الثلاثاء 5 مايو 2026
  • الرئيسية
  • عدن تحت فوهة الاغتيالات: أين الدولة؟

عدن تحت فوهة الاغتيالات: أين الدولة؟

عدن، المدينة التي كانت يومًا أيقونة الجمال والانفتاح في اليمن، وميناءً نابضًا بالحياة يحتضن الجميع دون تمييز، تقف اليوم مثقلة بالجراح تحت وطأة الفوضى والخوف. هذه المدينة الساحلية التي عُرفت بتاريخها العريق وثقافتها المدنية وتعايش أهلها، تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للاغتيالات والانفلات الأمني، حتى بات المواطن فيها يترقب أخبار الدم أكثر مما ينتظر بشائر الحياة. عدن التي كانت تُلقب بعروس البحر العربي، لم تستحق يومًا أن تُختزل صورتها في مشاهد الرصاص والقتل والرعب اليومي.

وفي مشهد يلخص حجم الانهيار الأمني، تتوالى عمليات الاغتيال التي تستهدف شخصيات مدنية وتربوية وإنسانية كان يفترض أن تكون بعيدة عن دائرة العنف. من اغتيال رئيس مجلس إدارة مدارس “النورس” عبدالرحمن الشاعر، إلى حادثة العثور على جثة مسؤول الصندوق الاجتماعي وسام قائد بعد اختطافه وقتله في وضح النهار ،وهو مسؤول تنموي يمني شغل منصب القائم بأعمال المدير التنفيذي لـلصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، ويُعد من أبرز الشخصيات العاملة في مجال التنمية الاقتصادية ودعم المشاريع الصغيرة.
تبدو عدن وكأنها تُدفع عمدًا نحو مزيد من الرعب والفوضى.
المؤلم أن هذه الجرائم لم تعد حوادث معزولة، بل أصبحت نمطًا متكررًا يضرب ما تبقى من ثقة الناس بالأمن والدولة. كيف يمكن لمسلحين مجهولين أن ينفذوا عمليات اغتيال في وضح النهار ثم يختفوا دون ملاحقة حقيقية؟ وأين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي يفترض أنها مسؤولة عن حماية المواطنين؟
جريمة اغتيال وسام قائد تحديدًا أثارت تنديدًا محليًا ودوليًا واسعًا، حيث وصف المبعوث الأممي إلى اليمن، هانز جراندبرغ، الضحية بأنه نموذج للتفاني والعمل الصادق لحماية سبل عيش اليمنيين، محذرًا من خطورة تكرار مثل هذه الجرائم. كما وصف منسق الأمم المتحدة المقيم الجريمة بأنها “بشعة ولا يمكن التسامح معها”، فيما طالبت السفارة الأمريكية بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين، مؤكدة أن عدن يجب أن تكون مكانًا آمنًا للجميع.
لكن رغم بيانات الإدانة الدولية، يبقى السؤال الحقيقي: ماذا عن الداخل؟ ماذا عن الحكومة والسلطات المسيطرة على الأرض؟ الناس لم تعد تريد بيانات تعزية أو إدانات بروتوكولية، بل تريد دولة قادرة على حماية أرواح مواطنيها، وكشف الجناة، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي شجعت القتلة على التمادي.
إن استمرار استهداف الكفاءات والوجوه المدنية والتربوية في عدن لا يهدد أفرادًا فقط، بل يضرب فكرة الحياة الطبيعية ومستقبل المدينة بأكمله. الإرهاب حين يعجز عن هزيمة المجتمع بالحرب، يبدأ باغتيال العقول والشخصيات المؤثرة فيه، لزرع الخوف وشل أي أمل بالاستقرار.
عدن اليوم ليست بحاجة إلى المزيد من الشعارات السياسية أو صراعات النفوذ، بل إلى إنقاذ حقيقي يعيد لها الأمن وهيبة القانون. فمدينة كانت رمزًا للتعايش والثقافة والحياة، تُترك اليوم فريسة للفوضى والرصاص، بينما المواطن وحده يدفع الثمن كل يوم.
رحم الله الضحايا، ولعن الله من جعل اليمن ساحة مفتوحة للاغتيال والخوف والخراب..
نسرين الذبحاني