الثلاثاء 5 مايو 2026
  • الرئيسية
  • من "الموت لهم" إلى "الحياة لنا"... بيان ضد الهتاف الفارغ

من "الموت لهم" إلى "الحياة لنا"... بيان ضد الهتاف الفارغ

ليس أصعب على الأنظمة والجماعات من مواطنٍ يفكر.

وليس أسهل عليها من مواطنٍ يهتف.

لهذا، عبر سنوات طويلة، تم تدريبنا -بإتقان- على استبدال السؤال بالصوت،

والتفكير بالشعار،

والواقع بالوهم الجماعي الجميل.
"الموت لهم" لم يكن يومًا مجرد انفعال عابر،
بل كان اختراعًا سياسيًا عبقريًا... في بساطته وخطورته.
ثلاث كلمات تختصر برنامجًا كاملًا:
لا تسأل، لا تحاسب، لا تطالب... فقط اهتف.
وما الذي يحدث بعد الهتاف؟
لا شيء... وهذا هو المطلوب.
لأن السؤال الحقيقي ليس: لماذا نقول “"الموت لهم"؟
بل: ماذا فعلنا لأنفسنا؟
هل بنينا مدارس تليق بأطفالنا؟
هل صنعنا دواءً يحمي مرضانا؟
هل أسسنا اقتصادًا لا يرتجف مع كل أزمة خارجية؟
الإجابة المؤلمة:
كنا مشغولين... بالهتاف.
الدراما هنا ليست في قسوة الواقع فقط،
بل في قدرتنا المذهلة على التعايش معه.
نشتكي من الفقر... ثم نصفق لمن يبرره.
نغضب من الفساد... ثم نبرع في تبرير استمراره.
نخاف على المستقبل... ثم نتركه رهينة شعارات الماضي.
ووسط هذا كله، يظهر الخطاب الرسمي -بنسخه المختلفة- ليقدم لنا تفسيرًا جاهزًا:
لسنا فاشلين... نحن فقط "نقاوم".
لسنا متأخرين... نحن "مستهدفون".
لسنا عاجزين..
نحن "في معركة".
جميل... لكن إلى متى؟
وإلى أين؟
المفارقة التي تليق بالكوميديا السوداء:
أن أكثر من يصرخ “"الموت لهم"،
هو أول من يبحث عن تأشيرة إليهم.
وأكثر من يهاجم "عدو الحضارة"،
هو أكثر من يستهلك منتجاتها دون تردد.
نلعنهم في العلن... ونثق بهم في السر.
نهتف ضدهم... ونعيش عليهم.
أي بيانٍ هذا؟
وأي منطق؟
الحقيقة التي لا يريد أحد قولها:
أن "الموت لهم" لم يعد شعار مواجهة،
بل أصبح ستارًا لإخفاء الفراغ.
فراغ في المشاريع، في الرؤية، في الإنجاز.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يسقط هذا الشعار...
بل أن نستمر في تصديقه.
لأن الشعوب لا تُهزم عندما تخسر حربًا،
بل عندما تفقد قدرتها على طرح السؤال الصحيح.
ربما آن الأوان لتمردٍ بسيط… لكنه عميق:
أن نستبدل الهتاف بالسؤال،
والشعار بالخطة،
والغضب بالإنتاج.
أن نقول، بهدوء، لكن بثقة:
لسنا بحاجة إلى "الموت لهم"...
بل بحاجة إلى "الحياة لنا".
قد لا يصفق لهذا الشعار أحد في البداية،
لكنه -على الأقل- لا يقتلنا ونحن نردده.