“الشعب خلاص أسقط الرئيس”

“الشعب خلاص أسقط الرئيس”

ابتهال الضلعي 
وأخيراً تغير هتاف الملايين من المتظاهرين في ساحات وشوارع محافظات مصر بعد 18 يوماً من الاحتجاجات المتواصلة والعمل الذي لا نستطيع إلا أن نصفه “بالعفوي والمنظم”، والذي أثار اهتمام العالم بأسره من سياسيين واقتصاديين ومحللين، ودفع برئيس أعظم دولة في العالم باراك أوباما لإلقاء كلمة بعد تنحي مبارك حيى فيها شباب مصر وتلاحمهم، واصفاً قوتهم بالأخلاقية التي غيرت التاريخ.
تغير شعار الشارع المصري إلى ” الشعب خلاص أسقط الرئيس” يهتفونها بحلاوة المنتصر الذي لم يصبر 18 يوماً في قلب ورمز الثورة “ميدان التحرير” وفي كل أرجاء مصر فحسب، بل صبر لمدة 30 عاماً من الظلم والقهر الذي ما كان له إلا أن ينفجر يوماً في وجه من صنعه في شكل صرخة حضارية يقف لها العالم اليوم بأسره احتراماً وتقديراً وإعجاباً، أقول إعجاباً لأن شباب مصر لم يكن على مدى الأيام الماضية يغير وضعاً داخلياً فحسب، بل كان يرسم صورةً جديدة مشرفة لكل العرب في أذهان العالم الذي ترسبت لديه قناعات وعلى مدى سنوات بأن الوضع العربي لا يتسم إلا بالضعف والحكم العسكري الطاغي والهوان الشعبي الذي رسمه واقع حقيقي وإعلام صور شعوب المنطقة بالهزيلة التي لا تقوى على قول “لا” لمن يحكمها فما بالك بمن يعاديها.
صدق المناضل مارتن لوثركنج القائل “إن في الروح شيئاً ينشد الى الحرية”، فمهما تفننت حكوماتنا العبثية في قمع الأرواح وبمختلف الوسائل البشعة المتمثلة في تجويع الشعوب تارة وإنهاكها بقمع الحريات والإذلال تارةً أخرى، فإن شيئاً فيها يظل وسيظل يتوق شوقاً لانتزاع هذا الحق “الحرية”.
ثورة مصر، ثورة الشعب، ثورة ال 25 من يناير وكل ما سيطلق عليها من مسميات قد أصبحت مفصلاً في تاريخ المنطقة والأمة العربية والإسلامية بل وفي تاريخ العالم بأسره دونما شك. هذه الثورة التي كغيرها كانت لها أدواتها والتي يمكن أن نختزلها ب “الإعلام”. فقد كانت بداية شرارة ثورة مصر إلكترونية حين بدأ عدد من الشباب المصري بضخ الحماس والدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي ” فيسبوكـ” و” تويتر” للقيام باحتجاجات سلمية لتغيير الوضع في مصر من خلال مطلب أجمع عليه المصريون بمختلف توجهاتهم السياسية والثقافية ومستوياتهم التعليمية والاقتصادية، وهو إسقاط النظام والرئيس. استكمل الإعلام دوره في هذه الثورة من خلال قناة الجزيرة التي غيرت خارطتها تماماً، وأفردت بثها للتغطية المباشرة والتحليل والتواصل مع المتظاهرين أولاً بأول، ورصد مشاعرهم وخططهم لحظة بلحظة لترتفع نسبة متابعة موقع الجزيرة الإنجليزية حوالي 1000% وموقع الجزيرة نت إلى 2500%. هذه النسبة المهولة تؤكد لنا مدى أهمية الدور الذي لعبه الإعلام في هذه الثورة والذي كان الوسيلة أيضاً لمعرفة تحركات الملايين عندما قطعت خدمات الإتصالات وحجبت مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت. وما إيقاف بث القناة على النايل سات وإعتقال مراسليها إلا دليل واضح على إدراك أهمية هذه الوسيلة ليس في إعلام الناس فحسب بل في تشكيل روحهم المعنوية وحماية ثورتهم من الدسائس التي كان يحاول النظام دسها لإفشالها، وحماية أرواحهم أيضاً من خلال تسليط الضوء على الانتهاكات التي تعرض لها المتظاهرون من دهس بسيارات مجنونة “كما أطلق عليها” وضرب وهجوم من قبل أفراد الأمن واستخدام لقنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي وحي وخراطيم مياه وخيول وبعير أيضاً كمحاولة تقليدية أخيرة بعيدة عن الأدوات القمعية الأخرى.
أسدل الستار “مبدئياً” على حدث سمّر الملايين أمام شاشات التلفزة والكمبيوترات لمتابعة ما يفعله الملايين من أبناء هذا الشعب العظيم من تحركات وما يطلقه من شعارات وما يقوم به من أدوار عكست الوجه الحضاري لهذا الشعب رجالاً ونساءً، فهذه طبيبة ميدانية، وهذا مفتش عند مدخل الميدان، وهذا منظم مرور، وهذا فريق تنظيف يعمل بلا كلل، وهذا جمع من الشباب يحمي الممتلكات العامة والخاصة، وهذا شاب انزوى في أحد أركان الميدان كمسؤول أمانات يحتفظ بكل ما تم التقاطه من محافظ نقود وهواتف فقدها أصحابها في زحمة المكان.. وهذ تتفنن في رفع عبارات ساخرة، وذاك يطلق شعارات رنانة تثير الحماسة، أدوار تكاملية نسجت حالة غير مسبوقة من التلاحم والقوة والإصرار على تحقيق ما كان تمنياً بالأمس وأصبح حقيقة اليوم.
دور الإعلام بدءاً من الأعمال الدرامية والسينمائية المصرية أيضاً والتي تعتبر الأهم في الوطن العربي والأكثر تأثيراً، فحب مصر نجده في طياتها بشكل أو بآخر حتى في سياق النقد الذي اتسمت به العديد من الأعمال مؤخراً، وهذا ساعد في تراكم فكرة أن مصر هي الأهم لدى كل مواطن مصري بغض النظر عن حالة الفساد والتململ التي يعاني منها. تلى ذلك عدد من البرامج التي بدأت دينية وتحولت مع الوقت إلى برامج تنموية تدعو إلى النهضة واستغلال الطاقات الشبابية وبث روح الأمل كالتي قدمها الداعية عمرو خالد والعديد من الشباب المصري الذي آمن بفكرة التغيير،  وبثت على مختلف القنوات الفضائية. كل هذا ما كان إلا نوعاُ من التعبئة الاعلامية المباشرة أو غير المباشرة،المقصودة وغير المقصودة. كل هذا وبلا أدنى شك أسهم في تشكيل هذا الوعي وهذه الروح وهذه الأخلاق العالية التي ميزت ثورة الشعب المصري والتي سيسجلها التاريخ كثورة نقية لم تقم على العنف ولا التخريب بل على الوعي والحب والأمل.
” مباركـ” لشعب مصر هي غيرها اليوم من مبارك مصر معنىً ودلالة، فقد رحل الرجل وارتضى لنفسه أن يكون الرئيس المخلوع لا السابق. ونحن كشعوب عربية من اليوم لن نرتضي إلا أن نكون شعوباً مرفوعة الرأس لا منكسرة بحوله تعالى.
همسة:
للجميع: مبروك لنا عودة مصر إلى الريادة.
للأخ الرئيس: قلت بعد خلع زين العابدين بن علي “اليمن ليست كتونس” فهل اليمن ليست كمصر؟!