لاتدعوهم يسرقون ثورتكم!

لاتدعوهم يسرقون ثورتكم!

*إلهام مانع
أردت أن أغني.
أي والله. ولو كنت أعرف كيف يكون العزف على الناي والعود، لعزفت لحناً للخلود.
جاءني الخبر على هاتفي النقال: بن علي يغادر تونس.
خبر امتزج بضوء الفجر. قال الشعب كلمته فأحنى بإرادته وجه الطغيان.
فتلاحقت الأنغام ترقص أمامي، وتغني.
يالله ما أجمل الإنسان عندما يدافع عن حقه في الحياة، والحرية، والكرامة.
كم مرة جاءني السؤال من طالباتي وطلابي في مادة „الدمقرطة والمجتمع المدني في الدول العربية” التي أدرّسها في جامعة زيوريخ: لما لا يثورون؟ كم مرة جاءني هذا السؤال. „لم لا يعبرون عن غضبهم؟”، „لم لا يثورون دفاعاً عن حقوقهم؟”.
 وكنت أرد بالصمت.
أتركهم يبحثون عن الإجابة من معطيات الواقع في عدد من الدول العربية، ولا أفقد أملي في الإنسان. الإنسان في الوطن. ذلك الذي يحلم بحياة أفضل، بدولة تحترم كرامته، -حريته، وحقوقه الإنسانية-، ثم تعمل من أجل مستقبله، لا ينخرها الفساد، ثم لا يتمكن منها جبروت الاستبداد.
رغم ذلك لم تكن فرحتي ساذجة!
ضياء الفرحة وهي تغمرني لم تعم عيني.
ولذا أتابع ما يجري في تونس ويدي على قلبي.
أتساءل: هل تصبح تونس نموذجاً تحتذي به دول العالم العربي في تأسيس نظام ديمقراطي مدني يحترم حقوق الإنسان وحرياته، أم أنها ستتوه وهي فرحة، فتتلقفها قوى الإسلام السياسي، لتمسخ ثورتها فتحرك بوصلتها إلى الماضي وتحيلها إلى نظام كهنوتي جديد؟
—-
تونس كانت دوماً تقف على رأس القائمة. قائمة الدول التي سيخرج شعبها إلى الشارع مطالباً بحقوقه.
تونس.
لأنها كانت النموذج بين الدول العربية. تونس.
دولة عدد سكانها قليل، شعبها متجانس، حدودها واضحة، تحوز على شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، شعبها متعلم، وتاريخها يشهد بتفردها.
أول من أصدر قانوناً أساسياً يتضمن معنى للحريات ويمنع الرق والعبودية كان الباي أحمد العاشر (1837-1855). فعل ذلك في القرن التاسع عشر. وكان هو ثم خير الدين من بعده الذي عمل كرئيس للوزراء في الفترة بين 1873و1877، من أدخلا إصلاحات واسعة في النظام التعليمي التونسي، بدأت المدارس على إثرها في تعليم العلوم العصرية واللغات، وأسست لمركزية الدولة وقوة مؤسساتها.
تونس.
والأهم أنها الدولة التي تمكنت منذ حصولها على الاستقلال من شق طريقها العقلاني بصورة تختلف عن غيرها من الدول العربية.
هي الدولة العربية الوحيدة التي عمدت إلى فصل الدين عن الدولة، وأصدرت قانوناً للأسرة أعاد ميزان العدل للعلاقة بين الرجل والمرأة. كل هذا حدث بعد وصول الرئيس بورقيبة إلى السلطة، الذي كان يحوز حينها على شعبية واسعة. الرجل الذي ترك السلطة دون أن ينهب ثروات وطنه، وإن أصابه للأسف في أواخر حياته الفيروس العربي للاستبداد بالحكم.
كل هذه كانت ولازالت ميزات للدولة القائمة في تونس. لا تخلطوها مع ممارسات الدولة البوليسية التي كان بن علي رمزاً لها.
وهي إرث حضاري تاريخي بدأ في القرن التاسع عشر، مهد لمدنية الشعب التونسي وثقافته. فأمنتكم بالله لا تتعاملوا مع ميراثكم الناصع كما لو كان إثماً، ثم لا تتركوا الإسلاميين ينهشون فيه ويحولوه إلى إثر بعد عين.
لعلكما تشعران الآن، عزيزي القارئ عزيزتي القارئة، بقدر قليل من الامتعاض. تتساءلان عن مبرر حديثي هذا الآن؟
وردي يتطلب مني أن أحيلكما إلى الأحاديث التي يدلي بها هذه الأيام بعض قادة الإسلاميين التونسيين ثم شعاراتهم التي رفعوها بعد أن فر بن علي وأسرته، والرسائل التي يتبادلونها. هي التي أثارت قلقي، وهي التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال.
الأمين العام لحزب النهضة حمادي جبالي أدلى بحديث لصحيفة التاجز أنزايجر السويسرية الناطقة باللغة الألمانية بتاريخ 20 يناير، رفض فيه أن يحدد موقفاً واضحاً من دستور تونس المدني، ثم تحدث بحديث غامض هلامي عن الشريعة. من يقرأ حواره يدرك أن الرجل يريد أن يحول تونس إلى دولة دينية.
ثم عاد وتحدث عن تعددية الزوجات وحقوق المرأة „الإسلامية”، كأن ما تتمتع به المرأة التونسية، والذي تحسدها عليه نساء العالم العربي، ليست حقوقاً؛ أو كأن قانون الأسرة التونسي لا يعتمد على تفسيرات فقهاء متنورين لم يجدوا أي تعارض بين مفهوم العدالة في العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة وبين الإيمان بالله. أقرأوا تاريخكم حتى لا يأتي مثل هؤلاء ويشككوكم في إرثكم الحضاري.
ثم انتبهوا إلى الشعارات التي خرج بها بعض الإسلاميين إلى الشوارع: ”الحجاب والنقاب يا حكومة الذئاب’، “النشيد الوطني حرام”!
هل هذا ما خرجتم رجالا ونساء إلى الشوارع تطالبون به؟ هل هذا ما خاطرتم بحياتكم من أجله؟ من أجل دولة كهنوتية؟ حكم ديني يسلبكم حرياتكم الشخصية وكرامتكم؟
لم يكن للإسلاميين دورفي ثورتكم، لم يكن لهم دور في ثورتكن، فلا تفرطوا فما حققوه، لا تدعوه يضيع هباء، لا تتركوا الضباع تنهشه.
ثم لا تدعوهم يستحوذون على الساحة.
كونوا أقوياء، كن قويات.
إرفعوا أصواتكم عالياً.
إرفعن أصواتكن عالياً.
كونهم إسلاميين لا يعني أنهم يتحدثون باسم الله.
أمنتكم بالله أن تدركوا معنى هذه العبارة.
كونهم إسلاميين لا يعني أنهم يتحدثون باسم الله.
 الله والدين لا علاقة له بما يقولونه. هم قوى سياسية تطمح إلى الوصول إلى السلطة وتستخدم الدين وسيلة لتحقيق هدفهم.
فأصروا ثم صممن على وجود ضمانات دستورية تحمي ديمقراطية الدولة، الحريات الشخصية، علمانية الدولة ومدنيتها، وقانون الأسرة.
كي تصونوا ثورتكم عليكم ثم عليكن أن تصروا على أن أية مشاركة لأية قوة سياسية، ومنها الإسلامية، يجب أن تتم وفقاً لضمانات دستورية تحدد خطوطاً حمراء لا يمكن المس بها، أهمها التداول السلمي للسلطة، حقوق الإنسان وحريته، علمانية الدولة، وقانون الأسرة.
لا تدعوهم يستخدمون فزاعة الدين ليدفعوكم إلى التراجع عن مكاسب وطنكم.
أنتم وأنتن من صنع هذا الحدث. وتونس هي وطنكم.
فلا تتركوهم يسرقون ثورتكم كما فعل الخميني في إيران. ثم لا تدعوعم يغتالون الوطن في قلوبكم.
بل كونوا لنا النموذج في العالم العربي، كي تكون تونس لنا الأمل.