أمن عدن يمر بالحجرية
لم تعد معركة الحجرية شأنًا يخص تعز وحدها. ففي الأيام الماضية شن الحـ..وثيون هجمات متزامنة على جبهات المحافظة، امتدت في الحجرية من الوازعية والمعافر والمواسط إلى الشمايتين وسامع والصلو، وتقدموا في بعض المناطق بعد معارك وُصفت بأنها الأعنف منذ سنوات. وفي الأيام نفسها كانت القوات الحكومية تخوض عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي، ثم استُهدف مطار عدن الدولي في الساعات الأولى من يوم الأربعاء 7 أكتوبر بصاروخين باليستيين وطائرات مسيّرة. وهذه الأحداث، وإن بدت متفرقة على خريطة واسعة، حلقات في مشهد واحد تقع الحجرية في وسطه.
وتكتسب الحجرية أهميتها أولًا من موقعها، فهي المساحة التي تتصل فيها تعز بالجنوب والساحل الغربي. واستقرارها يحمي أبناءها، ويحمي معهم طرق الحركة والاتصال، ويحد من قدرة الحوثيين على توسيع دائرة الضغط باتجاه الجنوب.
ويتضح ذلك حين ننظر إلى الطريق. فطريق التربة–عدن أحد أهم الشرايين التي تصل مدينة تعز بالجنوب، وعبره تمر حركة الناس والبضائع والإمداد. وتهديد الحجرية يعني تهديد هذا الطريق، أي إحكام الحصار على تعز من جديد، ووصول الحوثيين إلى مشارف لحج، على مسافة قريبة من عدن.
غير أن ما يربط الحجرية بعدن أقدم من الحسابات العسكرية. فقد ظلت عدن لعقود وجهة أبنائها للعمل والتجارة والتعليم، وفي كثير من بيوتها اليوم أسر تعود جذورها إلى قرى الحجرية. وللمنطقة مكانة في التاريخ الوطني، ارتبط اسمها فيه بمقاومة الإمامة وبناء الجمهورية؛ فمن أبنائها الأستاذ أحمد محمد نعمان، والشيخ عبدالله علي الحكيمي، والشهيد عبدالرقيب عبدالوهاب، ومحمد علي عثمان، وأحمد سيف الشرجبي، وغيرهم ممن تركوا أثرهم في تاريخ اليمن السياسي والعسكري والثقافي. وهذا الإرث يذكّر أبناء الحجرية بأن محنتهم الراهنة لا تنتقص من مكانتهم، وأنهم قادرون على تجاوزها والحفاظ على تماسكهم ومواصلة دورهم في حماية تعز وأمن اليمن.
وفي هذا السياق تبرز أهمية «فجر اليمن». فالعملية تجري في الساحل الغربي بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات تعز، وهذا التزامن فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين جبهات الساحل وتعز، كي تتكامل أدوارها بدل أن تعمل كل جبهة بمعزل عن الأخرى.
والمطلوب تكامل المسؤوليات، لا أن تحل قوة محل أخرى: ألا تشعر تعز بأن أرضها تُدار من خارجها، وألا يشعر الجنوب بأن أمنه معلق على جبهة لا يعرف عنها شيئًا. فإذا كانت حماية الساحل تحتاج إلى تأمين عمقه، فإن حماية الجنوب تحتاج كذلك إلى تأمين المناطق والطرق التي تربطه بتعز والساحل.
وفي المقابل، يتحمل محور تعز مسؤولية أساسية في هذه المرحلة. فلديه قوات وخبرة طويلة في مواجهة الحوثيين، وعليه أن يحافظ على المبادرة في جبهاته، وأن ينسق مع بقية القوات الحكومية، وأن يجعل قدراته المحلية عنصرًا فاعلًا في المعركة العامة، لا قوة تنتظر أن يأتيها الحل من خارجها.
والمعركة تُحسم في نفوس الناس كما تُحسم في الميدان. فقد تركت التطورات الأخيرة شعورًا بالإحباط لدى كثير من أبناء تعز، خصوصًا مع اقتراب المواجهات من قراهم. والمواطن لا يقيس الحرب بالخرائط والبيانات، وإنما بما يراه حوله من أمن أو خوف، ومن حركة أو حصار، ومن قدرة على حماية أهله وممتلكاته.
ولهذا فإن استعادة الثقة تحتاج إلى نتائج يلمسها الناس أكثر مما تحتاج إلى خطابات: حضور عسكري واضح، وتنسيق بين الجبهات، ومعلومات دقيقة، وشعور لدى المواطن بأن محافظته حاضرة في حسابات المعركة.
وأبناء تعز في الوقت نفسه مطالبون بالحفاظ على تماسكهم. من حقهم أن يطالبوا بالدعم، وأن ينتقدوا أوجه القصور، وأن يسألوا عن أسباب التراجع في بعض الجبهات؛ لكن تحويل الإحباط إلى انقسام داخلي لن يخدم أحدًا غير الحوثيين. وما تحتاجه المرحلة وعي يحفظ وحدة الصف، وقيادة تدرك أن المعركة لا تُدار بجبهات منفصلة.
ويأتي استهداف مطار عدن ليؤكد أن الحوثيين يعدّون الجنوب هدفًا، وأن صواريخهم تصل إليه من بعيد. فإذا أُضيف إلى تهديد الجو تهديدٌ بري عبر الحجرية، صار الخطر أقرب وأثقل. فأمن عدن يمر بعمق يمتد من تعز والحجرية إلى الساحل.
لقد حمل الطريق بين الحجرية وعدن أبناءها لعقود إلى أسواقها ومدارسها وموانئها، وعاد بهم وبأرزاقهم إلى قراهم. وهو اليوم أكثر من طريق، إنه أحد خطوط الدفاع الأولى عن عدن نفسها. وحين يدرك الجنوب ذلك، وتنهض تعز بمسؤوليتها، ويحفظ أبناء الحجرية تماسكهم، تصبح هذه المحنة بداية لتنسيق طال انتظاره، لا مقدمة لخسارة أكبر.
*أستاذ الإعلام



