خوف

خوف

نعمان قائد سيف
كان بإمكان القذافي أن يؤجل موعد الإطاحة بصاحبه “بن علي” إلى أجل غير مسمى، لو تنبه مبكرا لخطورة الوضع في الدولة الجارة، قبل أن ينتظر ويشاهد، ويتابع تداعيات قتل الشاب بوعزيزي لنفسه، احتجاجا على ما آلت إليه أحواله، بعد قطع مصدر عيشه الشحيح، وإهانته رسميا على تفكيره بالدفاع عن حقه في تدبير شؤون حياته، والكد للحيلولة دون التفريط بكرامة أسرته، إذا بقي عاطلا عن العمل!
كان يفترض بالمنظِّر العالمي الشهير (العقيد) أن يتنبأ، أو على الأقل، يضع في اعتباره أسوأ احتمالات الاحتجاجات الشعبية المنتظرة ضد حليفه، تخيلا وواقعا، كرد فعل عاطفي وطبيعي، تضامنا مع نموذج صارخ لما يختلج في نفوس العاطلين والمضطهدين في دولة القمع والفساد المتاخمة لـ”الجماهيرية العربية ال—– (خذ نفس) —– ظمى”، فلو كان الزعيم (القومي) فعلا حريصا ومفكرا ومقدرا للأمور -كما يروج لنفسه ويؤكد متزلفوه- لأسرع الخطى بداية، وحاول إنقاذ كرسي ونظام حكم صاحبه، بإعلان تبرع طارئ، بمبلغ يساوي تواضعا حاصل جمع ما أجبر على دفعه بالابتزاز لضحايا طائرة لوكيربي، ومختلف المتضررين من مغامراته النزقة حول العالم، ويلحق التبرع بخطوة يرصد فيها -كمتحكم بمصاير بلاده- بضعة مليارات من احتياطات خزينته الفائضة، لتستثمر في تونس المحتاجة للمزيد من التنمية، وبما يكسب البلدين فوائد كثيرة، ستنعكس إيجابا على التقرب والتقارب بينهما، وصولا لصيغة اتحاد، يمكن للعقيد الموله بالمبادرات أن يحددها، وقطعا سيجد مشروعه العروبي اللاحق تأييدا داخليا من رعاياه (مواطنيه)، كما جرت العادة مع كل طروحاته وشطحاته، وسيحظى دون شك بتجاوب منقطع النظير، من قبل الشعب التونسي الشقيق المتجمل، وفي المقدمة الشباب، الذين سيكونون بالضرورة ممتنين للعقيد، على مساعدته المشكورة في توفير فرص عمل لهم، تجنبهم كفر الانتحار، و(شر) التفكير بالثورة على سلطة صاحبه أولا، أو عليه تاليا، في حالة اتفق البلدان على وحدة يرأسها معمر ولا حد سواه بـ”إجماع” الجماهير!
لقد خسر القذافي آخر ما تبقى من (شعبيته) في تونس الغاضبة، بسبب تصريحاته البائسة، عقب سقوط حليفه الطاغية، وكشف للقاصي والداني، وبالصورة (الموميائية) التي طل بها فضائيا، مدى بشاعة تفكيره الأغبر، وحقيقة مشاعره الحاقدة، ليس على الشعب التونسي الصبور، الذي انتفض على ظالميه فقط، بل وضد الشعوب العربية التي تتطلع لحياة حرة وكريمة، وأكد للمغرر بهم من أحرار العالم أنه طاغية، ويستبد به الخوف، مهما تمظهر بيقين بقائه (جماهيرياً)، وينتظر الخلع، ومثله غيره، إذا لم يباشر/ يباشروا التغيير المطلوب، ودرس تونس قابل للنسخ اضطرارا، ولو بعد حين!
freejourn