مصر على مفترق الطريق!

مصر على مفترق الطريق!

إلهام مانع
“الثورات تُسرق! يبدأ بها الحالمون، ثم ينقض عليها المنتهزون، ثم قد تتحول إلى فاشية، فيأتي يوم  نتحسر فيه على أيامنا هذه!”
قالها لي صديقي المصري العزيز. صديقي وهو شقيقي، ورغم ذلك نختلف أحيانا في المواقف والآراء. استمعت إليه بتمعن. لا لشيء إلا لأنه في كثير من المواقف أظهر بُعداً في النظر، وعادة كنت أجد أن ما قاله فيه كثير من الصواب. ما قاله في كثير من الأحيان تحقق.
استمعت إليه لذلك وأنا أختلف معه.  وفي الواقع لم أختلف معه في حياتي كما في تلك اللحظة. لكن ما قاله حرك نبضاً في داخلي.
كم منا التفت إلى أعماله في الأيام الماضية؟ عن نفسي، وجدت نفسي روحاً وفكراً في مصر. قلبي معها. وكما قلت لزوجي لم أشعر بالجزء المصري فيّ قوياً كما في هذه الأيام. أدمدم أغنية ام كلثوم “مصر التي في خاطري”، ودموعي تنفر من عيني. ومرت علي لحظات تمنيت فيها لو كنت في ميدان التحرير مع هؤلاء الشباب. والشابات.
من يتابع موقعي على الفيس بوك ورسائل التويتر التي أكتبها يدرك أني اتخذت موقفاً منذ البداية بدعم ثورة شبان وشابات مصر. لم أتردد لحظة. بل صدقت ولازلت أصدق أن دافعهم هو محبة مصر ورغبتهم في التغيير. يريدون وطناً يستحق أن يحمل  اسم مصر. يحترمهم وحقوقهم. مصر، أعرق دولة في التاريخ، وطن لهم ولهن. وطن كل أفراد الشعب، مسلمين مسيحيين يهود بهائيين ملحدين، رجال ونساء. وطنهم جميعاً. لا وطن قلة نفعية فاسدة.
وزاد اقتناعي وأنا أرى بعضاً من قبس النور يتوهج ضمن الأحداث.
صديقة لي عزيزة شاركت في تظاهرات التحرير المليونية في ال30 من يناير الماضي رسمت هذه الصورة لي:  “كنا نمثل كل أطياف مصر، غني وفقير، رجل وامرأة، مسلم ومسيحي وغير ذلك، البواب وخريج الجامعة الأمريكية، وعندما غنينا النشيد الوطني- بلادي بلادي لك حبي وفؤادي – أقشعر بدني، وبكيت، ولم أكن وحدي”.
ثم صورة قداس الأحد نظمه مصريون مسيحيون في ميدان التحرير،  والمصريون الأقباط يحمون ظهور المصريين المسلمين وهم يصلون، ثم نساء ورجال يصلون معاً. لحظة من التاريخ جمعت الإنسان المصري بتعدديته ووحدته على هدف واحد. يريدون تغيير النظام.
ولذلك انبعث الأمل أن يخرج من رحم هذه الثورة تغيير يؤكد على ديمقراطية الدولة، مدنيتها، واحترامها لحقوق المواطنة لكل أفراد شعبها.
أليس هذا ما نريده من أوطاننا؟ أليس هذا ما نكتب وندافع عنه؟
لكن صديقي يتابع ما يحدث بقلق. بتوتر. نعم يتابع ما يحدث وهو وجل.
ورجوتكَِ ألا تفهماه خطأًَ. لأن صديقي وهو في مصر، هو روح مصر. هل تسمعانني، هو روح مصر. يحبها كما لو كانت هواءه الذي يتنفس. هي دمه الذي يجري في عروقه. مصري معجون بطين مصر.
ورغم ذلك كان متحفظاً.
قال لي: “تمر علي لحظات حالمة، أهمس فيها لنفسي،  ياريت، ياريت يخرج من ده كله دولة ديمقراطية، تحاسب الفاسدين،  وشرطة تدافع عن الناس… وتلاقيني بأحلم معاهم. ثم بعدها بثانية أتشاءم. التغيير كلنا موافقين عليه. بس تغيير من ماذا وإلى ماذا؟ وإزاي؟ وفين الرؤية لهذا التغيير؟”.
   صديقي يتساءل كيف يمكن أن يحدث تغيير في غياب قيادة فعلية لهذه الثورة. قيادة تضع مصلحة مصر، ديمقراطيتها ثم مدنيتها والحريات المدنية على رأس أولوياتها، وتفاوض السلطة عليها.
وإذا كنت أنا أرى الومضات من القبس في ما يحدث، يفزع هو من بعض المواقف التي لا تعبر عن بعد رؤية ولا مقدرة على إدارة دولة:
شاب يعتبر أن خراب السياحة المصرية “ليس مهماً” لأنها “لا تفيد سوى فئة قليلة”.
“المصدر الثاني لدخل مصر”، يقول صديقي، “ليس مهما؟”.
آخر يعتبر أن إقفال قناة السويس ممكن “ماهي الناقلات الأمريكية هي التي بتمر فيها”. قناة السويس الشريان الحي للنقل البحري!
“التغيير كلنا موافقين عليه” يصر صديقي. “بس كل ما يغذونا به هو شعارات بدون ضمانات. وإذا كانت الضمانة من الناس. فالناس اللي هايجة هي اللي بتخوفني”.
“الناس اللي هايجية هي اللي بتخوفني”.
“لأن الهياج لا يمكن أن ينتج عنه دستور يكون مدني ديمقراطي”. يقولها وصوته يرتعش.
هل بدأتما تتشاءمان كما أنا من حديث صديقي؟
أنا أغص بالفعل من حديثه. لكني أجد أن ما يقوله فيه منطق. لأن أصعب الأشياء هو أن تُدخل قدراً من العقلانية والمنطق في مسار الأحداث عندما تحدث الثورات.
 وثورة مصر كانت ضرورية. هذا لا شك فيه.
لأن الأوضاع كان لا يمكن أن تستمر كما كانت عليه. جمود سياسي تشعر به كما لو كان النظام قد تحنط في تابوت، يكذب الكذبة ويصدقها، ثم يستغرب أن أبناءه وبناته لا يصدقون. وتفاوت في توزيع الثروات ثم فساد وبطش بالحريات ورغبة في فرعنة النظام وتوريث السلطة. كل هذا كان يجب أن يتوقف. وقد تمكنت الثورة من إيقاف توريث السلطة فعلاً. لكن هل ستتمكن من تغيير النظام وبصورة تتوافق مع تطلعات من أطلقوا ثورة الفيس بوك؟
صديقي يقول لي “إن مأساة الشعارات الجميلة أنها لا تؤكل عيش”. وأنا أرد عليه “إن الإنسان إذا لم يحلم بالتغيير سيختنق ثم يموت”.
وكلانا متفقان على أن الهدف هو مصر، أن تكون وطنا لأبنائها وبناتها. ثم نبراساً للتنوير من جديد.
ولأننا متفقان على الهدف اتفقنا أيضاً على العبارة التالية: “كي يحدث التغيير نحتاج إلى العقلاء من شعب مصر، كي تصبح الثورة فجر مصر الجديد”.
إلهام مانع (وصديقها)