تعز: زمن السلطة المهدور وخطيئة التأجيل
من يدفع تكلفة الأعوام المهملة؟
تستمر المعارك منذ ما يقارب ثلاثة أشهر، وتتراوح كثافة نيرانها في الجغرافيا الممتدة لمدينة تعز، من سواحلها الغربية حتى مركزها وريفها. تدفع المدينة اليوم، بأكثر لغات التضحية كثافة، الكثير من دماء أبنائها ونسائها وأطفالها، وهي تواجه التوغل الحوثي في جغرافيتها، امتدادًا من أقصى الشمال باتجاهها.
تعرف تعز تكلفة الموقف وتدفعها بابتسامة نضال تاريخي، إلا أن التاريخ يجب ألا يحاسب الجميع بالكلفة نفسها؛ ذلك أن بعضهم كان يملك أن يستعد قبل اللحظة، وبعضهم لا يملك إلا أن يدخلها حين تقع.
تدفع اليمن عمومًا، وتعز خصوصًا، تكلفة الشهر الثالث من معارك لم تغادر محيطها، بل توغلت في أطرافها وريفها. يقاوم المجتمع طوفان جائحة اجتماعية ممتدة من جغرافيته المنهوبة وعاصمته، لتلتهم باقي جغرافيته كما فعلت في 2015. إلا أن الفارق أن المجتمع في 2015 لم يعد هو المجتمع نفسه اليوم، ماديًا واجتماعيًا ونفسيًا؛ فقد أفقدته سنوات الحرب القدرة على الاحتمال، وشيئًا من الإيمان بأن القادم يمكن احتماله أو تغييره. إن استحضار تلك الروح خطابًا وممارسة من قبل السلطة السياسية، لا المجتمع، في تجاهل للاعتبارات المتغيرة بمرور الزمن، يعبر عن مشكلة أساسية في طريقة إدارة المعركة وتشكيل مساراتها؛ ذلك أن روح الإنسان لا تعمل خارج جسده وتاريخه.
إنه مجتمع مثقل بأعباء أحد عشر عامًا من تداعيات الحرب وفشل السلطة؛ قد تعود الرغبة في المقاومة، وقد يعود الغضب والتماسك المؤقت، لكن الإنسان الذي عاش أكثر من عقد من الحرب ليس هو الإنسان نفسه الذي دخلها في بدايتها. وعجز السلطة ممتد إلى اللحظة، دون تحقيق فارق في أدائها.
يدفع المجتمع اليوم تكلفة حرب ومعركة لم تهيئ السلطة قواهما للاستعداد للحظة، رغم حتميتها المعروفة مسبقًا. تدفع تعز التكلفة، مع أن جزءًا كبيرًا من هذه التضحية كان يمكن تخفيفه لو أُخذت المسؤولية قبل وصول اللحظة؛ إذ يُفترض بالسلطة، وفق وظيفة اشتغالها وغاية وجودها السياسي والعسكري، أن تعمل بمنطق الاستعداد المسبق والتقدير المبكر، وإعداد المؤسسات، وتوحيد القرار السياسي، وبناء القدرة العسكرية وتوجيهها.
إن كل لحظة تأجيل في زمن الاستعداد قد تتحول، حين تأتي اللحظة، إلى دم يدفعه شخص آخر. وأمام كل تأجيل مسبق، بوعي أو بدونه، يدفع الشباب اليوم دماءهم ثمنًا له.
فمن يتحمل المسؤولية المسبقة أمام خطر كان معروفًا؟ ولماذا تُركت كلفة المواجهة حتى يدفعها الناس بأعلى صورة ممكنة؟ إن الشجاعة التي يظهرها الناس في لحظة الخطر لا تعفي المسؤولين من سؤال رئيسي: لماذا احتجنا إلى كل هذه الشجاعة أصلًا، بينما كان جزء من واجب الدولة والسلطة أن تستعد لهذه اللحظة قبل أن تأتي؟
تعمل السلطة بمنطق اشتغال يناقض الواقع ومتطلباته، وانفصلت بوجودها وقيادتها عنه، ويدفع المجتمع تكلفة ذلك نارًا ودمًا. لا تدرك السلطة أن ما كان مقبولًا كاستثناء في 2015 لم يعد يمتلك مبررات وجوده في هذه اللحظة؛ فالسلطة التي غابت عن جغرافيتها سابقًا كانت تخضع لاعتبارات عسكرية وسياسية تختلف عن اعتبارات اللحظة الراهنة، التي تستدعي تغيرًا في طبيعة سياساتها وخطابها وأدائها، أي في منظومة أدائها السلطوي سياسيًا وعسكريًا.
قدمت السلطة، في مراحل صراعها، خطاب الخلاص الذي تلاشى في مراحل مختلفة، لكنها تعود اليوم إلى الدفع بالخطاب ذاته بصوت عالٍ، بهدف كسب ثقة المجتمع وإيمانه والتفاهم حوله، بل وتمتد بخطابها إلى مناطق سيطرة الحوثي، بينما يعمل الحوثي على نفي ذلك وخلق النقيض المجتمعي في المناطق التي تسعى السلطة إلى كسب ثقتها، سعيًا إلى إحداث قطيعة بين المجتمع وسلطته، والتغلغل من خلال فراغاتها.
يدخل المجتمع شهره الثالث من المواجهة محمّلًا بأعباء عقد من الاستنزاف المعنوي والمادي، أثقلت إمكاناته. ويدفع الحوثي بتشكيلاته تجاه المجتمع سعيًا إلى إحداث اختراق، مدركًا أن المجتمع لم يعد يمتلك ما يكفي من القدرة الاقتصادية والاجتماعية التي تسمح له بالمقاومة لفترات طويلة، في الوقت الذي ترتكز فيه السلطة، في مواجهته، إلى سياسات الماضي، بالاتكاء على المقاومة المجتمعية الرافضة للحوثيين بوصفهم حالة سياسية غير قابلة للتعايش.
وبعد أن أطلقت السلطة ساعة الصفر وعملية «فجر اليمن» العسكرية، التي أعلنت بدء استعادة كامل الجغرافيا اليمنية من يد الحوثيين، لا تزال المعركة في تعز على حالها، ولا يزال الحوثي يستخدم كثافة نيرانه وقواته بالضغط ذاته لإسقاط المدينة، ساعيًا بذلك إلى إسقاط رمزية السلطة الجمهورية وجدارها الأخير.
وعلى الرغم من الزخم الذي اكتسبته تلك العملية العسكرية، يبدو أن السلطة تعمل خارج أولويات اليمنيين منذ انطلاقها؛ فقد كثفت نيرانها ووجهت قواتها باتجاه الساحل لاستعادة المناطق التي سيطر الحوثيون عليها في باب المندب، في الوقت الذي يطلق فيه الحوثي نيرانه على مداخل مدينة تعز، ويطبق عليها، بينما تفقد السلطة السيطرة على الحجرية بما فيها التربة، بمرتفعاتها الاستراتيجية وثقلها السكاني وحاضنتها الجمهورية.
عمل الحوثيون على تركيز نيرانهم نحو تلك المناطق التي أسقطوها، ويسكنها أكثر من مليون ونصف مواطن، ليطبقوا بنيرانهم على ما يقارب خمسة ملايين نسمة، ويطلقوا نيرانهم على مداخل مدينة تهملها السلطة في حساباتها السياسية والعسكرية، وتفتقد فيها أولويات المجتمع وحساباته. وفي المقابل، تتجه قوات السلطة للعمل وفق أولويات الإقليم ومتطلباته، فتفقد بذلك ثقة المجتمع كله وإيمانه بها ومشروعية وجودها.
إن اللحظة الراهنة تمثل مفصلًا تاريخيًا يحدد مسارات عقود طويلة من مستقبل اليمنيين. فطريقة إدارة الحرب، وتحديد الهدف السياسي والعسكري منها، وشكل السلطة التي ستتشكل عنها، هي التي قد تحدد لعقود شكل اليمن وسلطته وجغرافيته.
وإذا كانت هذه لحظة ستعيد تشكيل الدولة لعقود، فلماذا لا تتحرك السلطة والدولة والمجتمع السياسي بعقلية اللحظة التأسيسية؟ يدخل البلد مفصلًا تاريخيًا كبيرًا بأدوات دولة ومجتمع استُنزفت خلال أحد عشر عامًا، بينما لا تبدو طريقة إدارة اللحظة بمستوى خطورتها، وإن بدا خطابها كذلك. وتعكس سياسات السلطة الفجوة بين حجم اللحظة والمسؤولية التي تقابلها؛ فهل تتحول التضحيات الجديدة أخيرًا إلى بناء دولة قادرة على ألا تعيد إنتاج المأساة، أم إلى تكرارها؟
ماذا كان يمكن فعله قبل اللحظة؟ ومن كان يملك مسؤولية فعله؟ ماذا يعني أن نصل إلى اللحظة نفسها التي كنا فيها عام 2015، نبحث عن ممرات آمنة للمدينة وريفها، بعد أحد عشر عامًا من الاستنزاف؟ ومن يدفع الآن ثمن ما لم يُنجز حين كان إنجازه أقل كلفة؟



