أرقام ما بعد الهدنة ترسم ملامح المستقبل
قبل حرب المحافظات الشرقية في ديسمبر الماضي بأسابيع قليلة، أخبرني أحد القادة العسكريين الجنوبيين بأنه لو توفرت لهم الإمكانيات المادية، فبإمكانهم تجنيد 200 ألف جندي إضافي. وأكد أن هذا الرقم ليس جزافيًا، بل مبني على مسح ودراسة ميدانية.
وأشار إلى أن التحالف العربي – ولعله يقصد الإمارات تحديدًا – مطّلع على هذه المعطيات، لكنه يفضّل تنفيذ هذا التوسع بشكل هادئ ومتدرج. وأعتقد أن السعودية تنتهج النمط ذاته مع السلفيين ضمن قوات “درع الوطن”، وأبسط دليل على ذلك مقارنة عدد وعتاد هذه القوات قبل عام بما هي عليه اليوم.
بل يمكن القول إن عدد من يمكن تجنيدهم من السلفيين في عموم اليمن قد يتجاوز 200 ألف بكثير، وهو رقم مرشح للزيادة سنويًا في ظل الدعم المستمر لانتشار المدارس السلفية داخل الجمهورية وخارجها.
في المقابل، تبدو صنعاء غير قادرة على مجاراة هذا المسار لعدة أسباب؛ أبرزها محدودية الإمكانيات المادية، وما قد يترتب على أي تضخم عسكري من ضغوط على وضعها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. يضاف إلى ذلك تراجع نسبي في شعبيتها ومصداقية خطابها التعبوي، مع انحسار مناطق التأييد في نطاق جغرافي محدود داخل “شمال الشمال”، وهي مناطق ذات كثافة سكانية أقل.
وخلاصة القول: إن حقائق ما بعد الهدنة لا تعيد تشكيل ميزان القوى فحسب، بل تعيد صياغة مستقبل البلاد بالكامل. فالمستقبل هنا لا يُبنى على النوايا ولا يُحسم بالشعارات، بل يُفرض بالأرقام التي تنمو بصمت.
وما يجري ليس انتظارًا للسلام، بل سباقًا بطيئًا لإعادة تشكيل القوة على الأرض. وكل يوم يمرّ لا يجمّد الصراع، بل يرجّح كفة طرف على حساب آخر.
وبهذا المعنى، لم تكن الهدنة توقفًا للحرب… بل كانت مرحلتها الأكثر هدوءًا، والأشد خطورة.
