أعوان الرئيس وصوره وهراوات تحتل ميدان التحرير

أعوان الرئيس وصوره وهراوات تحتل ميدان التحرير

ظهر الجمعة الماضية تأخر المكلفون بتوفير الغداء على المعتصمين، فبدأوا ترديد هتافات كنوع من “الابتزاز”: الشعب يريد… فقط، وظلوا يرددونها مدة ربع ساعة، حتى جاء لهم معياد بالطعام
يتصارعون على الأكل كأنهم محرومون منذ زمن بعيد
رائحة البول والكراهية تفوح من ميدان يعمل على التحريض
هلال الجمرة
مظاهر التخويف التي ينشرها أنصار الرئيس علي عبدالله صالح في ميدان التحرير، لن تحميه من السقوط. فمجاميع القبائل التي جيء بها قبل أسبوع لاحتلال الميدان، ولثني المتظاهرين المطالبين بإسقاط صالح، عن الخروج، عكست الوجه القبيح للنظام والهمجية التي يعتمد عليها، وحملت كل مؤشرات النهاية.
بعد أن أسقط المصريون أعتى نظام ديكتاتوري في الوطن العربي، من ميدان التحرير بمدينة القاهرة، سارع مؤيدو الرئيس صالح، إلى حشد قبائل ما زالت تعيش أيام المجاعة التي رافقت فترة الحربين العالميتين، لاحتلال ميدان التحرير وسط العاصمة صنعاء، لمنع المتظاهرين من أن يتكرر المشهد ويسقط نظام ديكتاتوري آخر شبيه بالنظام المصري.
يسيطر على الساحة نحو 21 مخيماً تعج بأشخاص يرتدون زياً قبلياً، ويحملون صور الرئيس في يد والصميل في اليد الأخرى، وفي الجوار نصبت وزارة الثقافة خياماً صغيرة كمعرض للحرف اليدوية والزخارف.
ظهر الأربعاء الماضي وصباح أمس الأحد، تجولت بين الخيام التي نصبتها قيادات في حزب المؤتمر الشعبي العام على ساحة ميدان التحرير، لمعرفة كيف يقضي هؤلاء أوقاتهم وكيف يعيشون. كنت أتنقل بين الخيام وسط خوف شديد من عيون القبائل التي ترمقني، وعيون العسكر الذين يرتدون بزات أمن عام، متحفظاً على مهنتي كصحفي. ظهر الأربعاء كان غالبية المعتصمين قد ملّوا الزوامل والرقص، ودخلوا إلى الخيام للنوم بانتظار موعد الغداء. كنت أشعر بأني غريب ومتخبط بين مجموعة من الغوغائيين والفوضويين.
وفيما كان صاحب بني حشيش يستمع إلى الأشعار والكلمات والهتافات التي تمجّد رئيس الجمهورية، ظل يسكنه قلق أن يتكرر الخلاف والعراك على الدجاج والغداء كما حدث في اليوم السابق. يقول: عادنا جيت أمس. لكن كل واحد يصرف لأصحابه والباقين يتزاحموا ويتصايحوا على الغداء.
ويتحدر هؤلاء من طبقات مسحوقة، وجميعهم يفتقرون إلى الكبرياء والأنفة وعزة النفس، فعندما جاء وقت الأكل ووصلت السيارات المحملة بالطعام، إلى هنا، تعامل الجميع وكأنهم لم يأكلوا منذ زمن بعيد. كانوا يتزاحمون على الطعام ويصرخون، حتى إن البعض ممن ينظمون هناك يضطرون إلى استخدام الهراوات لتنظيمهم، مع ذلك كان عدد منهم يرجع لطلب دجاجة أخرى لأكثر من مرة، ويقسم “أيماناً مغلظة بأنه لم يستلم”. وعموماً بدا التنظيم شبه منعدم، لكن أحدهم قال لي إن هناك مشائخ وضباطاً مندوبين عن كل خيمة، وهم من أبناء المناطق.
وبحسب مصادر مطلعة فإن المعتصمين أحدثوا ضجة كبيرة عندما تأخر عليهم الغداء ظهر الجمعة الماضية. فكانوا يرددون الهتافات التي يرددها المتظاهرون، لكن كنوع من “الابتزاز”. كانوا يصرخون: الشعب يريد… فقط، وظلوا يرددونها مدة ربع ساعة، حتى وصل حافظ معياد، رئيس المؤسسة الاقتصادية اليمنية، وأتوا بالطعام. وقد عاتبهم: “ليش تصيحوا هكذا… فخامة الرئيس راكن عليكم”.
هناك الفوضى هي سيدة الموقف. وخلال جولتي كان من ضمن الشعارات التي علقت على مداخل المخيمات لافتة تحذيرية كتب عليها: “لا للفوضى والتخريبـ”. كانت معلقة على المخيم المخصص لأبناء بني ضبيان، لكني عندما تطلعت إلى الداخل وجدت أنها من أكثر الخيام فوضى وغوغائية، وأكثرها اتساخاً.
ومثلما تفوح رائحة البراز والبول المتعفنة، تفوح روائح المناطقية والعنصرية. فهؤلاء الذين يلجؤون إلى الحدائق المحيطة للتخلص من الفضلات، يحملون قذارات أكبر تتمثل في: “التحريض على العنف ضد من ينادي بالتغيير واتهامه بالعمالة والخيانة واستلام الدولارات من الخارج”.
لا أحد هناك يهتم بمظهره، فغالبية هؤلاء يرتدون أثواباً بيضاء متسخة وعسوب متهالكة (أحزمة) وجنابي صينية أو مصنوعة من العود.
ويقوم أفراد من الأمن العام والنجدة والأمن المركزي بتوفير الحماية لهم، ويحيطون بهم من جميع المداخل المؤدية لميدان التحرير.
أمام مخيم أبناء محافظة ريمة توجد منصة المتحدثين والشعراء الذين يرتجلون شعراً يمدحون فيه الرئيس علي عبدالله صالح، ويوجهون السباب والتهم إلى اللقاء المشترك والشباب الذين يطالبون بالتغيير وإسقاط الرئيس.
في ميدان التحرير لا مجال للنقاش حول سلامة موقفهم من عدمه، هناك يرفض الناس سماع أي شيء سوى توجيهات من أتى بهم إلى الميدان ويمنحهم وجبات يومية “الصبوح والغداء والعشاء” مجاناً وربما يزيدهم قيمة “القات”.
**********
احتفالات وولائم وتحريض على المتظاهرين:
برع وزوامل والتقاط صور على ظهور الخيول
حوّل مجموعة من الغجر ميدان التحرير إلى ميدان للفوضى. أناس جاؤوا من خارج العصر لتمضية بعض الوقت والاحتفال: إنهم يمارسون رقصة البرع ويهتفون بزوامل تمدح الرئيس وتخلده. ويؤدون نفس البرنامج الممل: يصحون الصباح لانتظار الصبوح. ويتم توزيع الطعام. ومن ثم يرقصون البرع في حلقتين منفصلتين.
ومن المظاهر اللافتة وجود شحاتين بالجملة، إلى جانب الجياع الذين يستقرون في المخيمات. ويصرخ هؤلاء بكلمات غير مفهومة وزوامل عديدة هدفها واحد هو: التغزل في ما يقوم به الرئيس.
المعتصمون يجدون أنفسهم راغبين في أخذ صورة خاصة على ظهر حصان. ويقول المصورون إنهم يطلبون منهم “تصويرهم على الحصان وكأنه يقفز”.
ويشرف على المخيمات مجموعة من النافذين والمسؤولين؛ منهم: حافظ معياد، رئيس المؤسسة الاقتصادية، نعمان دويد، محافظ صنعاء، أمين جمعان، أمين عام المجلس المحلي، بسام الشاطر، عضو مجلس النواب، … الخ.
*******
القطاع الخاص يطالب برفع المخيمات من ميدان التحرير بالعاصمة
تجار يشكون خساراتهم وآخرون يتكفلون بمصاريف المعتصمين
المظهر الهمجي الذي يعكسه معتصمو التحرير يسيء لليمنيين، ويضر بمصالح عشرات التجار المحيطين بالميدان. يقول سعيد محمود، صاحب كافتيريا في شارع المطاعم المجاور لميدان التحرير: المعتصمون دمروا لنا العمل.
وتذمر من توزيع الحزب الحاكم لهم الطعام، وقال: هؤلاء همج وقد ارتاحوا للوضع ولن يرحلوا من هنا إلا لو منعوا عنهم الأكل.
وكانت الجمعية العمومية للغرفة التجارية والصناعية بأمانة العاصمة دعت إلى رفع الضرر عن التجار -أعضائها في نطاق ميدان التحرير بصنعاء- الذين تعرضوا للضرر البالغ جراء توقف الحركة التجارية بسبب التجمعات الموجودة في ميدان التحرير، وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم.
كما طالبت في اجتماعها الموسع الذي عقدته السبت في العاصمة صنعاء، الجهات المعنية بالوقف الفوري للملاحقات التي تطال رموز قيادات القطاع الخاص من قبل النيابة بسبب مواقفهم المعبرة عن حقوق القطاع الخاص، وسحب القضية المرفوعة ضد رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية محمد عبده سعيد أنعم ورئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بأمانة العاصمة حسن الكبوس. مؤكدةً بذات الوقت وقوفها إلى جنب قيادات القطاع الخاص وتضامنها الكامل والدائم معهم.
وأكد أعضاء الجمعية العمومية أن “القطاع الخاص يتعرض للاستهداف والابتزاز والإجراءات التعسفية ضد أعضائه”. مضيفين “أثبتت لنا الأيام أنه يتم التعامل معنا بعقلية انتهازية بعيدة عن الوفاء، وهو ما يؤدي إلى فقدان الثقة التي من المفترض أن تكون هي السائدة بين القطاع الخاص والجهات الرسمية كشركاء في التنمية ونهضة البلاد، وهو ما استدعى الوقوف أمام تلك التصرفات واتخاذ الموقف المناسب لوضع حدٍّ للمعاناة المستمرة للقطاع الخاص في مختلف أرجاء اليمن”.
وطبقاً لمصادر مطلعة فإن عدداً من التجار يمولون المعتصمين في ميدان التحرير ويقدمون لهم كافة الطلبات. وأضافت المصادر أن كلاً من هؤلاء التجار يتكفل بتمويل مخيم أو اثنين أو ثلاثة، وأن مسؤولاً في الغرفة التجارية بأمانة العاصمة “يتكفل بتمويل 3 مخيمات”.