السبت 17 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • تعز المحافظة التي نفخت روح ثورة 14 أكتوبر في جنوب اليمن

تعز المحافظة التي نفخت روح ثورة 14 أكتوبر في جنوب اليمن

في معسكر صالة التدريبي، على سفوح جبل صبر، حيث تتشابك الصخور مع الغيم وتتعانق الأرض بالسماء، هناك انطلقت أول رصاصة ثائرة في مسار ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963م.

Signal ٢٠٢٦ ١٠ ١٤ ١٦ ٥٧ ١٦ ١٠٠
تعز

في ذلك المعسكر الذي لم يكن سوى حلمٍ مؤجلٍ تحوّل فعلاً إلى واقع مسلح، تدرب فيه أول فدائي، وتشكلت فيه أول كتيبة قتال، وخرجت منه أول قطعة سلاح ثائرة. لم تكن رصاصة التدريب في جبل صبر صوتاً عابراً في فراغ، بل كانت فجراً تحوّل إلى فعل ثوري صادق في جبال ردفان، حين استقرت في صدر المحتل البريطاني، لتصبح شهادة ميلاد ثورة لن تموت.

لم تكن تعز يومها مجرد محافظة شمالية تطل على جنوب اليمن، بل كانت الرحم الذي وُلدت فيه الثورة، واليد التي أمسكت الزناد أول مرة، والقدم التي مشت عليه أول خطوات الثورة في طريق التحرير.

ليس في وسع من يكتب تاريخ ثورة أكتوبر، أو يقصّه للأجيال القادمة، أن يبدأ الحكاية من خارج تعز أو بدونها. فهذه المدينة التي كانت حاضرة مؤسسة ثائرة في ثورة 26 سبتمبر، كانت حاضرة على كل المستويات في ثورة 14 أكتوبر، سياسياً وجماهيرياً وعسكرياً، حتى غدت ذاكرتها الأولى وضميرها المتقدم. نعم، البداية كانت هنا في تعز، في هذه المدينة التي لا تشبه غيرها حين يتعلق الأمر في الحديث عن الثورة.

في بداية الخمسينات من القرن الماضي، وفي القاهرة، حيث كان الطلاب اليمنيون ينهلون من مناهل العلم والثورة معاً، كان ابن تعز سلطان أحمد عمر ورفيق دربه ابن محافظة لحج فيصل عبداللطيف الشعبي طالبين يتحركان في أروقة الجامعة وأزقة العاصمة المصرية. هناك، في ذلك المناخ الذي كان يغلي بالأفكار القومية والتحررية، قررت حركة القوميين العرب، أن تستقطبهما إلى صفوفها. كان سلطان أحمد عمر أول من انتمى سياسياً للحركة، وكان فيصل عبداللطيف الشعبي رفيق دربه في هذا الانتماء الأول.

كان ذلك اللقاء بين تعز ولحج، بين الشمال والجنوب، على أرض القاهرة، بذرة ستمتد جذورها لتصبح ثورة مسلحة في اليمن.

وعندما قررت الحركة أن تؤسس فرعاً لها، كانت تعز هي مهبط الخلية الأولى التي تأسست عام 1959م، في نفس التاريخ الذي تأسست فيه خلية الحركة في الشيخ عثمان. توأمة ثورية بين تعز وعدن، بين البر والبحر، بين الجبل والميناء.

وعلى نفس المنوال عندما قررت حركة القوميين العرب أن تواجه قوات الاستعمار البريطاني وجهاً لوجه، كانت تعز هي المكان الذي هبط فيه وحي الثورة المسلحة. والقيادة الحركية كانت هنا في تعز: عبدالحافظ قائد، وعبد القادر سعيد، وسلطان أحمد عمر، أبناء تعز الثلاثة، يقودون فرع الحركة في الشمال و يخططون للثورة في الجنوب. يومها كانت تعز هي القاعدة السياسية والجماهيرية لحركة القوميين العرب وللحركة الوطنية عموماً. منها تُبث الأفكار، وفيها تُعقد اللقاءات السياسية، وعلى أرضها تُرسم الخرائط الوطنية والخطط الثورية.

وفي لحظة فارقة، عندما قررت حركة القوميين العرب أن تنقل الثورة من الفكر إلى الفعل، من التنظير إلى الرصاص، كانت القيادة في تعز، عبدالحافظ قائد وعبد القادر سعيد، كانوا رأس الحربة في هذا التحول التاريخي. هم من دعوا أبناء الجنوب المتواجدين في شمال اليمن، أولئك الذين جاؤوا للدفاع عن ثورة سبتمبر، ليكونوا نواة الثورة القادمة. هم من نسقوا وأشرفوا على أول لقاء عُقد لأبناء جنوب اليمن في صنعاء برئاسة قحطان محمد الشعبي.

في ذلك الاجتماع، حيث تراصفت الوجوه الجنوبية وارتفعت الأصوات، حسم الإنفاق على خيار الكفاح المسلح، وضرورة تشكيل جبهة مسلحة. وهناك، بين أنفاس الحاضرين ووعودهم، تولى ابن تعز سلطان أحمد عمر كتابة ميثاق الجبهة ودستورها، فكان القلم في يده امتداداً للبندقية التي ستُطلق لاحقاً لتستقر في ردفان.

في التاسع عشر من أغسطس 1963م، وبعد أن وسّعت قيادة الحركة في تعز نطاق التواصل، عُقد الاجتماع الثاني في تعز، في منطقة الأعبوس. سبع فصائل جنوبية اجتمعت هناك، تحت سماء تعز، وفي حضنها الثوري. في ذلك الاجتماع تم حسم التشكيل النهائي للكيان الثوري تحت مسمى الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، برئاسة قحطان الشعبي. وكان من أبرز الحاضرين ابن تعز المناضل عبدالفتاح إسماعيل، ( الذي سيتولى لاحقاً قيادة فدائيي جبهة عدن حتى تحقيق الاستقلال الوطني) بعد هذا الإجتماع خرج فيصل الشعبي مسؤول حركة القوميين العرب في الجنوب في تصريح اعلامي يبارك فيه خطوات حركة القوميين العرب في الشمال.

تعز لم تكن تحتضن اجتماع الثورة فحسب، بل كانت تصنع القادة وتؤسس الجبهات وترسم مصير الجنوب.

بعد تشكيل الجبهة القومية، كانت تعز جسر العبور الثوري المسلح إلى جنوب اليمن. لم تكن مدينة سياسية فحسب، بل كانت الفكرة والقاعدة والمدد والإمداد. فيها كان التأسيس، ومنها زحف الجنوبيون بسلاحهم إلى الجنوب، وفي مقدمتهم الشيخ غالب بن راجح لبوزة. وليس ذلك فحسب، بل كانت تعز أكبر المحافظات الشمالية التي مدت ثورة أكتوبر بالعديد من المقاتلين، شباباً تركوا بيوتهم وحملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا جنوباً ليقاتلوا معركة ليست لهم وحدهم، بل لكل اليمن.

في تعز، عقدت الجبهة القومية أول مؤتمر عام لتقييم مسيرة الثورة المسلحة. في ذلك المؤتمر، حيث اجتمع الثوار ليحصوا ما تحقق ويرسموا ما تبقى، تم صياغة مشروع الثورة وأهدافها وشكل مستقبلها السياسي والاجتماعي في جنوب اليمن.

كان هذا المؤتمر الذي عقد في مدينة تعز بمثابة العقل السياسي الحزبي الذي يفكر للثورة، بينما كانت البنادق في عدن وردفان تكتب فصولها بالدم الطاهر.

تعز ليست جغرافية مخلوقة من طين وماء. تعز فكرة وطنية تحررية خلقت من روح الثورة وضمير الحرية ووجدان الإنسان. لهذا تقاوم دائماً، وتقاتل دائماً كل أشكال الظلام وتعبيرات الهمجية.

في تعز ظل القلب ينبض بثورة أكتوبر، وفيها ستبقى الذاكرة حية، تروي للأجيال أن الجنوب لم يتحرر من فراغ، بل من رحم تعز، من جبل صبر، من معسكر صالة، من أول فدائي قاده فتاح، وأول طلقة في معسكر التدريب، وأول حلم صدرته تعز الثائرة.