رئيس القضاء الأعلى يوجه محاكم لحج بإحالة قضايا الأراضي للجان الخاصة والهمداني يحاول الاستفادة من التوجيه للتهرب من ملاحقات قضائية

رئيس القضاء الأعلى يوجه محاكم لحج بإحالة قضايا الأراضي للجان الخاصة والهمداني يحاول الاستفادة من التوجيه للتهرب من ملاحقات قضائية

توجيهات عليا تمنح أحد النافذين أرضاً تقارب مساحتها 6 ملايين متر مربع في لحج
محامٍ اعتبره مبرراً لمصادرة الحقوق الخاصة
عدن- فؤاد مسعد
فيما تتوالى الشكاوى من المواطنين في عدن ولحج من إقدام جمال الهمداني وشركته على مصادرة أراضيهم، تتواصل أعمال التوسعة والاستيلاء على الأراضي والممتلكات العامة والخاصة، إما بصورة شراء يتخلله تضليل البائعين ومماطلتهم وعدم الوفاء بما لهم من التزامات، وهو الأسلوب الأكثر رواجا لدى ناهبي الأراضي ممن يدعون أنهم مستثمرون، أو بالاعتماد على توجيهات بصرف الأراضي، وتأتي في الغالب من مراكز عليا في السلطة، إضافة لما يمكن أن يتم من مصادرة للحقوق العامة والخاصة باسم لجان الأراضي الخاصة، وما أكثرها، خصوصا بعد تنامي موجة السخط والاستياء تجاه ما يطلق عليه “نهب الأراضي”، والذي بلغ ذروته إبان صدور التقرير الأشهر في هذا الموضوع، وهو تقرير باصرة/ هلال، الذي ثبت من خلال رد الفعل الرسمي تجاهه ميل صانعي القرار لذوي النفوذ من الناهبين على حساب الغالبية العظمى من أبناء الشعب، وهو ما فتح الشهية لديهم دون اكتراث بما جرى ويجري من أحداث كانت مصادرة الحقوق باعثها الرئيس إن لم يكن الوحيد.
بين أيدينا وثيقة حصل بموجبها شخص اسمه جمال مصلح الهمداني على أرض تزيد مساحتها على 6 ملايين متر مربع، تتوزع على 1316 فداناً، أو يفترض أن يحصل عليها، إلا أن الوثيقة تقول إن الهمداني أقر أنه حائز على الأرض، وأنها تحت يده (قبل حصوله على عقد التمليك طبعا). وترى الوثيقة أن الأرض مملوكة للدولة ويقام عليها “مشروع المدينة الخضراء”، وتوسعتها، والكائنة في منطقة دار منصور، بير فضل، دار هيثم بمحافظة لحج.
الوثيقة عبارة عن “عقد تمليك أرض مجانا”، وطرفها الأول الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط فرع محافظة لحج ممثلة بمدير الفرع، أما الطرف الثاني فهو المستثمر جمال مصلح صالح الهمداني، وينظر له في الأوساط الشعبية كواحد من أبرز النافذين في أراضي عدن ولحج، كان بدأ مشواره المدعوم من بعد حرب صيف 94 بفترة وجيزة، ثم ما لبث أن صار أحد أكبر ملاك الأراضي في مثلث يتوزع على محافظات عدن ولحج وأبين. وفيما يتكئ الهمداني على نفوذ واسع في مختلف مرافق الدولة، يخشى البعض من مواجهته لأن إحدى الشائعات التي صارت بمنزلة الحقيقة تفيد بأنه يتبع مباشرة أعلى هرم في السلطة.
تستند وثيقة التمليك “على أمر فخامة الأخ علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية، برقم 169 وتاريخ 22/1/2006، وتوجيهات فخامته في 9/1/2007 الواردة بمحضر الاجتماع المنعقد بمحافظة عدن، وبموجب توجيهات رئيس الوزراء ومذكرات رئيس هيئة الأراضي…”. وأبرم العقد بين الطرفين على تمليك الطرف الأول للطرف الثاني الأرض المذكورة، وأقر الطرف الثاني أنه حائز على الأرض محل العقد حيازة هادئة! ودفع المصاريف الإدارية لحساب الطرف الأول مبلغ وقدره (أحد عشر مليوناً وثمانمائة وواحد وخمسون ألفاً ومائتان)، وذلك بنسبة 3% من إجمالي قيمة الأرض محل العقد بموجب سند توريد رقم 171145، وبموجب هذا تعتبر الأرض محل العقد ملكا خالصا للطرف الثاني، وهذا آخر بنود العقد الذي تحتفظ “النداء” بصورة منه.
يعاني المواطنون الغلابى في المنطقة الكثير من المشاكل التي تقف في طريقهم إن حاولوا استرداد أراضيهم، سيما بعدما قرر الهمداني وشركاه إدخال الملاك الحقيقيين مرحلة عناء عصيبة، حيث لم يكترث هو بالقضاء ولم يلتزم بالحضور رغم مناشداته المستمرة، كما لم تكترث جرافاته بالتوجيهات القاضية بإعادة الحقوق لأهلها، ولا بالوعود الانتخابية التي تؤكد إعادة الأرض لملاكها الحقيقيين، ولا بأس لدى جهات صرف الأراضي من تمكين النافذين من حقوق الناس مادام الموضوع عبارة عن “حيازة هادئة ومستمرة”، كما وصفت الوثيقة حيازة الأرض المذكورة ممن وصفته بـ”المستثمر” الهمداني، الحاصل على بطاقة شخصية صادرة من عدن بتاريخ 17/10/2005 ورقم 03010012841.
وفيما يخوض المواطنون في المنطقة ذاتها عدة حروب لأجل الحصول على بعض حقوقهم -إن حصلوا عليها طبعا- فإن المستثمر الهمداني بنفوذه الذي يحسد عليه يحتفظ بسلسلة أوامر وتوجيهات كافية لدرء عيون الحاسدين وكبح جماح كل من تسول له نفسه عرقلة مشاريع الهمداني مترامية الأطراف، لأنه مستثمر والبلد يشجع الاستثمار!
وثيقة أخرى بحوزتنا تصف آخر تقليعات الهمداني في السطو على الأرض، وتتمثل في تحصين أراضيه من أي إجراء قضائي قد ينتزع الأرض من مخالب غاصبيها ويعيد الحق لأصحابه، حيث يناشد الهمداني رئيس مجلس القضاء الأعلى إلزام محكمة الأموال العامة بلحج بإحالة قضيته وآخرين معه، والعمل على حلها إداريا أو بقرار سياسي، معللا ذلك بوجود توجيهات من فخامة الرئيس، ويكشف عددا من فوائد التهرب من القضاء، حيث يقول في مناشدته التي رفعها لرئيس مجلس القضاء الأعلى أواخر العام الفائت: “وفي ذلك تهدئة للأوضاع غير المستقرة نسبيا في لحج، ولعدم الدفع بالبعض لخلق مشكلات أمنية بسبب إصرار محكمة الأموال العامة على نظر هذه القضايا”.
وتضيف المناشدة التي صاغها محامي الهمداني: “وكأن الأرض المزعوم الاعتداء عليها سيتم نقلها إلى مكان بعيد فيما لو تريثت المحكمة ونفذت قراركم…”، يعني أنه ما دامت الأرض المعتدى عليها لن تنقل إلى مكان بعيد فلا داعي لأن يفصل القضاء فيها، بل المفضل وفق منطق المحامي الذي يعمل أستاذا في القانون التجاري، أن يبت فيها بقرار إداري، ولو كان سياسياً، فلا يوجد لدى المستثمر الهمداني أي مانع.
لا يخفي الهمداني في الوثيقة ذاتها “إننا في أمس الحاجة إلى المحافظة على المستثمرين والأعيان و(بعض) من لهم حقوق مشروعة في هذه الأراضي، وإعمالكم لمبدأ السياسة الشرعية لتهدئة النفوس بإرجاع الحلول إلى اللجان المختصة، وهو المبدأ الذي أكد عليه فخامة الأخ رئيس الجمهورية عند زيارته لمحافظات عدن ولحج وأبين…”.
ويخلص الهمداني في هذا التظلم إلى أن رئيس الجمهورية “قرر صراحة تخويل المجالس المحلية بحل كافة منازعات الأراضي إداريا مهما كانت، حفاظا على المصلحة العامة والخاصة وإفشاء السلام الاجتماعي”، يعني أن فصل القضايا من قبل القضاء يهدر المصلحة العامة ويؤثر على السلم الاجتماعي، حسب اكتشاف الهمداني ومحاميه.
ويختم بالقول: وبقي أن تأمروا بصورة حاسمة ومستعجلة التنفيذ الصارم بأمركم (قرار رقم 13 الصادر في 8/5/2010 بشأن إحالة قضايا الأراضي في محافظة لحج إلى اللجان المختصة)، فهذا ملزم وفق المادة 13/ج من قانون السلطة القضائية، وذلك بالتوقف عن النظر في قضايا الأراضي وإحالتها إلى اللجان المختصة…”.
كثيرون أمثال الهمداني يفضلون حل قضاياهم بعيدا عن الطرق القانونية في إجراءات التقاضي التي يسلكها الجميع، ولذلك تزايدت اللجان الخاصة المشكلة للنظر في هذه القضايا.
يقول لـ”النداء” المحامي نبيل العمودي إن اللجوء لمثل هذه اللجان وما تقترحه من حلول يأتي تخوفا من كون القضاء يحل القضايا حسب الوثائق التي تؤيد أحقية أحد الأطراف من عدمها وفق ما يحوز من وثائق الملكية، بينما تخضع الحلول المقدمة من تلك اللجان لاعتبارات سياسية بعيدة عن الحقوق.
رئيس مجلس القضاء الأعلى وجه رئيس استئناف محافظة لحج قبل حوالي شهر لتأمل الطلب، ويقول: وقد سبق التوجيه بإحالة جميع القضايا المتعلقة بالأراضي الزراعية والقضايا المترتبة على التأميم والمتعلقة بأراضي الدولة إلى اللجان المشكلة من رئيس الجمهورية بالمعالجة، فتابعوا ذلك مع الاهتمام”.
وبعد يومين فقط من توجيه رئيس مجلس القضاء الأعلى كان ذات التوجيه مطروحا على طاولة مكتب رئيس استئناف لحج الذي وجه رئيس محكمة الأموال العامة بـ”الاطلاع والعمل بموجب ما سبق من تعاميم ومذكرات، وهذا التوجيه الأخير لفضيلة القاضي العلامة رئيس مجلس القضاء الأعلى والتقيد بذلكـ”.
وقال لـ”النداء” مواطنون من تبن إن الهمداني يسعى جاهدا للاستفادة من تعميم رئيس مجلس القضاء الأعلى للتهرب من ملاحقة محكمة الأموال العامة التي تنظر في قضية يتهم فيها الهمداني بالسطو على أراضي الدولة، حسب تقرير برلماني تطرقت له “النداء” في عددها الماضي.
يذكر أن نيابة استئناف لحج كانت وجهت أعضاءها ووكلاء النيابات الابتدائية بعدم الخوض في القضايا المدنية، بحسب مذكرة النائب العام رقم 4 لسنة 2009.
منتصف العام الفائت وجه القاضي عصام السماوي رئيس مجلس القضاء الأعلى، رئيس محكمة استئناف لحج بـ”التعميم على جميع قضاة المحافظة بإحالة هذه المنازعات إلى اللجان المعنية..”، مشيرا في مذكرته إلى مذكرة وزير الخدمة المدنية رئيس اللجنة الرئاسية لاستكمال المعالجات الخاصة بقضايا الأراضي والمساكن في محافظات عدن ولحج وأبين بتاريخ 15/2/2010، المستندة إلى التوجيهات الرئاسية والتعاميم القضائية بذات الشأن، وعدم فتح نزاعات حول الأراضي وادعاءات الملكية في محافظة لحج، وحرصا على أراضي وعقارات الدولة وحفظها من الضياع وحمايتها من الاعتداءات المستمرة بهدف الاستيلاء عليها بخلاف القانون، حسب قوله.
ومن هنا نستخلص أن الهمداني ومن على شاكلته يجيدون التخلص من أي إجراء قضائي يطاردهم، ما يعني أن خصومهم المغلوبين على أمرهم وأراضيهم صاروا مجردين من أية أداة يمكن استخدامها في سبيل استعادة ممتلكاتهم التي آل أمر البت فيها للجان المشكلة، وما أكثر عددها، ولكن ما أقل ما تخرج به من حلول عملية تعيد الحقوق إلى أهلها.