جمعة استثنائية بلون الدم

جمعة استثنائية بلون الدم

شفيع العبد
لم يكن يوم الجمعة الماضية عادياً في عدن، إذ لم يذهب غالبية المصلين إلى مساجدهم الاعتيادية لأداء صلاة الجمعة للاستماع لذات الخطيب وللصلاة مع الوجوه التي ألفوها أسبوعياً، والتهنئة لبعض بالجمعة والعودة للمنازل لتناول وجبة الغداء مع أفراد الأسرة، على اعتبار قدسية هذا اليوم لدى أبناء عدن خاصة واليمنيين عامة.
المشهد اختلف هذه المرة، حيث وجّه الغالبية العظمى من أبناء هذه المدينة المسالمة وجوههم شطر مخيمات الاعتصام والمساجد القريبة منها، كون المهمة تختلف ليست صلاة فحسب، بل نضال وجهاد أيضاً.
فضلت أن أقضي ليلة الجمعة في منزل أحد الأصدقاء بمنطقة البساتين بدار سعد، تحسباً لإغلاق الطرقات ومنع الناس من الوصول إلى المخيمات، بعد أن كنت عائداً للتو من صنعاء، وتم منعنا وكل المتجهين لعدن من الدخول في محافظة لحج نقطة “بيت عياض”، وبعد تفاوض طويل بين مدير أمن الحوطة “الموزعي”، وجنود الأمن المركزي أصحاب القرار الأعلى والكلمة الأقوى، غادر الموزعي المكان يحمل بين جنباته الأسى والألم، وهو ما لمحناه في تعابير وجهه وبعض تمتماته، وبعد مرور أكثر من ساعة على منعنا من الدخول. وبينما كنا نتفاوض مع مسؤول فرقة الأمن المركزي المرابطة في المثلث، إذا بمكالمة لاسلكية سمعناها جميعاً: “فتشهم جيداً واسمح لهم بالمرور”!
لم يكن الحال أفضل في نقطة “دار سعد” التي يسيطر عليها أيضاً الأمن المركزي، حيث توقفنا فيها لما يفوق الساعة قبل السماح لنا بالدخول، لم يكونوا ليسمحوا لنا لولا رؤيتهم لنا محملين بحقائب السفر والتأكيد لهم بأننا قادمون من “صنعاء” -صنعاء هنا كانت جواز مرور لنا عبر النقطة الوحدوية التي تحتفظ ذاكرتي لها بذكرى غير سارة على الإطلاق- لأن كثيراً من أبناء المحافظات المجاورة كلحج والضالع شاهدناهم يفترشون الأرض، لنبدأ رحلة تنقل جديدة بين النقاط والسيارات بعد أن تركنا صاحب “البيجوت” في نقطة دار سعد عائداً لمنزله بمدينة الحوطة لأنه لا يريد أن تضيع عليه ليلة “خميس”، مبرره الوحيد للذهاب للمنزل.
كنت مخططاً للتواجد في مخيم المنصورة، صحوت باكراً وإذا بالطرقات مغلقة، وقوات الأمن المركزي تعيد انتشارها في شوارع المدينة بعد أن كانت اختفت خلال الأيام الماضية. اضطررنا للسير عبر الحارات الخلفية للوصول إلى المنصورة، هناك كان المشهد مزيجاً من الروحانية والروح النضالية التي سكنت الجميع، وبرزت على محياهم، وعبر عنها البعض في بوحهم المرتفع لبعضهم البعض.
قبل بدء الخطبة كان الجميع على موعد مع جنازة الشهيد ياسين الجحافي، حيث استقبلوها أمام بوابة المسجد بصوت واحد “لا إله إلا الله.. والشهيد حبيب الله”، وإن استبدلوه مرات بـ”لا إله إلا الله.. علي عبدالله عدو الله”.
خطيب الجمعة لم يكن تقليدياً، لامس الهم العام، وتحدث عن المعاناة، وتلك هي مهمة خطبة الجمعة التي أفرغها كثير من الخطباء من مضامينها واستبدلوها بخطب منبرية تزين واجهات المكتبات العامة، ويغلفونها بصراخ عالٍ وتشنج على المنبر لا معنى له سوى فقدان الشيء والابتعاد عن هموم الناس.
خطيب الجمعة أبكى الجميع وهو يتحدث عن الشهيد ياسين ووصفه للحظة استشهاده: “كان حاملاً حجراً وهارباً في الحارة والعسكري يلاحقه فتوقف واستدار نحوه فاتحاً صدره وذراعيه، ولمحه موجهاً بندقيته صوبه فقال له: أتريد أن تقتلني؟ فلتقتل. فلم يمهله العسكري حتى أرداه قتيلاً”!
إنها العقلية الحاكمة تجلت في تصرف العسكري، والحقد الكامن في نفس الحاكم لعدن وأبنائها، والكراهية التي يحملونها تجاه هذه المدينة، لا لشيء سوى للشعور بالنقص والعجز، وما تزايد أعداد الشهداء والجرحى والمعتقلين في هذه المدينة إلا دليل إدانة يصفع وجه من يحب امتطاء جواد المزايدة.
بعد أداء الصلاة وصلاة الجنازة سار عشرات الآلاف في موكب جنائزي مهيب، وحشد جماهيري لم تشهده مدينة المنصورة من قبل، خلف الجنازة، منددين بالنظام ورأسه، مؤكدين أن دم الشهيد لن يذهب هدراً، وأن دماءهم ليست رخيصة، معاهدين الشهيد وغيره من الشهداء على مواصلة النضال حتى إسقاط النظام واستعادة الحقوق كاملة غير منقوصة.
تم مواراة الشهيد الثرى في مقبرة الرحمن بالمنصورة، ثم واصلوا مسيرتهم السلمية التي طافت شوارع المنصورة، ومن ثم اتجهت لمدينة الشيخ عثمان، وقوات الأمن المركزي تتواجد بكثافة في الجولات وعلى جنبات بعض الشوارع، وفي جولة عبدالقوي بالشيخ قام عدد من المشاركين في المسيرة برمي قوات الأمن بالورود، وتقبلوها بوجوه عابسة متوجسة، قبل أن تنفتح بعض من أساريرهم.
لم يكن يدور في خلدهم أنهم سيبادلونهم بالورود رصاصاً وقنابل مسيلة للدموع، حدث هذا في جولة العريش، حين حاول القادمون من الشيخ عثمان الالتحام بإخوانهم في خور مكسر، ومثله حدث أيضاً في مواجهة أبناء كريتر والمعلا والتواهي، بينما كانوا في طريقهم للالتحام بإخوانهم في خور مكسر.
قمع قوات الأمن المركزي للمتظاهرين، ومواجهتهم بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع أسفرت عن سقوط شهداء وعدد من الجرحى. وهنا لا بد من لفت نظر وسائل الإعلام التي غالباً ما تخطئ حين تصف قمع قوات الأمن بالمواجهات، لأن المواجهات لا تتم إلا بين طرفين متكافئين، وما يحدث فعلاً هو قمع مسلح لتظاهرة سلمية.
يأبى الحاكم إلا أن يرى الدماء تسيل، ويتلون النضال السلمي بلون الدم، كون التهم جاهزة كما هم المتهمون في مثل هكذا حوادث وأحداث.
لم يكتف الحاكم بما حدث ويترك عدن تلملم أوجاعها، بل إن قواته أطلقت العنان لنفسها ولرصاصها الذي ملأ سماء بعض أحيائها كالمعلا وخور مكسر وكريتر، واستمر حتى فجر اليوم التالي، مخلفاً أعداداً من الشهداء والجرحى والمعتقلين، وإرهاباً حقيقياً للسكان.
إطلاق النار تم بصورة عشوائية، اخترق المنازل الآمنة التي لم تتعرض لإطلاق نار في عهد الإنجليز وعهد الرفاق، كما حدث في المعلا، حيث اخترقت رصاصات منزل مدير عام الكهرباء بالمديرية سالم باشطح، لتستقر في رأسه وترديه قتيلاً.
ترتفع حصيلة الشهداء والجرحى في عدن في انتظار إحصائية دقيقة، في ظل حصار أمني وعسكري على المدينة وصعوبة التنقل بين مديرياتها، كما هي ذات الصعوبة تعترض الراغبين في الوصول للمستشفيات للحصول على إحصاءات من واقع الكشوفات الرسمية.
الأرقام التي حصلنا عليها تؤكد سقوط ما لا يقل عن 10 شهداء ظهر ومساء الجمعة وفجر السبت، وما يزيد عن 70 جريحاً.