يقظة الشعوب العربية.. إنه يوم الفصل

يقظة الشعوب العربية.. إنه يوم الفصل

نادرة عبدالقدوس
ها هو المارد العربي يستفيق من سباته ويصرخ في وجوه الطغاة الذين يجثمون على صدره ردحاً من الزمان، ليرحلوا ولا شيء غير الرحيل. إنه يوم الفصل، ولن تشفع لهؤلاء ولا لمنافقيهم وزبانيتهم وولية أمرهم ماما أمريكا ولا غير أمريكا، لأنه لات حين مناص، فقد حصحص الحق وزهق الباطل.
ما يحدث في تونس ومصر واليمن ولبنان، وما سيحدث، حتماً، في البلدان العربية الأخرى، هو مشهد تاريخي لم يتنبأ به المنجمون، ولم يعلم به سوى الخالق العالم العليم الذي قال في كتابه المجيد: “من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه”، وقال في القساة قلوبهم كالحجارة أو أشد منها، أولئك الذين يحسبون أنهم يملكون الأرض بما رحبت: “قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذاً لا تُمتَّعون إلا قليلا”.
بن علي فر بجلده وهو يظن أنه حل عن نفسه مسؤولية القتل والدمار واغتصاب السلطة والتهام ثروات البلاد الغنّاء الخضراء. ولم يدر في خلده يوماً أن اليوم الذي سيُسأل فيه عن مصدر ثروته وما جنته يداه الملطختان بدماء أبناء شعبه طوال 5 عقود آتٍ لا محالة. وينتظر باقي أقرانه في مصر واليمن والسودان والجزائر وليبيا ومن لف لفهم، ذات المصير، فهيهات أن ينام المارد مرة أخرى، وهيهات أن تنطلي عليه سياسات عفا عليها الزمن، فاليوم لا تنفع صداقات أمريكية أو بريطانية أو فرنسية أو.. أو.. إذ إن زمن الغضب الجماهيري له سمات القيامة، أما شياطينهم فهم “لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضَرون”.
اليوم الريح الصرصر العاتية تجرف مخلفاتهم وتجتث جذور أنظمتهم السياسية الفاسدة. ومن المفارقات العجيبة أن هذه الهبّة الجماهيرية العربية العفوية التي تجتاح الأرض العربية على طول وعرض الوطن العربي كحمم بركانية، تأتي متوافقة مع المتغيرات المناخية الجديدة التي يشهدها العالم أجمع مؤخراً، من أعاصير وأمطار وزلازل وبراكين وفيضانات نتيجة اتساع ثقب طبقة الأوزون في الفضاء الخارجي، وباتساع مساحة الفساد في الطبقة الحاكمة، في الوطن العربي، ثارت براكين الغضب واندلعت نيرانها، وكأنما السماء اتفقت مع الأرض على إحداث التغيير في الكون، فمرحى للأعاصير ومرحى بالتغيير المناخي والتغيير السياسي معاً، وألف رحمة على الشاب بوعزيزي التونسي الذي لم يدُر في خلده أبداً وهو يشعل النار في جسده احتجاجاً على الظلم الذي لحق به، أنه في فعلته تلك إنما أشعل فتيل اليقظة الشعبية في كل أرجاء الوطن العربي، وأن هذه النيران ستمتد من تونس الخضراء إلى مصر السمراء، ومنها إلى الأردن والجزائر وليبيا واليمن والسودان حتى آخر بقعة عربية، ولو بعد حين، ولن يهنأ هؤلاء الحكام ولو كانوا في بروج مشيدة.
صحوة الشعب المصري اليوم لا رجعة عنها، ولا تراجع عن قراره في تغيير النظام السياسي الراهن الذي ما زال يكابر ويظن أن الشعب لعبة بيديه، وأن من خرج إلى الشارع مجرد شباب طائش لا يعرف أبجديات السياسة، وأن مطالبه بسيطة، فقام رئيس النظام المصري الفاسد ليزيد الطين بلة بأن أقال الحكومة، الأراجوز، لأنه وحده الآمر الناهي في البلاد، لينصِّب عناصر بديلة عنها، وهو يدرك تماماً أن مطالب شعبه تتجاوز هذا الإجراء، ولا مطلب لها غير تخليه عن رئاسة النظام السياسي ويرحل بهدوء. لكنه يتعامى ويتغابى وكأن في أذنيه وقرا. وبعد مشاورات مع نظيره الشاب القابع في البيت الأبيض، تم نصحه بتعيين نائب له، وهو الذي لا نائب له لأكثر من 3 عقود، هي فترة حكمه لمصر، معتقداً أن هذا الإجراء سينطلي على الشعب الغاضب الرافض لنظامه ورموزه. الرجل ما زال يعتقد أنه أب المصريين كلهم، وهي النغمة التي ظل يكررها السادات قبله بعد اتفاقية كامب ديفيد السيئة الصيت التي تسببت في إخراج مصر من المنظومة العربية وإضعاف دورها القيادي كأكبر دولة عربية لها مكانتها التاريخية والجغرافية الخاصة.
سقط المئات من أبناء الشعب المصري خلال أيام الغضب منذ يوم الثلاثاء 25 يناير، برصاص الشرطة، التي من المفترض أن تكون في خدمة الشعب وتأمين حياته، فأين كان أب المصريين وهو يرى بأم عينيه أبناءه يتساقطون، ويرى سيارات الأمن تدهسهم دون أي اعتبار لكرامة الإنسان؟ أين كان من نصّب نفسه أباً على شعبه أمام جحافل اللصوص الذين اتجهوا عنوة إلى سرقة المتاحف والممتلكات العامة أمام مرأى ومسمع رجال الأمن والجيش الذين أبلغوا المواطنين بأن يحموا أنفسهم بأنفسهم؟ أين هذا الأب وهو يسمع استغاثة المواطنين العزل من السلاح يطلبون الحماية من “البلاطجة” حاملي السلاح، الذين يجوبون الشوارع ينهبون ويدمرون ويخربون الممتلكات العامة والخاصة، وكأنما ينفذون أوامر من جهات معينة بغية تغيير هدف التظاهر، ألا وهو تغيير النظام ورحيل رئيسه؟ أين أب المصريين الذي هرّب ولديه مع عائلتيهما إلى لندن، وترك أبناء شعبه يسقطون برصاص قناصة أمن مبنى وزارة الداخلية؟ أين هذا الأب كبير (العيلة) الذي يرفض الرحيل حقناً للدماء التي تراق على شوارع القاهرة والإسكندرية والمنوفية ودمياط والإسماعيلية والسويس وغيرها من المدن المصرية البطلة بأبنائها وبناتها؟
هذا الموقف غير المشرِّف لرئيس النظام المصري الذي يصر على البقاء على عرش النظام السياسي الهش، رغم مطالبة الشعب برحيله، يجعلنا نضع الرئيس التونسي الفار بن علي في مكانة أفضل منه، فالأول صدَق عندما قال لشعبه بأنه فهمه، وأخذ زوجه وما خف وزنه وغلا ثمنه ورحل عن السلطة عبر نفق سري في قصره بعد 3 أيام من هدير شعبه الرافض له. ولا أظن أن الرئيس المصري مبارك لم يحفر تحت قصره نفقاً سرياً ليتسنى له الفرار منه إلى وجهة محددة هو أدرى بها، فليكن رجلاً يحترم سنوات عمره المطابقة لعدد أبناء شعبه، ويقدم استقالته ويتنحى عن السلطة، أو ليفر كغيره ولا من (شاف ولا من دري)، ويترك الشعب ليقرر مصيره بنفسه.
ولتكن هذه الخطوة العِبرة الثانية لبقية الزعماء العرب، ليهيئوا أنفسهم للقادم الآتي، حين لا مناص من يوم الحساب.