الوحش يلتهم ذاته
استشاط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غضبًا فور الإعلان عن جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي مُنحت للقاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، الجنوب أفريقية نافي بيلاي، واصفًا القرار بأنه "مشين ومخزٍ ووصمة عار على دولة النرويج"، وقال: "ينبغي للولايات المتحدة التي أمثّلها أن تنال الجائزة".
ترامب كان يمني النفس بالحصول على الجائزة على غرار سلفه باراك أوباما، مدعيًا أنه أوقف حروبًا عدة. ولأول مرة، يخرق ترامب الأعراف الدبلوماسية ويظهر علنًا ليقول للعالم إنه يستحقها، الأمر الذي أثار سخرية وتندر الكثيرين، دون أن يجد هو أية غضاضة في ذلك.
وبما أن القاضية بيلاي كانت ضمن فريق عمل المحكمة الجنائية الدولية، فقد نالت نصيبها من الهجوم. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال في بيان: "لن يسمح الرئيس ترامب أبدًا للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أمريكيين"، وأضاف: "لهذا السبب، تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، إذ سنحظر التعاملات مع هذه المحكمة المارقة، ونقطع عنها الموارد ونشل قدرتها على العمل". وأردف أن العقوبات وُضعت لإعطاء المحكمة والدول الأعضاء فيها فرصة لمعالجة المخاوف الأمريكية.
وكانت واشنطن قد فرضت سابقًا عقوبات على مدّعين وقضاة في المحكمة، لكن العقوبات المعلنة مؤخرًا قد تطال الشركات التي تقدم خدمات للمحكمة نفسها، بحسب وكالة رويترز.
قرار واشنطن لقي ترحيبًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه على خلفية الحرب في قطاع غزة.
في المقابل، أعرب الاتحاد الأوروبي في بيان عن أسفه لفرض الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة، مؤكدًا أنه سيعمل بشكل وثيق معها لضمان استمرارها في العمل بفعالية، والتزامه بالعمل مع جميع الدول الأطراف في نظام روما الأساسي للحفاظ على استقلاليتها. كما اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن العقوبات الأمريكية "ضربة قاسية" للعدالة الدولية.
ما تقوم به واشنطن لا يعني سوى شيء واحد: إخضاع المحكمة لشروطها وإملاءاتها، وما دون ذلك فهي "محكمة مارقة". منطق القوة والتنمر الذي تبديه الإدارة الأمريكية تجاه الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة جعلها في مواجهة مع العالم، الذي هو اليوم بأمس الحاجة لتحقيق العدالة وإقرار المساءلة القانونية لأي عمل يمس حقوق الإنسان ويهدد كرامته، ومحاسبة من يرتكب أعمالًا تصنف كجرائم حرب، كما هو الحال في غزة.
المدلول الهام لهذا النهج يؤكد عبثية السياسة الأمريكية في تعاملها مع الهيئات الدولية ومنطقها الملتوي الخارج عن الإجماع الدولي. وكأن أمريكا اليوم تقول للعالم: "أنا لدي قانوني الخاص، ولست ملزمة بأي قرار من أية جهة، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا عندما أحتاج ذلك، بل يجب معاقبة الدولة التي حجبت جائزة نوبل عن رئيسنا". هكذا يفكر العقل اليميني المتطرف الحاكم في واشنطن، الذي يستمر في إدارة الأزمات والحروب ليجني ثمارها. وكما قال هنري كيسنجر: "أن تكون عدوًا لأمريكا أمر خطير، وأن تكون صديقًا لها أمر قاتل".
مقولة "الوحش قادر على التهام ذاته عندما تستبد به القوة"، التي أطلقها المحلل السياسي الأمريكي جون أيكنبيري على الولايات المتحدة، ما زالت ماثلة اليوم. انظروا لما يفعله الرئيس الشعبوي ترامب وستعرفون.. والأيام حبلى بالمزيد، انتظروا فقط.



