إنه فجر جديد..

إنه فجر جديد..

نشوان محمد العثماني
أخيرا دبت الحياة, وعادت لنا مصر بعد طول غياب.. وأيّا كانت المرحلة المنصرمة في حياة الشعب المصري الشقيق, وما أكثر مآسيها, لكنها رحلت, ورحلت دون رجعة, وبزغت على أرض الكنانة شمس الحرية الجلية, وتنفس المصريون هواء النيل العليل والكرامة تعلو هاماتهم, وعلى هاماتهم الكبرياء وعلامة الانتصار, فتحية إجلال وإكبار لشعب مصر العظيم, وتحية إجلال وإكبار لشعب تونس العظيم, وخالص أمنيتي أن تحذو الشعوب العربية الأخرى من محيطها إلى خليجها حذو الأشقاء في ثورة الياسمين, وثورة ال25 من يناير.
حقا لقد أشرقت شمس الحرية والكرامة العربية من المغرب هذه المرة.. ليس ذلك من علامات الحياة الأخروية, إنما هو الرد الطبيعي, والمنتظر منذ سنين, على السياسات القمعية التي انتهجتها الأنظمة العربية المستبدة والفاسدة من محيطها إلى خليجها.
كم ستمكث هذه الأمة العظيمة والعريقة تعاني من الفقر والظلم والتهميش والاستبداد؟ كم ستظل تعاني من فقدان الإرادة الشعبية أمام حفنة من البلطجية من الذين اعتلوا أمرها في غفلة من التاريخ, وبالتفاف فاضح على مبادئ وقيم الحضارة التي أسستها هذه الشعوب وفاخرت وتفاخر بها؟
إلى متى سنظل شعوبا فاقدة أبسط مقومات العيش الكريم مع أن بلداننا هي أغنى بلدان العالم قاطبة بثرواتها؟ شبابنا أصبح متسكعا في الشوارع.. خارج قاعة المحاضرات.. بعيدا عن المدرسة.. لا يدري أي منا ما سيكون عليه غده القريب.. لا نملك أدنى مقدرات العيش بكرامة..
ظروف اجتماعية قاهرة أصبح الملايين من الأمة العربية يرزحون تحتها ويتجرعونها, بينما هناك من يأكل بملعقة ذهبية, وينام على أجود أنواع الحرير.. أصبحنا في زمن “تموت الأسد في الغابات جوعا”, وفي زمن “ذو جهل ينام على فراش, وذو العلم ينام على الترابـ”.. شريعة من هذه؟ بأي منطق أن تقبل الشعوب هذا؟ لا يعتلي رئيس عربي الحكم إلا وحوّل البلد إلى ضيعة له ولأقاربه ولأولاده ولزوجته, ولحشمه وخدمه, دون خجل واستحياء, وحقا “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.
وعالميا هبطت مكانتنا إلى الحضيض.. فأن تكون عربيا فأنت رمز للتخلف والفقر, بل ورمز للنغمة السخيفة المسماة بـ”الإرهابـ”. كما أنك وأنت عربي رمز للتبلد في عصر تجاوز فيه الإنسان الغربي والشرقي معا حدود الأرض, بل وربما تجاوزوا حدود الفضاء. لماذا؟ لأن لدينا حكاما لا هم لهم إلا ملء البطون وإشباع الرغبات والشهوات لا فرق بينهم وبين أي حيوان خلق على ظهر هذه البسيطة ليأكل ويشرب.
إن لحظة تاريخية نادرة قد بدأت فعلا.. فإن كانت كثير من الدماء العربية قد ذهبت هباء وسالت رخيصة, فإن الدم الذي احترق في ال17 من ديسمبر من العام المنصرم, لم يذهب كذلك, فالروح التي اشتعلت بالنيران, للخالد الذكر محمد البوعزيزي (26 عاما), آن لها أن توقظنا جميعا من سباتنا العميق.. صحيح أن الأمة العربية حين تنام يتأخر استيقاظها, لكنها حين تستيقظ تملك القدرة والاستطاعة أن تصلح ما أفسده بعض الرجال من أبناء جلدتها من الذين ارتضوا بيع الكرامة العربية, بل وارتضوا الذل والخنوع والعمالة.
وحقيقة لا أدري كيف يرتضي حكامنا لأنفسهم اتباع منهج العمالة في حكمهم لأوطانهم.. فمن حق النظم العالمية اليوم, أيا أكانت, أن ترعى مصالحها وتحافظ عليها في كل أرجاء العالم.. لكن لماذا نحن أيضا لا تتولد لدينا النزعة والحس الوطني والثوري للحفاظ على مصالحنا؟ لماذا لا تكون بيننا وبينهم قواسم مشتركة؟.. أعرف تماما أنه لا استطاعة لنا أن نعيش في قطيعة مع الآخر, لكن بالمقابل لماذا نبقي على منهج العمالة ولا نذهب للحفاظ على كرمتنا وعزتنا, بلا ضرر ولا ضرار؟
لم تعان شعوبنا من العيش تحت خط الفقر فحسب, بل وعانت أيضا من امتهان كرامتها على يد هؤلاء الحكام.. انظروا كيف عم الفرح الدول العربية من محيطها إلى خليجها, كأن الشعب المصري طرد مستعمرا غازيا, لا كأنه أزاح حاكما.. حاكما مثله مثل فرعون, إذ كان ينقصه أن يقول علانية: أنا ربكم الأعلى.
فرحتي وسعادتي غامرة برحيل فرعون مصر الجديد “محمد حسني مباركـ”, إن هذا الرجل إن كانت له أمجاده في حرب أكتوبر الشهيرة وفي غيرها, لكنه كان قد أضاعها بغطرسته واستبداده طيلة ثلاثة عقود.. وليس حسني مبارك لوحده من يتمتع بهذه الصفات التي كانت قد ولت إبان العصور الوسطى عصور الظلام, لكن لدى أمتنا أصناما شبيهة ومماثلة, وهي الآن ترتعد خوفا من غضب شعوبها التي حرمتها من كل شيء جميل طيلة عقود من الزمن.
إن مسألة التغيير حانت وبدأت ولا رجعة عنها.. ويجب أن تحل اللحظة الثورية في أي بلد عربي يلزمه التغيير للأفضل, وبظني معظم الأقطار العربية يلزمها ذلك.
وإن أفضل ما يمكن للأنظمة العربية أن تسديه لشعوبها, وخصوصا الجمهورية منها, وبعد السنين والعقود العجاف, هي أن تقدم فورا ودون تردد على الاستقالة, وتنظيم فترة انتقالية, بشجاعة واقتدار إن كانت تملكهما؛ حتى تتنفس الشعوب الحرية والكرامة دون أن يكون هناك مزيد من سفك الدماء وسقوط الأرواح.. وحتى تعيد للنظم الجمهورية معناها والتي أصبحت لدينا نحن العرب غير مختلفة عن الأنظمة الملكية. وما لم فللشعوب أن تملك خيارها, وليست الأقطار العربية الأخرى بمختلفة عن الأشقاء في تونس ومصر. فالمعاناة واحدة والاضطهاد واحد..
***
تحية للنابغة الاستثنائي الخالد “أبو القاسم الشابي”.. نبشرك أن الليل انجلى وسينجلي.. وأن القيد انكسر وسينكسر.. وأن الصبح أتى وسيأتي.. ونحن نريد الحياة.
***
وتحية كإشراقة الشمس لقناة “الجزيرة” التي كان لها الأثر البالغ والدور الأبرز في مساندة الثورة المصرية, وقبلها الثورة التونسية “ثورة الياسمين” التي أطلقت وستطلق شرارة الثورات العربية.
وسيكون النصر حليف الشعوب العربية والكادحين فيها, طالما كانت هناك إرادة, وطالما كانت هناك “قناة الجزيرة”.
***
وتحية أيضا لموقع “فيسبوكـ” الشهير الذي لن ننسى إسهامه الكبير في ثورة تونس, وفي الثورة المصرية.. إنه حاضن اجتماعي مهم. ملتقى الأفكار, وساحة لتبادل الرؤى. بل وأصبح المكان الذي يشهد بداية المخاض للثورات العربية في القرن الحادي والعشرين.
****
انتهى الماضي وبزغ فجر جديد..
***
“لا تخف يا أخي. لأني ما زلت أملك شيئاً. لأن حظي لم يسلبني كل شيء”.. طاغور.
nashwanalothmaniMail