الرياضة بين الدولة والمجتمع.. طريق التعافي الحقيقي
حتى في الفترات التي كانت فيها الدولة قائمة، ظلت بلادنا تتذيل -تقريبًا- ترتيب الدول العربية في سلم التطور الرياضي، وهذا لم يكن صدفة، بل نتيجة لغياب الفهم الحقيقي لماهية الرياضة ودورها. فبينما تنص القوانين واللوائح على أن الرياضة نشاط مجتمعي أهلي ترعاه الدولة، جاء الواقع مغايرًا تمامًا، حيث تدخلت الدولة في صميم العمل الرياضي، وأصبحت تمارس هذا الدور بشكل مباشر.
هذا التدخل ظهر في التعيينات داخل الأندية، والتأثير على الانتخابات في الأندية وفي الاتحادات وباقي الهيئات الرياضية، بل وتوجيهها أحيانًا لخدمة توجهات حزبية، ما حول الرياضة من فضاء مجتمعي إبداعي إلى ساحة صراع سياسي، أفقدها جوهرها ورسالتها.
الحقيقة أن تدخل السياسة في مجالات الإبداع المجتمعي يفسدها، سواء في الرياضة أو الفن أو التجارة. الدور الطبيعي للدولة يجب أن يقتصر على تطبيق القانون، وتحقيق تكافؤ الفرص، وحماية الحقوق، دون أن تنازع المجتمع أدواره أو تصادر مبادراته.
نشأت الرياضة في اليمن، وتحديدًا في عدن، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كنشاط أهلي خالص. ورغم تأثرها بالوجود البريطاني آنذاك، إلا أنها احتفظت باستقلاليتها، ولم تعتمد على أي سلطة في التمويل أو الإدارة. كانت الأندية تقوم بجهود تطوعية، وتعتمد على اشتراكات أعضائها، حتى تطورت وأصبح بعضها يمول نفسه من عائدات المباريات، بل ويسافر خارج البلاد أو يستضيف فرقًا تأتيه من الخارج بجهوده الخاصة.
هذه التجربة شكلت قاعدة قوية لرياضة مستقلة قائمة على المجتمع، وكان يمكن البناء عليها، لكن النظامين الشموليين في صنعاء وعدن سعيا لاستغلال الرياضة لخدمة المشروع السياسي، فأصبحت أداة تنتظر الدعم الحكومي، الذي يديره البعض بعقلية "من تولى على بيضة أكل منها"، في ظل ابتعاد رجال المال والأعمال عن المشهد تجنبًا لصراعات السياسة.
اليوم، لا يمكن للرياضة أن تستعيد عافيتها ما لم تستعد هويتها الأهلية. الأندية الرياضية في جوهرها مبادرة مجتمعية، ينشئها الناس ويحتضنونها، وتكون الأندية بيئة آمنة للشباب لصقل المواهب وبناء القيم، من الفئات السنية وحتى الفرق الأولى التي تمثل الأندية قبل أن تمثل الوطن.
أما دور الدولة فيجب أن يُعاد تعريفه بوضوح عبر مرحلتين: الأولى: سنّ تشريعات ولوائح تضمن استقلالية العمل الرياضي وتعزز طابعه الأهلي. والثانية: تطبيق هذه القوانين بشكل صارم، بما يحقق أهداف الرياضة الاجتماعية والتنافسية، وصولًا إلى الاحتراف.
رغم ابتهاجات انطلاق الدوري وعودة بطولة كأس الجمهورية، أكتب عن همّ أراه أهم من مجرد إشادة واجبة بعودة المنافسات، وأعتقد أننا بحاجة، بعد الدولة والأمن والاستقرار، إلى قوانين واضحة تحدد ماهية الرياضة، وترسم العلاقة الصحيحة بين الحكومة والرياضة، وتخلق بيئة نظيفة تجذب الجميع كمحبين للرياضة، لا كمسؤولين يبحثون عن مكاسب سياسية أو شخصية.
