الأربعاء 6 مايو 2026
  • الرئيسية
  • لا وصاية على المؤتمر: الشرعية من القواعد لا من الخارج

لا وصاية على المؤتمر: الشرعية من القواعد لا من الخارج

كان آخر ارتباطٍ لي، وعلاقة انتسابٍ أو نشاطٍ في حزب المؤتمر الشعبي العام، في سبتمبر 2005، حين قدّمت استقالتي من مجلس النواب، الذي كنت عضوًا فيه مرشحًا عن الحزب، وعضوًا في لجنته الدائمة الرئيسية.

وقبل التوجّه لإلقاء كلمة الاستقالة، حرصت على المرور بمنزل أحد قيادات الحزب، وكان حينها الأمين العام المساعد، والذي أصبح اليوم رئيسًا للحزب، لإطلاعه على قراري، إدراكًا لما قد يترتب عليه من أثر، ورغبةً في أن يسمع أخي الخبر مني مباشرة، لا عبر وسائل الإعلام.

أبلغته قائلًا: «قررت أن أتقدم باستقالتي من مجلس النواب». لم يسعَ لثنيي عن القرار، بل سألني: «هل أنت مقتنع؟» فأجبت: «نعم». فقال: «على بركة الله».

مدخل:

يسقط المؤتمر الشعبي العام بالاستتباع، ويموت بالارتهان. وقد جاء هذا المعنى صريحًا في رسالةٍ سابقة لرئيس المؤتمر الشعبي العام، موجّهةٍ ضمنًا إلى سلطة الأمر الواقع، أكّد فيها بوضوح رفض أي تدخل من بعض المنتسبين إليها في الشؤون الداخلية للحزب—وهي شؤونٌ حصرية يكفلها الدستور والقوانين الاتفاق الموقع—حيث ورد فيها:
«المؤتمر الشعبي العام لا يتبع أحدًا،
وليس مطيّةً في يد أحد،
شاء من شاء وأبى من أبى».

واليوم، تبدو الحاجة قائمة لإعادة توجيه هذا الموقف، بذات الصراحة والمضمون، ولكن هذه المرة إلى فريق سعادة سفير دولة جارتنا الشقيقة، الذي ذكر أنه سبق وان بذل جهودًا لتوحيد الحزب؛ وهي سابقة لم يُعرف أن قام بها سفير من قبل. فالمؤتمر، في جوهره، كيانٌ موحّد ومتماسك، تحكمه لوائحه، وتضبطه مؤسساته، ويستند إلى عقيدةٍ تنظيميةٍ قوامها الالتزام بالقانون، والاحتكام إلى قواعده، لا القبول بأي وصايةٍ أو تدخل من الخارج.

وما يُطرح تحت عنوان «استعادة دور المؤتمر»، في ظل غياب دولةٍ تستعيد الوطن من حافة الهاوية أولًا، يثير الريبة والتساؤلات المشروعة.

إن الملح والضاغط ويستدعي التأكيد عليه اليوم ليس الوصاية، بل الدعوة الصادقة إلى مسارٍ سياسيٍ ناضج وجاد، يبدأ بحواراتٍ داخليةٍ مسؤولة: جنوبي–جنوبي، وشمالي–شمالي، ثم يرتقي إلى حوارٍ وطنيٍ شامل، يمني–يمني، وصولًا إلى حوارٍ إقليميٍ متكافئ، يمني–سعودي، يؤسس لشراكةٍ قائمة على وضوح المصالح ووحدة المصير، ويطوي صفحة الحرب بكل كلفتها، ويفتح أفقًا لحياةٍ كريمة تحفظ الحقوق وتصون الكرامة للجميع.

المؤتمر الشعبي العام ليس كيانًا طارئًا، بل هو تعبيرٌ أصيل عن تاريخ اليمنيين ونضالهم وطموحاتهمم، وجذرٌ ممتدّ في تربة هذا الوطن. ومن ثمّ، فإن شرعيته لا تُستمد من خارج حدوده، ولا تُصان إلا ببقائه ملتصقًا بقواعده، حاضرًا في قلب معاناة شعبه، لا على هامشها.

وأي قيادةٍ تختار الابتعاد عن الداخل، وتؤثر الإقامة في الخارج، تضع نفسها أمام اختبارٍ أخلاقيٍ وسياسيٍ واضح: فلا تمثيل بلا حضور، ولا شرعية بلا ارتباطٍ قائم بالجمهور. فالأمانة السياسية لا تُجزّأ، ومن ينفصل عن قواعده يفقد، بحكم الواقع، صلته بمصدر قوته ومشروعيته.

المسؤولية الوطنية لا تحتمل الازدواجية؛ فالقيادة إمّا أن تكون حيث شعبها—تواجه التحديات وتتقاسم المعاناة—أو تفقد مبرر ادّعاء تمثيله. فالمعاناة في الداخل، مهما اشتدّت، تظل معيارًا للمصداقية السياسية، بينما الراحة في الخارج، حين تكون على حساب الانتماء، تتحول إلى عبءٍ على الموقف لا رصيدًا له.

والأخطر من ذلك أن استهداف المؤتمر من الخارج—بالضغط أو الإغراء أو محاولات التفكيك—ليس سوى مسارٍ مكشوف، غايته فصله عن قواعده، ودفعه للتنكر لأدبياته ولوائحه وميثاقه الوطني. وحين يحدث ذلك، لا يخسر الحزب بنيته التنظيمية فحسب، بل يفرّط في جوهره: ثقة جماهيره وعمق ارتباطه بها.

ويبقى السؤال: أيّ شرعيةٍ يمكن أن تبقى لحزبٍ لا يحتكم إلى نظامه الداخلي، ولا يلتزم بميثاقه، ولا يُصغي لقواعده؟

إن المؤتمر الشعبي العام، بما يمثله من ثقلٍ وطني، يقف اليوم أمام لحظةٍ مفصلية:
إمّا أن يتمسّك بجذوره، ويصون وحدته، ويرفض كل أشكال الهيمنة من الداخل والاستهداف من الخارج، أو ينزلق و يفقد موقعه.

برلماني وسفير سابق
[email protected]