يُراق بالظن، وما دام المجتمع يمارس "السكوت المتواطئ" مع القاتل، ستبقى العدالة عرجاء، وسيبقى "الشرف" مجرد نصلٍ مغروس في خاصرة الإنسانية، وفي قلب المرأة على وجه الخصوص.
