ولد الهدى

تطل علينا، على دنيا البشر، ذكرى عظيمة، ما رأى الدهر لها في دنيا البشر مثيلًا. والبشر باتوا أصنافًا شتى، وعوالم شتى، لها امتداد البر والبحر، وقلوب أقسى من الحجر. فالمال أولًا وأخيرًا إله، بات سيد السيرة، وآخر المراد بسوق أبواق يشدون الرحال لحيث المال مدرارًا، تدرّه حلمات من لهم بالخافيين مآرب أخرى؛ أولها أسواق رأس المال، وثانيها عولمة تخالف القدر بصورة أشباح تسترخص أجساد من يسكن غزة، ومثلهم من بني البشر. وتلك روايات قد قالت لنا الأيام عنها إنها من أيام آخر الزمان.
على مشارف أيام مباركات، يبتهل الكون دعاءً، فرحًا يهلّ عليه ضياء ضوء مولد سيد البشر، ذكرى مولد ابن عبدالله، من ساوى بين بني البشر، وجعل من بلال يؤذن، فيعتلي هامات قلة من علياء قريش، كانت ترى الكون تحت فَرْكة أصابعها، لينصت بعدها السادة القرشيون لبلال، وقد أعتقه سيد المرسلين من ترهات أنساب قريش وسادة جرهم ووبرعم.
وما بين حاجبي الشمس والقمر، وتلك آية سيد المرسلين محمد ابن عبدالله، رسولًا مبشرًا للعدل، مقيمًا محققًا للمساواة بين بني البشر. وما أرسلناك إلا نعمة للعالمين.
القلب يهتف ضارعًا بين أرجاء كوكب به كواكب، بالأرض وبالسماء كواكب أخرى من نجوم المال والسياسة والإعلام، من بشر جلهم بشر. كانت رسالة سيد المرسلين، من نحتفي بمولده، يقول قولًا كريمًا: عباد الله، اتقوا الله، أتقنوا الإيمان، أحبوا عنصر العمل.
كان بعضهم ممن جرت دورتهم الدموية بحيث تشربت آفات رحلة إقطاعيات تقتل وتنسف روح الإنسان، لا قيمة لها، أو ضمن مرحلة التحول إلى رأسماليات تحتكر وتستغل وتعصر حياة الناس، إنسانًا بشرًا، تحوله لعقود عمل بموجبها يصير عبدًا بسوق العمل دهرًا، وبات حاضرًا مجرد مفردة بتكنولوجيا الأرقام، تدمج وتنتهي بلحظة البصر بمسيرة بحجم قفاز يد مالك الأسهم، بأسواق ترامب، نتنياهو وإيلون ماسك، وهو يسابق العالمين، تاركًا الأرض يبابًا ليسكن هو بالقمر. نقول:
غداً، تهل علينا ذكرى مولد المصطفى، طيب الذكر، رفيع المقام، سيدنا محمد ابن عبدالله، أرسله رب العباد رحمة للعالمين، من جور أبي لهب ومن حوله، ممن كانوا يومها بعدد الأصابع يعدهم بلال الحر، لا يخشى أحدًا.
بعد أيام تهل على الكون ذكرى من أرسل للكون رسولًا يعيد تصحيح ما أفسده الدهر من نفر من البشر.
وما أرسلناك إلا نعمة للعالمين.
غدًا، تصدح الأصوات، أصوات بها الحق يتجلى، يتعالى من فوهة الإيمان، من نبرة المنتهى لسدرة الارتقاء، لجاه من أكرمه رب العباد يوم مولده. أضاء الكون بشرى، تردد صوت السماء، صوت من أرسل، بعث، أتى رسولًا للهدى.
ولد الهدى، فالكائنات ضياء، وفم الزمن تبسم وثناء.
زمانك يا سيد المرسلين، يا إمام البسطاء الطيبين بكل مكان وحين. زمانك لا نريد أن نقول كان، بل ينبغي أن يكون عدلًا، سلامًا، مساواة، أمانًا، وأنت الذي حملت رسالتك، رسالة للعالمين، للمؤمنين، حاملًا قولًا كريمًا:
وأما بنعمة ربك فحدث.
صدق الله العظيم.
وصدقت يوم مولدك ويوم بعثت رسولًا، وتلك لعمري رسالتك ستبقى هدى للعالمين، شاء من شاء وأبى من أبى. وهو قول يحتاج ممن يحتفلون بذكرى مولدك الكريم أن يترجموه إلى فعل أكيد على أرض غزة، لها مدلول قول يسير هداه على هدى ما ناديت به من ضرورة نصرة المظلومين من بطش الظالمين، أيًا كانوا وأينما كانوا.
تهل علينا ذكرى مولدك، يا سيد المرسلين، يا من كنت الصدق مصداقًا لما له أتممت به دعوتك، نصرة المظلوم أساس دستورك المبين. كنت كما بشر القرآن بالسراط المستقيم، وذكرى مولدك قيامة الحق، صدق القول، إيمان راسخ متين بصيانة حقوق الناس أجمعين، لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وبصحيح الإيمان وصدقه، وصدق العمل دليلًا مبينًا، كما شرع كتاب ربك، وكما شرعته يا سيد المرسلين، بصحيح سنتك إلى يوم الدين.
حتماً تزول دولة المستكبرين بالأرض، فقد ولى زمن هامان وفرعون وعادًا بصور العن، لكن غدًا الأفضل آتٍ عما قريب، إن أحسن القوم قراءة ما بين السطور، وما تحمله تطورات الحقب والسنين من تغيرات كمية ونوعية، من حين ولدت منارة للعدل، ومن حين أرسلت منارة للحق المبين للبشر أجمعين.
وتلك إمارة للحق، ولمن أراد أو يريد السير بطريق الهدى، طريق العدل والمساواة، رد المظالم، مواجهة من يفسد بالأرض.
والله ورسوله الأمين، وكل الصادقين، لا يحبون كل قوال، كل فتان، كل أص، كل سفاح لئيم.
تلك آيات بينات لمعاني الاحتفاء بميلاد سيد المرسلين، عليه أفضل الصلوات والتسليم.



