( أوباما) المسؤول عن تنفيذ قرار المنع صاحب اليد الغليضة

( أوباما) المسؤول عن تنفيذ قرار المنع صاحب اليد الغليضة

أسواق القات والبساطين في تعز .. سبب آخر للبطالة والقهر
أبوبكر عبدالله
لن أبالغ إن قلت إن تغذية البطالة والفقر والاحتقان لدى الناس صار زادا يوميا لدى بعض المسؤولين في محافظة تعز المنكوبة بنافذين يرون ما لا يراه الناس ويديرون الشأن المحلي بفرضيات ونظريات بعيدة عن الصالح العام ولا يعدمون الوسيلة في تفصيل وتبرير قرارات يخدعون بها الجميع لجعلهم يتواطؤن على أنفسهم حيال مظالم ليس لها أول ولا آخر .
بعد تظاهرات الخميس قبل الماضي كنت في زيارة عائلة في تعز وصادف وجودي في أحد أسواق بيع القات كان أغلق ضمن حملة نفذت قبل سنوات لنقل أسواق القات والبساطين من داخل المدينة إلى خارجها وقرر الباعة الانقلاب على القرار الذي خلف احتقانا واسعا لدى كثير من البسطاء المشتغلين في بيع القات وغيرهم ممن ارتبط نشاطهم اليومي بهذه الأسواق .
في لحظة غضب خلفتها أصداء الانتفاضة الشعبية المصرية والتونسية على ما يبدو حطم المواطنون الغاضبون قيود المنع في ثلاثة أسواق داخل المدينة في وقت واحد ولم تمض سوى دقائق حتى انتشر خبر فتحها مثل النار في الهشيم وفي دقائق أيضا اكتظت بالمرتادين المبتهجين بسقوط قرار المنع .
كان المشهد مفاجئا لي ففتح أسواق القات بعد سنوات من إغلاقها بما خلفته من معاناة يومية عصفت بالجميع، كان في الواقع حدثا هاما يحتل أولوية في اهتمامات الناس فاقت أي حدث آخر .
أقفلت أسواق القات في كل أرجاء مدينة تعز في إطار خطة تبناها الملياردير شوقي أحمد هائل القيادي في المجلس المحلي، ويعتقد أنها ولدت في موقعة تحد مع أحد مقاولي أسواق القات بالمحافظة وتحولت تاليا إلى حملة شملت كذلك طرد البساطين وأصحاب الدكاكين المتنقلة بالجر إلى خارج المدينة بذريعة ” إزالة أسواق القات والعشوائيات عن المدينة حفاظا على المظهر الحضاري للمدينة “!
بعد فتح السوق أخذ عشرات الباعة أماكنهم واحتشد آخرون خارجه بانتظار دوريات الجيش وفرق المكافحة التابعة للبلدية التي طالما سُخرت لمطاردتهم ، للتصدي لأية محاولة جديدة لإغلاقه لكن انتشار الجنود حول السوق معززين بالسلاح الثقيل أرهب الجميع .
أكثر ما شدني الاستعداد الذي أبداه الباعة للقتال حتى آخر قطرة دم للدفاع عن حقهم في ممارسة العمل وسرعة تفرقهم مجرد تمركز دوريات الجيش في محيط السوق ومحاولتهم الاستماتة عن طريق تعليق صور للرئيس صالح ولافتات مناشدة  حل مشكلتهم، لكن هذه أيضا على أنها كانت وسيلة للاختباء إلا أنها لم تغير من الأمر شيئاً .
ما حدث كان تفاعلا وحراكا عفويا عكس شغف هؤلاء بإسقاط قرار جائر وخلف آثارا سلبية على حياة الآلاف الذين حاولوا هذه المرة بصمت وصبر انتزاع حقوقهم المصادرة في ليل .
يمكن الحديث عن قوانين تنظم المظهر العام تراعي حقوق الناس في ظل الظروف الاقتصادية التي يعانيها اليمن،  لكن أي قانون هذا يعطي الحق لمسؤولين محليين تجاهل كل مشاكل المحافظة وتكريس كل إمكانياتها للحرب على الآلاف من بائعي القات والبساطين وأصحاب العربيات ومنعهم من العمل بأسواق منتشرة في أرجاء المدينة بعدما تحول اقتصاد الرصيف إلى بديل وحيد أمامهم للعمل ؟
كيف أمكن تشريع إجراءات تحظر على المواطن بيع القات في دكان أو سلع هامشية في عربة متنقلة بسوق شعبي داخل المدينة .. وكيف أمكن إقناعهم أن وجود أسواق لبيع القات وبسطات في شوارع مدينة تعز أم الكوارث والمشاكل تفوق مشكلة شح المياه وانتشار حمى الضنك والملاريا وطوفان البعوض والذباب والقمامات التي توقع سنويا مئات الضحايا ؟
ثم كيف أقتنع هؤلاء بنقل ما سموها ” أسواقا عشوائية ” من داخل المدينة حيث كانت تلبي حاجات التجمعات السكانية المتباعدة وتوفر للآلاف فرص عمل هامشية في ظل الفقر والبطالة والزج بجميع باعة القات في سوق واحد بعيد عن المدينة وأشبه بمكب للنفايات وطرد البساطين إلى أطراف المدينة كي يبيعوا بضاعتهم للشمس والريح ؟
كيف فشل هؤلاء في تقديم بدائل تلبي حاجات الناس أولا ثم حاجات عشرات الآلاف من الأسر والشباب العاطل عن العمل المشتغلين في هذا النشاط الاقتصادي بمن فيهم خريجو الجامعات وغيرهم من الرافضين للعمل في مصانع لا تختلف كثيرا في تعاملها مع العمال عن مصانع الحقبة النازية؟
لم أجد إجابة مقنعة لهذه الأسئلة عدا روايات تشير إلى أن البعض في المجلس المحلي وجدوا في تأييد نظرية الملياردير شوقي التي تعهد ب ” القتال من أجل تنفيذها “وسيلة مثالية قد ينتج عنها ترتيبات جديدة تضمن لهم  طرقا مبتكرة في فرض الإتاوات والتلاعب بإيرادات المجلس المحلي الذي أخذ على عاتقه تأجير دكاكين وبسطات سوق القات الواقع في خارج مدينة تعز .
حقوق مهدرة
عندما تحدثت مع بعض الباعة أكدوا أنهم كانوا يبيعون القات في أسواق أكثرها لا يعيق السير ولا يسبب أية مشكلات للمارة، كما لا تترك أي مخلفات يمكن الاتكاء إليها كحجة لتبرير نظرية ” المظهر الحضاري للمدينة “. كما تحدثوا عن كوارث نتيجة منع هذه الأسواق لها أول وليس لها آخر. خالد السامعي خريج جامعي عاطل عن العمل قال: ” لم نجد سوى بيع القات ومع ذلك قرروا منع بيعه في المدينة من دون تقديم بدائل …كثيرون خسروا أعمالهم ومدخراتهم بسبب المصادرات فجأة قرروا نقل جميع أسواق القات في مدينة كبيرة مثل تعز وزجوا آلاف الباعة في سوق واحد خارج المدينة وكأنهم يبيعون نفايات كيميائية محرمة … من هذا الذي سيأتي لشراء حلوى أو لبان أو مستلزمات أسرية بسيطة أو قات من بسطات خارج المدينة وأسواق تبعد عن منزله عدة كيلومترات … لو أن أعضاء المجلس المحلي أو رئيس لجنة التخطيط في المجلس زاروا السوق يوما واحدا لعرفوا أنهم ارتكبوا جرما تاريخيا، فالزحام الذي يصل في ساعة الظهر بسوق عصيفرة إلى حد لا يطاق يكبد الناس خسائر كبيرة في  الوقت والمال والجهد” .
كان صديقه يتحدث بعصبية: ” ارتكبوا خطأ كبيرا فهذا القرار لم يحدث في أية محافظة وليس له ما يبرره سوى الارتزاق، يريدون أن يكون سوق القات في تلك المنطقة البعيدة عن مركز المدينة لأنها مملوكة للدولة ويسهل التلاعب في إيراداتها، وربما يكونون في المستقبل القريب شركاء في مشروع لسوق قات جديد مجاور،  أو أن يكونوا شركاء في مقاولة تشغيل هذا السوق” .
قبل سنوات قرر المجلس المحلي نقل أسواق القات المنتشرة في أحياء وشوارع مدينة تعز إلى خارجها ضمن حملة إزالة العشوائيات، لكن المحافظ السابق القاضي الحجري كان اعترض على القرار وأوقف تنفيذه، وبعد تعيين المحافظ  الصوفي الذي قيل إنه انتخب ، تبنى نافذون إحياء الفكرة من جديد ونفذت بصرامة ومن دون رحمة في مشهد يذكرك باعتى الأنظمة الفاشية في العالم .
يجمع كثيرون أن القرار تسبب في كوارث لدى المئات من أسر البساطين وآلاف العاملين في بيع القات وبنيهم خريجون جامعيون وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الخروج من دوامة انعدام فرص العمل والبطالة والفقر عن طريق الاتجار بالقات أو بسطات للسلع الهامشية كبديل عن العمل في المصانع المنتشرة في هذه المحافظة والتي طالما كان  العمل فيها أشبه بعقوبة للباحثين عن عيش كريم .
يقول مروان طه فني برمجة هواتف “سابقا كنت أشتري القات أو بعض المستلزمات من أي سوق قريب من الحي الذي أسكن فيه وبعد القرار اضطررت كما حال كثيرين إلى استئجار تاكسي أو دراجة نارية لأن الوصول إلى سوق أسفل عصيفرة يحتاج إلى ساعة للوصول إليه، وأحيانا يتحاج المواطن إلى ساعتين لأن كل المواطنين والسيارات يكونون هناك في وقت واحد ما يتسبب باختناقات مرورية حادة … أما البسطات التي جرى نقلها إلى خارج المدينة فأكثرهم يعملون بالحدود الدنيا وكثير منها تركها أصحابها وعادوا إلى قراهم وآخرون احتفظوا بها خاوية لعل مسؤولا يأتي يعيدهم إلى داخل المدينة .
أحد  الباعة في سوق  عصيفرة أكد أن الحملة الحكومية كانت ” عمياء تماما فالمسؤولون كانوا يعرفون ما يعانيه بائعو القات في الأسواق المملوكة للبعض، حيث كان مالك السوق يفرض على البائع دفع مبلغ يصل إلى 3 آلاف ريال في اليوم ما دفع بكثير من الباعة إلى البيع في الشوارع، ولم يكلفوا أنفسهم حتى التفكير في كسر هذا الاحتكار وفتح أسواق كبيرة داخل المدينة وتأجيرها للمقاوتة والبسطاين، بل فكروا فقط كيف يطردون هذا البائع المسكين إلى خارج المدينة وتمادوا في الحملة حتى منعوا الناس من بيع القات في دكاكين مستأجرة بل وأعطوا عمال البلدية الاستعانة بجنود مسلحين لملاحقة باعة القات ليل نهار واقتحام دكاكينهم ومنازلهم لأنهم مخالفون “.
تحدث آخر ” نحن لدينا خضرة نجلبها من المزارع ونبيعها للناس، لا يمكن أن نمارس عملنا في سوق يبعد عن مركز المدينة عدة كيلومترات. لقد دمر هذا القرار حياتنا ولم يعد لدينا ما نخسره “.
ماذا وراء الأكمة ؟
كانت أسئلة الباعة مقنعة كثيرا لي فأخذت أفتش عن سبب وجيه ربما لا يعرفه الناس دفع السلطة المحلية في تعز إلى اتخاذ هذا  القرار النادر وكيف أن أسواقا لبيع القات في وسط المدينة ظلت تعمل ولم تشملها الحملة في حين استعان بائعون آخرون في وسط المدينة القديمة ب ” شلة مسلحين”  أبلغوا المسؤولين أن مقتلة ستحدث لو أنهم أرسلوا الأطقم العسكرية لمنع بيع القات في المدينة القديمة  .
كثيرة المبررات التي سمعتها من متعاملين ومواطنين واختصاصيين بشأن دواعي نقل أسواق القات إلى خارج المدينة والفائدة التي حققتها المحافظة وسكانها، وحاولت مرارا الحصول على إجابات من مسؤولين واتصلت مرارا بهم للاستفسار عن حملة منع أسواق القات، لكن هيهات .
كثيرون أجمعوا أن العملية تمت في إطار حملة تبناها المجلس المحلي ل ” إزالة العشوائيات”، وتبين تاليا أن الحملة تجاهلت كل عشوائيات المدينة واكتفت بوضع أسواق بيع القات والبسطات في مقدم ووسط وذيل قائمة الحملة ! .
لم يكن نقل الأسواق وطرد البساطين جديدا في الواقع فقد صدر القرار في2002 لكنه أجهض نتيجة تدخل المحافظ الحجري الذي وجد بذهنية القاضي أن لا مسوغ قانونيا ولا حضاريا ولا اقتصاديا يعطي صاحب المبادرة الحق في منع البساطين وبائعي القات من العمل في أسواق المدينة طالما وما يبيعونه من سلع غير  محظورة  بموجب القوانين النافذة .
أغرب ما سمعته أن قضية نقل أسواق القات كانت موضوعا ناقشته مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة التي يشرف عليها الملياردير شوقي هائل، إذ تطوعت المؤسسة ضمن “جهدها الثقافي” لمناقشة دراسة ” إعادة تنظيم الأسواق في تعز ” رغم أن القضية ليس فيها علوم ولا ثقافة .
كانت الدراسة على صلة بقضية العشوائيات في تعز التي تحولت يومها إلى هاجس يومي لدى بعض قيادات المجلس المحلي؛ هذا المجلس الذي فشل فشلا ذريعا في حل المشكلات التعليمية والصحية، وأخفق كليا في تنظيف المدينة من طوفان الذباب والبعوض الذي ينهش بحياة الآلاف، وكذلك المجاري الطافحة وركام القمامات في الشوارع والأحياء الشعبية والفقيرة التي تحكي بصمت قصة الفشل الذريع لهذا المجلس في حل مشكلات الناس .
ضمن ذرائع كثيرة تحدث قائد الحملة الملياردير شوقي عن مشاكل ” اجتماعية  ومرورية وأضرار بيئية “، بل أنه ادعى أن وجود الأسواق العشوائية يؤدي إلى ضياع  أكثر من 500 مليون ريال كضرائب للقات سنويا “تذهب إلى جيوب المنتفعين” عوض خزينة المجلس المحلي !! 
مضت سنوات ولم يسأل أحد الرجل عن ريع ضرائب القات التي تعهد بجنيها بعد نقل أسواق القات إلى خارج المدينة في حين أن الرجل ومعه مناصروه لم يتحدثوا يوما عن حجم الإهدار الناتج عن الشلل الكامل الذي يعانيه ميناء المخا الذي تحول إلى وكر لتسيير نشاطات مشبوهة للمافيا التي يعرفها مؤيدو  نظرية العشوائيات أكثر من غيرهم .
الأدهى والأمر أن المتحمسين للحملة لم يكفوا عن إطلاق تصريحات خرافية على شاكلة ” محافظة بلا عشوائيات” ” ومشاريع ” لتحويل أسواق القات إلى متنفسات وحدائق”ضمن خطة ” الحفاظ على المظهر الحضاري لتعز والتخفيف من الزحام والمخلفات” …. إلخ.
في مبررات أخرى اعتبر مؤيدو قرار الملياردير أن المقاولين الذين يشرفون على أسواق بيع القات وبعضها مملوك لهم يحصدون الملايين من دون أن تستفيد منها خزينة المجلس المحلي الفارغة، واكتشفوا تاليا أن وجود سوق واحد يشرف عليه المجلس المحلي سيضمن إيرادا كبيرا من تأجير دكاكين لبيع القات، لكن هذا المشروع سقط كليا واكتفى المجلس المحلي بإبرام صفقة مع مقاول لتأجير دكاكين السوق بواقع 500 ريال في اليوم بنظام “العرصة ” وفرض رسوم أقل على البساطين على أن يورد هذا المقاول مبلغاً مالياً متفقاً عليه إلى المجلس المحلي.
في وأقع الأمر لم تكن نظرية طرد البساطين ونقل أسواق القات سوى قراءة غبية للمشكلة ونتائجها لأن أسواق القات العشوائية كانت فقط تحتاج إلى تنظيم وليس إلى نقل إلى خارج المدينة، كما أن الحديث عن إيرادات جديدة للمجلس المحلي لم يكن سوى ذريعة خصوصا وأن المجلس لم يقدم أي جديد في الآليات المعتمدة لتحصيل ضريبة القات، كما أنه يتعامى ولا يزال عن ملايين تهدر شهريا في عقارات الدولة التي تتمركز في وسط المدينة وفي أكبر أسواقها حيث إنها مستأجرة منذ عقود لأفراد بمبالغ مالية زهيدة للغاية في حين يؤجرها المستفيدون بملايين الريالات سنويا .
ما لم يكن معروفا في “حملة الذرائع” الحديث الصامت عن موقعة تحد قادت الملياردير صاحب المبادرة إلى إقفال أحد أسواق القات في المدينة لم تكن بعيدة عن عراقيل تواجه تجارة الجملة نتيجة وجود أسواق القات، وهو السبب الرئيس الذي يعتقد أنه قاد إلى حملة نقل أسواق القات والبسطات من داخل المدينة إلى خارجها .
تداعيات خارج السيطرة
انتابتني موجة إحباط عندما سمعت البعض يتحدثون بحسرة وألم عن تجاوزات وحرب شوارع فاقت التوقعات استخدمت فيها دوريات الجيش والأمن وكذلك فرق الملاحقات التي طالما استعانت ببلاطجة لتنفيذ قرار نقل أسواق بيع القات والبسطات إلى خارج المدينة. زاد من ذلك ما أكده باعة من أن هذا القرار كان الغي في وقت سابق من المحافظ الحجري وعاد تاليا مع تولي المحافظ الصوفي رأس المحافظة، وكأن الأسباب القانونية والاقتصادية والحضارية التي منعت المحافظ السابق من تنفيذ القرار نزلت من  السماء إلى الجديد لتجد طريقها للتنفيذ بسرعة وبإصرار غير معهود .
المشاهد والملموس أن حملة المنع والمطاردة القاسية خلفت آثارا مدمرة على شريحة واسعة من السكان الذين خسروا كل ما لديهم نتيجة القرار سيئ الصيت.
 عبر عن ذلك عبد  الواحد العريقي الاختصاصي في الدراسات  الاجتماعية بالقول:  ” مشكلتنا أن المسؤولين عندما يجدون مصلحة في قضية ما يبتكرون لها مبررات ويطوعون لها نصوص القانون بل ويحولونه إلى ذرائع زائفة يخدعون بها أنفسهم أولا ثم يقنعون بها من حولهم ويدفعون الجميع لتقبل أي قرارات جائرة وغير قانونية” .
لم أتحمل وقع الصدمة عندما زارني أحد جيراني وهو في حال يرثى لها إذ أكد أنه خسر كل ما لديه بسبب قرار نقل أسواق القات، فقبل سنوات كان الرجل يعول أسرة كبيرة ويعيش مستقرا لكنه فقد كل شيء بسبب تداعيات هذا القرار إذ تعرض مرارا لعمليات مصادرة بعدما لجأ إلى بيع كل ما لدى أسرته من أجل توفير رأس مال بسيط يمكنه من مزاولة عمل .. لم يكن هذا الشاب في الواقع سوى نموذج لحالات كثيرة دمرت حياتهم تماما تحت يافطة ” الحفاظ على المظهر الحضاري” .
يتحدث باعة القات في تعز اليوم عن اليد الغليظة ل ” أوباما ” المسؤول عن تنفيذ قرار المنع ميدانيا وأنتجت واقعا مخيفا نتيجة المطاردة والمنع إذ إن كثيرين انخرطوا في حملات المطاردة هذه من دون أجر مكتفين بما يتم مصادرته من البسطات وبائعي القات المخالفين وغيرهم من ” المودفين ” .
أتاح غياب آلية لتنفيذ القرار وغياب الرقابة لمتنفذين كثر مدنيين وعسكريين من المشاركين في حملة منع أسواق القات النزول إلى الشارع لمطاردة بائعي القات في الفنادق والدكاكين ليلا ونهارا  ففي هذا  السوق أو ذلك قد يعثر على مواطن منهوب أوقعته ظروف القهر في دائرة المخالفة وسيكون مضطرا إلى إعطائهم كمية قات مجانية لأن الخيار الآخر هو مصادرة رأس ماله كاملا، ناهيك عن أنه سيكون عرضة للزج به في سجن مفتوح للجميع ولا يتيح لأحد التشكي أو التظلم .
يؤكد بائعو القات أن” المكلفين بمطاردة المخالفين صاروا يضمون أقاربهم وأصدقاءهم في حملات المنع والتفتيش، وأحيانا يستخدمون بلاطجة مشهورين بالرصد والتربص بالبسطات المختبئة وبالسيارات التي يستقلها بائعو القات، واقتحام البيوت والفنادق والدكاكين في الأزقة وإرباك الباعة مقابل الحصول على “تخزينة ” .
حالات كثيرة لاقتحام منازل وفنادق سجلت خلال الفترة الماضية وأخرى يتعرض فيها البساطون وبائعو القات لانتهاكات كبيرة بالحبس والمصادرة لبضائعهم بذريعة قرار المنع، ولم تجد أية قضية طريقها للمحاكم أو للمحاسبة، فهؤلاء يتكئون على قرار ليس له آليات واضحة وليس له ضوابط، ويركنون على حماسة مسؤولين لا يعرفون ما يدور في الشوارع  والأزقة ويصعب عليهم التكهن بتخريجات من اختراع العاملين في حملات المطاردة ومساعديهم .
إرهاب وخسائر
رغم الجهود والخسائر التي تكبدها لم يستطع المجلس المحلي وفرق المكافحة التي أشرف عليها بداية والملياردير صاحب المبادرة السيطرة على البلاطجة الذين استخدموا لتنفيذ قرار منع أسواق القات في المدينة، فهؤلاء يعتمدون على صفقات آنية مع بلاطجة أو معارف لتنفيذ ” هجمة مفاجئة توقع  ببائع قات في شارع أو في سطح عمارة أو فندق أو دكان أو حتى في سيارة مقابل تخزينة.
لا أحد يسأل عن المخالفات إذ يكفي المسؤول الكبير في حال انكشف أمر هؤلاء أن يعرف أنه تم الزج بأحد الباعة في السجن لأنه مخالف ! وفي أحيان يكفي أن يحصل المناوب أو مسؤول الحجز على  “تخزينة” لتغطية ما حصل للبساطين أو بائعي القات الذين يفقدون أحيانا كل ما لديهم في لحظة انفلات.
ما يقوله الناس اليوم إن الخسائر التي تكبدتها خزينة المجلس المحلي في نشر أطقم وقوات عسكرية وفرق مطاردة لتنفيذ قرار طرد البسطات وأسواق القات العشوائية ومطاردة المخالفين، كان يمكن أن توجه لصالح بناء أسواق نموذجية تلبي الحاجة وموزعة على التجمعات السكانية وتحل في الوقت نفسه هاجس ” المظهر الحضاري “.
ويؤكد هؤلاء أن القرار فشل فشلا ذريعا لأنه كان جزافيا ومتهورا ولم يضع في الاعتبار النتائج المرتبة عليه، كما لم يثمر عن أية نتائج سوى أنه فتح شهية الحالمين بإعادة الحياة إلى سوق عصيفرة الذي كان بني قبل عقود وتركه الناس مدينة أشباح .
Abubkr.a@gmail.com