هل يهدد المشهد التونسي الدكتاتوريات أم يطيل من عمرها؟

هل يهدد المشهد التونسي الدكتاتوريات أم يطيل من عمرها؟

حسين حسن السقاف
هل يراد لتونس كما أريدَ للجزائر العودة إلى بيت الطاعة مثل بقية الشقيقات، أم أن المشهد الراهن فيها يكون بداية لتهاوي العروش الدكتاتورية في المنطقة؟
لم تكتحل عيناي بالنوم -فرحاً- في ليلة الخامس عشر من يناير الجاري، كنت قبل ذلك مثل الجميع يسيطر عليَّ اعتقادٌ بأننا جميعاً في سجن حصين لا يمكننا الخروج منه، وكأنني في هذه الليلة أشاهد بعض إخوتي، قد حطموا زنزانتهم.
بمرور الأيام وبتعاقب ثلاثة رؤساء على حكمها، لم تحتفظ فرحتي باستمراريتها، بدت تتبادر إلى ذهني الكثير من المخاوف لتنغص علي فرحتي. سيطر علي اعتقادٌ بأن المنعطفات السياسية التي تمر بها غالبية الدول العربية بدءاً بحركات التحرر، ثم الثورات، ثم بالجمهوريات، ثم الانقلابات العسكرية الدامية وتصفية رفاق النضال، مروراً بالتفريط بالمنجزات وخصخصة مرافق القطاع العام وبيعه بأبخس الأثمان لحفنة من النافذين، وما نتج عنه من تزايد لعدد العاطلين عن العمل الذين اكتظ بهم الرصيف العربي، ثم قلب المجن على الفقراء الذين قامت الثورات من أجلهم وباسمهم، ثم اعتماد هذه الحكومات سياسة فت عضد النسيج الاجتماعي، ثم الديمقراطيات الورقية، ثم العبث بالدساتير بغية الخلود على العروش، ثم التوريث، ثم التنازل عن أجزاء من الوطن ثمناً لشهوة الحكم.
من أجل كل ذلك سيطر علي اعتقادٌ أن ثمة جهةً ما ترتب وترعى هذه المسارات والمنعطفات السياسية الدقيقة التزامن، حتى إنه يصل بي الاعتقاد أن صانع هذه المرحلة قد كتب عليها تاريخ إنتاجها وتاريخ نهاية صلاحيتها تماماً مثلما تفعل شركات الأدوية على قناني العقاقير والمستحضرات الطبية التي تكتب عليها تاريخ الإنتاج وتاريخ انتهى الصلاحية، مع الفارق بأن الأدوية مفيدة للإنسان.
كثيرةٌ هي تلك المظاهرات والاحتجاجات الناتجة عن الظلم والتعس وسوء إدارة الموارد في الدول العربية، وكثيراً ما نشاهدها في شاشات التلفاز، وهي أكبر وأوسع من المظاهرات التي حصلت في تونس؛ إلا أنها لم تصل إلى ما حققته الثورة الشعبية في تونس، لقد جرت العادة أن تُقمع كل المظاهرات العربية بكل وحشية على مرأى ومسمع من العالم المتمدن، دون أن يحرك ذلك ساكناً، وجل ما يُستفاده هو أن تُضمِّن الخارجية الأمريكية ذلك في تقريرها بشأن حقوق الإنسان؛ ليس حباً أو تعاطفاً مع هذه الشعوب المقهورة؛ ولكن ابتزازا لهذه الحكومات التي تهيمن على ثروات شعوبها المحرومة من العيش الكريم والديمقراطية.
ما حصل في تونس هو أمر غريب خارج عن المألوف، رغم أن النظام التونسي هو من يحظى دون غيره بالمنزلة الفردوسية لدى أمريكا مقارنة ببقية حكام المنطقة، وهي المنزلة التي احتلها في الماضي شاه إيران. وليس هذا تقليلاً من شأن الدور الشعبي التونسي، إلا أنه يجب ألا يغيب عن الأذهان ما حصل من خذلان أمريكي لزين العابدين بن علي.
لا شك أن ذلك كان له الدور البالغ في إدلاء الرئيس المخلوع بتلك الكلمات الضعيفة والمهزوزة؛ هذه الكلمات كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، لقد استمد الشارع التونسي منها قوته في استمرار نضاله من أجل زيادة سقف مطالبه لتصل وعلى حين غرة إلى المطالبة بإزاحة طاغيته. ولعلي أرجح ذلك بأن زين العابدين لم يكن الأسوأ بين أقرانه إذا ما عرجنا على المنجزات بدءا بنسبة تحرر التوانسة من الأمية، مرورا بنسبة مستخدمي الشبكة العنكبوتية، وبالصرح التعليمي والتطبيبي المتميز؛ بل والوصول بتونس إلى الخطوط الحمراء غير المسموح للعرب بالاقتراب منها، خلافاً لغالبية الحكومات العربية التي تبحر بشعوبها نحو الصحراء حيث بداوتها الأولى، ولعلي أذكِّر هنا بحالة جارتها (الجزائر)؛ التي سبق لها أن ارتقت سلم المجد عندما كانت تلوح بيدها مودعة مربع العالم الثالث؛ غير أنه قد سُلِّطت عليها حنش الإرهاب لتعيدها -في هذه اللعبة- إلى المربع الصفر؛ حيث ترزح شقيقاتها العربيات في بيت الطاعة. يدفعني كل ذلك إلى التساؤل: ماذا تريد أمريكا للعرب؟
في اعتقادي أن هناك ملمحين في السياسة الأمريكية تجاه العرب ازدادا وضوحاً وبروزاً بعد أحداث ال11 من سبتمبر.
الملمح الأول: هو تشجيع الدكتاتوريات والحفاظ على استمرارية وجودها رغم انتقادها لذلك في العلن. وابتزاز هذه الدكتاتوريات في الآن نفسه كثمن لاستمرار وجودها. ووفقاً لذلك لا تتورع هذه السياسة في استنهاض وتحفيز بعض المعارضات لهذه الأنظمة، سواء من خلال الحوارات معها أو من خلال التشهير بهذه الدكتاتوريات في تقارير حقوق الإنسان السنوية التي تصدرها الخارجية الأمريكية، وتعتبر هذه التقارير سلاحا تناور السياسة الأمريكية به دولاً مختلفة بما فيها الصين. وهي تتجاهل خروقاتها بشأن حقوق الإنسان في فيتنام سابقاً، وفي العراق وأفغانستان، وبالخصوص سجون باغرام وأبو غريب وغوانتانامو حالياً.
الملمح الثاني: هو تزايد الابتزاز للوصول إلى تنازلات أكثر من هذه الدكتاتوريات مقابل تعديلات دستورية تسمح بكسب المزيد من الدورات الرئاسية، لتصل هذه إلى السماح للحاكم بتوريث الحكم بتوليفة تجمع بين سلبيات الجمهورية والملكية، لتصل هذه التنازلات إلى التفريط بوحدة البلد وبسيادته ليكون الحاكم فيها على استعداد لأن يتنازل عن الفيل كله مقابل احتفاظه بالخرطوم. وربما كشفت لنا الأيام أمثلة أخرى لمن يتشدقون بالوحدة وهم أبعد ما يكونون عنها. ولعل السياسة الأمريكية تذهب في لعبتها هذه إلى ما هو أبعد من ذلك، لتدير اللعبة بين الموالاة والمعارضة، فيتسابق الطرفان في خطب ودها، وهي بذلك تزيد من شقة الخلاف بينهما، في حين يحقق ذلك لها المزيد من الملفات التي تجعل هذه الدكتاتوريات أكثر ارتهاناً. ولعل هذه السياسة أصبحت اليوم واضحة المعالم في كثير من أقطار وطننا العربي؛ إنها سياسة الفوضى الخلاقة التي زادت من التوجسات بين الحاكم والمحكومين في كثير من بلداننا، لذلك فإن الفتن تعصف ببلداننا هنا وهناك.
عندما تعرض صدام للإذلال بعد غزو العراق اعتبر غالبية العرب أن ذلك مهانة لهم جميعاً، حتى إن أحد حكامهم ردد المثل القائل: “إذا شفت صاحبك يحلق ما عليك إلا أن تنقع رأسكـ”. كان المشهد بحق درساً قاسياً؛ لقد عرف الحاكمُ العربيُّ حينها أن لا ملجأ ولا منجى من كل ذلك إلا إلى شعبه، من أجل ذلك قرر الحكام العرب أن يتقربوا إلى شعوبهم، ليس من خلال حجابهم أو نخبهم، بل من خلال النخب المثقفة وأهل الفكر. عندها فتحت الصالونات والمنتديات، كانت الحوارات فيها تتحدث عن الحكام باعتبارهم آباء لهم قدرٌ وافرٌ من التبجيل والمهابة؛ كان المتحاورون يحرصون على حكامهم ووطنهم في الآن نفسه من الغائلة، وكانوا يخافون على أوطانهم من أن يصيبها ما أصاب العراق. ووجد الحكام وهذه النخب أن الفرصة سانحة لترميم العلاقة وردم شقة الخلاف بينهما. غير أن شهر العسل هذا لم يدم طويلاً بينهما! فسرعان ما غيَّر الحكامُ قبلتهم وانحرفت بوصلتهم تجاه الغرب ثانيةً ليتمكن الغربُ من احتلال مساحة الشعب في قلب الحاكم؛ وليكون الولاةُ أكثر بعداً عن شعوبهم مما كانوا عليه قبل ذلك؛ لتحل الجفوة بدل الود بينهما؛ وأصبح المواطن مهملاً. فتضاعف الأسعار، واستغل الفرصة الانتهازيون ليُكثروا من الفساد… وتعود السلطات ثانية إلى التنكيل بقادة الفكر الذين يقدمون لها النصح والمشورة، ولتستعر حربٌ إعلامية فاجرة بين السلطة وأهل الفكر، ليتهافت بعد ذلك الطرفان إلى اللجوء إلى الخارج؛ الذي يدير لعبته بما يستنزف ماء وجوههم؛ ولتذهب صحافة كل طرف منهما إلى تفسير وتحليل كل تقرير وكل إشارة وكل حركة تصدر من أحد رجالات البيت الأبيض لصالحه، والبيت الأبيض لا تعوزه الحيلة والدهاء إلى استغلال كل ذلك من خلال مهارته في إدارته لعبة الصراع التي تجمعت خيوطها في يده، ليصبح بذلك مثل سائس الدمى المتحركة.
لعل موقع “ويكيليكس” الذي يقوم اليوم بنشر غسيل الدول العربية، لم يأتِ إلا لهذه الغاية؛ ليقوم بتسريب وثائق وصور منتقاة لتحقيق الفتنة بين الحكام والمحكومين في منطقتنا. كما أن الموقع جاء رديفاً للقاعدة ليغذي نفس المساحة الجغرافية لبؤر نشاطها على الخارطة. ولم يكن هذا الموقع بدعاً في السياسة الأمريكية الحديثة، بل سبق أن قامت الاستخبارات الأمريكية بنفسها بتسريب عدد من الصور المقززة في عدد من سجونها مثل أبو غريب وغيره. ولعلنا نتذكر تلك الشركة النفطية التي تنقب خلسةً عن النفط؛ منطلقة من حقل “الرميلة” الكويتي، لتذهب بمسار منحرف مقداره 8 كيلومترات في الأرض العراقية، ولتقوم بعد ذلك بكشف هذه العملية لتفجر حماقة صدام حسين الذي كان وقتها مشحونا بسبب تدني أسعار النفط، بعد خروجه من حربه مع إيران.
لقد استطاعت الولايات المتحدة بكل هذه الحروب الوهمية التي وظفت فيها الإرهاب، أن تنجز ما لا يمكنها إنجازه بحرب عالمية ثالثة؛ وهو ما لا تسمح به الظروف العالمية الراهنة.
إن مخاوفي على الثورة التونسية هي أن تعمل بعض الدكتاتوريات في بلداننا على دعم وتمويل الفوضى في هذا البلد الجميل حتى لا تقوم له قائمة كي يُحرم استقراره؛ ليجعلوا منه عبرة ماثلة لمن أراد التحرر من عروشهم، ولتعود أسعد الأخوات في الأسرة العربية إلى بيت الطاعة لتأتدم التعاسة مع شقيقاتها. من أجل ذلك فإنني لا أخفي تلك المخاوف التي تؤرقني لأرسلها عبر هذه الصفحات إلى الشعب التونسي بكل أطيافه وحساسياته، ليكونوا على حذرٍ، وليتحملوا كامل مسؤوليتهم في الحفاظ على ثورتهم ومنجزاتهم من أي انزلاق؛ كون الأخطار تُحدق بهم من كل صوب. ولتكون تونس على الدوام مناراً وحجةً للحرية لا حجةً للدكتاتوريات، ولنحقق بذلك نبوءة الشاعر الصوفي التونسي أبو القاسم الشَّابي في قصيدته التي يجدر أن ترددها الشعوب في العواصم الدكتاتورية.
hhsaggafMail