المنطقة على كف عفريت
يبدو أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، وأن الأمور تزداد تعقيدًا يومًا بعد آخر بين الجانبين الأمريكي والإيراني، وتنذر هذه المرة بحرب ضروس يطال خطرها المنطقة.
من المسلمات القانونية أن إغلاق المضايق الدولية ينتهك قواعد القانون الدولي للبحار لعام 1982م (الفصل الثالث)، وقد تسبب إغلاق مضيق هرمز ثم الحصار (إغلاق المُغلَق) في تكديس ناقلات النفط والسفن التجارية في مياه الخليج والبحر العربي، وما أعقبه من أضرار على الاقتصاد والتجارة العالمية، وتلوث المياه والبيئة، وتأثيراتها على الإنسان والحياة البحرية.
وعلى الرغم من أن إيران كانت قد قدمت في البدء 10 بنود ردًا على مطالب الجانب الأمريكي، لكنها لم تحظَ بالموافقة، وعاودت من جديد تقديم رد معدل من 14 بندًا (مقترحًا) كمدخل للتفاوض، وينتظر من الجانب الأمريكي الرد الرسمي عليها...
وقد شملت المقترحات الإيرانية، حسب مصادر إعلامية وثيقة، النقاط الآتية:
أولًا: تحويل وقف إطلاق النار إلى إنهاء كامل للحرب خلال 30 يومًا كحد أدنى، وفتح مضيق هرمز تدريجيًا، وتولي إيران مسألة التعامل مع الألغام وعدم ممانعة تقديم دعم أمريكي، ورفع الحصار التدريجي على الموانئ الإيرانية بما يتناسب مع فتح مضيق هرمز، والتأكيد على انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران البحري، وإنهاء حالة التحشيد العسكري.
ثانيًا: مناقشة فكرة تجميد كامل لعمليات تخصيب اليورانيوم لسقف زمني قد يصل إلى 15 عامًا، وعودة إيران للتخصيب بعد السقف الزمني بنسبة 3.6% وفق مبدأ صفر تخزين، ورفض تفكيك البنى التحتية النووية أو تدمير المنشآت، وبحث مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بين الترحيل إلى الخارج أو ترقيق نسبة التخصيب، والتأكيد على ضرورة وجود آلية واضحة لرفع العقوبات مقابل الإجراءات النووية، وأن يتضمن رفع العقوبات الإفراج عن الأموال المجمدة تدريجيًا وفق سقف زمني.
جاء رد الرئيس الأمريكي (دونالد ترمب)، حسب هيئة البث الإسرائيلية، بأن المفاوضات مع إيران عالقة، وإن اقتراحات إيران الأخيرة غير مقبولة. وفي لقاء صحفي أوضح أن المفاوضات مع إيران قد تفضي إلى نتائج إيجابية، وإذا بالمستمع يهتز طربًا أمام رئيس يحمل قيثارتين...
وعلى صعيد آخر، أعلن الرئيس الأمريكي (دونالد ترمب) أنه سيبدأ القيام ببادرة إنسانية بهدف تحرير السفن العالقة في مضيق هرمز، بدءًا من 4 مايو 2026م، وسط تأكيد القيادة الأمريكية (سنتكوم) مشاركتها في العملية كمساعدة للدول المحايدة التي لم تشارك في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وفي حال عرقلة هذه العملية الإنسانية، فإن هذا التدخل، للأسف، سيتعين التعامل معه بقوة، على حد قوله، مطلقًا على العملية (مشروع الحرية).
وتعليقًا على تصريح (دونالد ترمب)، شدد رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني (إبراهيم عزيزي) بقوله على أن أي تدخل أمريكي في نظام مضيق هرمز سيُعد انتهاكًا لوقف إطلاق النار القائم منذ 8 أبريل 2026م.
حقيقة الأمر أن عملية (مشروع الحرية) شهدت في أول يوم استهدافًا إيرانيًا لسفن شحن تجارية في مضيق هرمز، وقصف منشآت مدنية واقتصادية إماراتية، وإغراقًا أمريكيًا لسبعة زوارق تستهدف السفن في المضيق. كما تم تبادل الاتهامات بين الجانبين الأمريكي والإيراني حول اختراق وقف إطلاق النار المتفق عليه، وأكد الجانب الأمريكي على استراتيجية تتمحور حول فرض الحصار على الموانئ والسفن الإيرانية. هذا ملخص إعلامي لليوم الأول (4 مايو 2026) لعملية (مشروع الحرية).
وفي سياق متصل، تبذل الدول الآتية: روسيا الاتحادية، والصين الشعبية، وباكستان، ومصر، والسعودية، وقطر، وتركيا، مساعيها الحميدة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية إيران الإسلامية للوصول إلى حل، إلا أن المساعي الدبلوماسية لم يُعر لها الاهتمام المطلوب، وبالتالي كثر الأخذ والرد والاتهامات بين الجانبين دون جدوى.
وازدادت المشاحنات، وتلبدت الغيوم الداكنة في سماء المنطقة تنبئ بسوء الطالع، وإن على إيران (حسب محللين) إما أن تستجيب للمطالب الأمريكية بقدر الممكن مقابل أن تُرفع عنها العقوبات، وإما مواجهة حرب أمريكية إسرائيلية شعواء.
وفي السياق نفسه، تبذل إسرائيل أقصى جهودها تجاه استئناف الحرب على إيران، بدعم ومساندة اللوبي الصهيو-أمريكي ماليًا ولوجستيًا، بهدف قصف بقية البنى التحتية الإيرانية في الجوانب الصناعية والعسكرية والطاقوية ومحطات المياه، فضلًا عن ممارسة الاغتيالات للمسؤولين الإيرانيين، وعدم تمكين إيران من تخصيب اليورانيوم الذي يشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، على حد قول رئيس الوزراء (بنيامين نتنياهو).
جوهر القول: إن المنطقة في وضع لا يُحسد عليه، وكل الأمور مرشحة للتصعيد صوب حرب أشد من سابقتها، ونأمل أن تؤدي المساعي الدبلوماسية والسياسية دورها الفاعل للوصول إلى حلول بين الجانبين الأمريكي والإيراني، لتنعم المنطقة بالسلام والأمن والأمان والاستقرار.
وعلى الأمة أن تبادر لحل خلافاتها الداخلية، وبناء نفسها على الصعد العلمية والاقتصادية والتقنية والعسكرية والأمنية، بما يتفق مع إمكاناتها ومقدراتها وقيمها وتراثها، لمواجهة المشاريع التوسعية والتحديات الخارجية.
