عن الإلهام التونسي

عن الإلهام التونسي

                                     نم عميقاً سيدي الجنرال.. لا شيء في الأفق
*خالد سلمان
* أحرق البوعزيزي نفسه، احتجاجاً على مصادرة عربته لبيع الخضار، فأشعل النار في جسم نظام طاغية، ومن لهب جسمه الضامر أضاء للملايين الدروب.
وأحرق مواطن في صنعاء قبل بوعزيزي بأيام فقط، نفسه للأسباب ذاتها، في حشد من الناس، صفق الحشد ابتهاجاً، وكأنهم في سيرك ألعاب نارية، في عيد للنيروز، ومضى كل في حال سبيله، بحثاً عن قيلولة قات الظهيرة، ولحظات لنسيان مرارات التعب.
في الوطنين تونس واليمن، يحكمهما ذات الجنرال، فقط في وطن بوعزيزي مجتمع حي، وفي وطن الضحية الريمي، مجتمع ميت، ولعل هذا هو الفرق بين الاثنين؛ الأول زلزل سلطة الظلم، فيما الآخر يؤبد باستكانته دولة القهر في اليمن.
* وقف بن علي، أمام أضواء تلفزته ذات اللون الواحد، عدة وقفات خطابية، في أيامه الثلاثة الأخيرة، هدد وتوعد في طلته الأولى، خوَّن وجرَّم الجياع المنتفضين، في طلته الثانية، وفي الثالثة استعطف واعتذر ووعد، طلب الغفران وتسول الصفح، منكسراً قال في خطبة وداعه الأخير، لن أترشح، سأخفض الأسعار، سأطلق المعتقلين وأحرر الإعلام، سأوقف في مخفر أمني الخاص البطالة، وأمنع إطلاق الرصاص، حباً في الله فقط أنا رئيسكم المحبوب، امنحوني فرصة أخرى، فسحة ثانية.
* يا.. ألله كم هؤلاء الطغاة جبناء، كم هم أمام هبوب عواصف الشعب أوراق خريف، أمام زمجرة الغاضبين، جذوع نخل مسوسة خاوية.
* الآن أكتب هذا عشية الإطاحة بعرش بن علي الطاغية، طائرة بين السماء والأرض، وهذا المخلوع يجوب فضاء الأوطان بحثاً عن لجوء آمن، مالطا ترفض، فرنسا ساركوزي لا تسمح.. وذات المشهد تكرر ذات عام: أمريكا في وجه نميري تغلق مطارها إثر إطاحته، أمريكا لا تقبل هبوط طائرة شاه إيران، ليوارى بعدها جثة هامدة، في قبر منسي على هامش مدن صفيح، عشوائيات القاهرة.
في زمن ما بعد تونس، ستكر السبحة في أنظمة القمع العربي، سيتضور الحكام اللصوص، مهانة وجوعاً وذلاً، في مهاجع الآخرين، حتى الموت. سيُدفنون في مقابر الغرباء، فيما يتساقط أقاربهم الأثرياء تباعاً، في قبضة لوردات الشوارع الفقيرة.. حراس عطر ثورة الياسمين.
* جميع الرؤساء الملوك في المنطقة في كرب عظيم، الكل يتحسس رأسه، يضرب الودع، لمعرفة من منهم التالي، وأي من الشعوب سيغتسل أولاً، من خطيئة الخوف، من أولاً يكسر التابو، وللحاكم المستبد يخرج شاهراً للرصاص صدره العاري.
تعلن ليبيا.. موريتانيا.. الجزائر.. الأردن تخفيض الأسعار، فيما اليمن وحده ما زال يكرس تلفزته، لإبراز عضلات جيوشه، يقدم على الهواء مباشرة حصصاً حية لضرب النار، في رسالة قوة همجية حمقاء غبية يوجهها للناس: لا تفكروا، انسوا الأمر، سندق عنق من تسول له نفسه، انسوا الأمر، نحن أقوياء، الوضع تحت السيطرة، قبلك بغطرسة وزهو قالها بن علي، ثم ابتلعه الظلام.
* لا شيء يبدو واضحاً في سماء اليمن الساكنة، قر عيناً أيها الحاكم المستبد، مدد ما شئت لكرسي عرشك، نحن شعب من الموتى، ونخبنا ستدرس أمر البوح للإسفلت بالشكوى، ستتنادى لبحث الأمر في الأشهر أو السنوات القادمة. قر عيناً وطب نفساً أيها الحاكم، مدد لعائلتك، ومد رجليك كيف أردت فوق ظهر الشعب، فلا شيء في الأفق، لا صوت يكدر قداس صمت هذا الوطن المقبرة، نحن لا نشكو قبل أن يبحث ساستنا في العقود التالية فتوى شرعية الجهر بالألم، وإلى أن يحين ذلك، فقط الآن ابسط نعليك الطاهرين على أجسادنا المارقة الرجسة، ونم عميقاً، الطقس غداً صحو، وفي سماء شعبك سيدي الرئيس لا نُذر غضب، ولا حتى سحابة صيف مراوغة مخادعة، لا رعد، لا عاصفة، لا مطر.
نم سيدي الجنرال سعيداً.
سيلتئم شمل ساستنا بعد جيل، وقتها لمتغيرات السياسة الدولية، لعدم نضج شرط الظروف الموضوعية، لاستعصاء معادلات كيمياء تخليق أوكسجين الحرية، لهذه الأسباب مجتمعة سيرجئ ساستنا الشكوى، وربما سيلعنون نزق الشعب، ويمنحونك وسام الصبر، وبراءة اختراع القتل بكاتم صوت، رصاص نبيل، وجوع رحيم، وبفاجعة تتلوها فاجعة. فقط نم بين حواريك سيدي الجنرال عميقاً، أحلامك (باهية)، نهارك مشمس..
ويصبح ما دونك على سلة خبز فارغة، على انسحاق وخرس، يصبحون على لا كرامة.. لا وطن!
فقط الآن نم عميقاً، ولا نامت أعيننا، أعين المتآمرين الخائرين الجياع.. الرعاع.. العبيد الخانعين!
* كم هي ذابحة رسالة ذاك المواطن اليمني الذبيح وهو يرقب عرس تونس:
“لأني يمني على حالنا عيني تذرف الدمع.. ليتني كنت تونسياً”.
* إذا لم تكن اليمن الحجرة الثانية في تساقط أحجار (دومينو) الأنظمة، سأصرخ بكل حزن ويائس وعجز الدنيا:
يسقط الشعب الصامت
عاش الرئيس الداهية!
من كل قلبي أتمنى ألا أصرخ.
******************
                                             وله من كل ديكتاتور نصيب..
خالد سلمان
فشل الجنرال البشير في أن يجعل من الوحدة مع الجنوب جذابة، ونجح صاحبنا الجنرال في جعل الوحدة كذَّابة، مذمومة، وأم كل الأوزار والآثام والفظائع.
فشل البشير في أن يجعل من الوطن الواحد جاذباً، ونجح صاحبنا الجنرال في أن يجعله جالباً: للبؤس والفقر وكره الانتماء.
في اللحظة الأخيرة والوطن يتسرب من بين شقوق أصابع جنرال السودان، صرخ البشير بما يشبه الشهقة: اتركوا لي وطناً أحكمه بشماله وجنوبه، وخذوا كل عائدات النفط، ولكن كان حينها الوقت متأخراً، وكان العرض قد انتهى أو أوشك، والمسرح قد أسدل ستارته، والبشير لم يعد يملك ضمن مقتنياته الشخصية وطناً يحكمه، وبنك دم يهدره: لم يعد لديه شعار: الله.. الوطن.. الوحدة أو الموت.
في الزاوية الأخرى من ذات إطار صورة الديكتاتور، هنا صاحبنا الجنرال، سيان لديه بقي الوطن في قبضته، أو ذهب إلى الجحيم، تسرَّب الوطن قطعة قطعة، أو سقط بالمجمل بالضربة القاضية، فقط يمضي صاحبنا الجنرال حاملاً بين إبطيه وطنه المفترض المتخيل، وطن الوهم المتراص خلف متراس حكمه، المصون بحصار الثكنات المسلحة، وطناً لم يعد قائماً على الأرض، بل نزيل مصح جنون هلوسات العصبة الحاكمة.
صرخ البشير خذوا النفط واتركوا لي حكم الجنوب، وصرخ صاحبنا الجنرال: خذوا الوطن حيث شئتم، واتركوا لخزائني نفط البلاد وثروات كل هذا الفساد.
الاثنان يمضيان معاً من نقاط مختلفة، صوب مشترك واحد، جنون عظمة ورئاسة خالدة، يقطعان تذكرة سفر ذهاب بلا إياب، تذكرة مغادرة الوهج الرئاسي إلى حفرة تاريخ كالحة، بعد أن يسحبا خلفهما الوطن إلى قاع الخراب، يسجلانه كل بطريقته في خانة: الأمم المنسية.
هكذا هم الجنرالات، سجناء هذيان دوائرهم المقربة، حيث كل منهم في نظر مرايا ذاته المقعرة، حبيب الشعب، معبود الجماهير، ومسيحهم المخلص، خدر عادة ما ينتهي برئيس تؤرجحه مشنقة، أو جرذ جنرالي يرتعش خلف قضبان محكمة.
أينما يممت وجهك، لجنرالنا نصيب، إن شرقت صوب ديكتاتورية، أو غربت باتجاه ديكتاتورية ثانية، وجدت له فيها لحمة الرأس والكتف ونصيب الأسد.
إن ذهبت لدراسة شائهة مخضبة بالدماء، للجنرال عيدي أمين، وجدته قد أرسل طابعه البريدي وسيرته الشخصية إلى صاحبنا الجنرال، فترى في صاحبنا عيدي مجسداً هنا، ذات الشيء.
إن ذهبت إلى بينوشيه تشيلي قاتل الليندي وأحلام نيرودا، هو نفسه صاحبنا يتوحد نهجاً وسلوكاً مع جنرالات حرب الأرجنتين، وذاته تطالعه ثانية في موبوتو قاتل لومومبا.
وكلما كشطت صورة صفحة ديكتاتور، أطل صاحبنا من الصفحة الثانية: هو شاه إيران، وتشاوشيسكو، وهو زياد بري، وعمر بانجو، بوكاسو أفريقيا الوسطى، نميري، وصدام، بن علي، والبشير، وكل لطخات سواد الحكم الآن والبارحة.
أحد أمرين: إما لصاحبنا الجنرال مزايا شر، يجمع مساوئ سابقيه الطغاة من أطرافه، أو إن للاستبداد نظامه الوراثي، وجيناته المتساوية، ولهم واحدية الشعار: الفناء للشعب، وخلود البقاء الأبدي، حتى ما بعد الموت للرئيس الطاغية.
وخارج هذين الأمرين، فإن الثابت الوحيد هو ذات النهاية الواحدة، رحيل لصاحبنا إلى حيث رحل زملاء دفعته السابقون.
***********

الاستبداد هو الراعي الأول للفساد، وتعطل التنمية السياسية أدى إلى تلاشي وجود مؤسسات وسيطة بين النظام الحاكم والمجتمع سوى صدور عارية وأجهزة قمع،،
تونس وحالة انسداد السبل
كتب فتحي ابو النصر
ما حل بتونس كان نتيجة منطقية لعدة أسباب أبرزها آفاق النظام السياسي المغلق، ظل المقربون لزين العابدين بن علي حاضرين بقوة في الحياة السياسية والاقتصادية، وكانت الشعارات البراقة أداة الطاغية الذي لا يخجل، غير أن ألاعيب النفوذ أدت إلى قهر الشعب التونسي تماماً، بينما كان كافة الأقارب المسيطرين فوق مستوى العدالة، بالرغم من تفاقم فسادهم الاقتصادي والاجتماعي، وحتى المسؤولون الذين يأمرون بارتكاب جرائم التعذيب والإخفاء القسري، أو يتغاضون، كانوا لا يواجهون أي تهديد بمحاسبتهم على ذلك.
صحيح أن حداثة التونسيين كانت انتصرت في عديد مجالات “الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والدينية”، إلا أن المجال السياسي ظل متقهقراً بالطبع، ما انعكس على عديد مجالات تدهورت للغاية.
تونس أحد أهم البلدان العربية الرائدة حداثياً، خصوصاً في مصالحة التونسيين مع حقوق المرأة وانفتاح غالبية المجتمع على قيم العقل والتمدن (تراكم هذا الوعي الفريد منذ ما قبل إعلان الاستقلال في 20 مارس 1956). بل لعل الإسلام السياسي هناك رغم مآخذ عديدة على حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي، يبدو مستنيراً على عكسه في بقية البلدان العربية، وفي المحصلة يبدو القمع مهما طال غير قابل للحياة، فيما المفترض أن يكون المستقبل السياسي التونسي -بنشر الدمقرطة على أوسع النطاقات في المجتمع- مغايراً للعهد السابق.
ذلك أن غياب الانفتاح السياسي هو ما جعل تونس تنفجر من الداخل، ولقد جعلها نظام بن علي غير مشرفة ديمقراطياً، كما عانى المسار الإصلاحي مراراً من الضربات الاستبدادية المتلاحقة لهذا النظام، فالاحتجاجات التي بدأت تنموية واجتماعية سرعان ما تحولت إلى سياسية، وإذ من شأن التعدديات أن تمتص الاحتقانات، جاءت المعارضة المعترف بها ليست أكثر من صورية، بينما عانت الصحافة من تضييق رهيب (احتلت تونس المرتبة 143 من أصل 173 قبل عامين في مؤشر حرية الصحافة)، كما تغول نفوذ الحزب الحاكم والفساد الأسري إلى مستويات فائقة جداً.
في غضون العقد الأخير عموماً ما انفكت سياسات وممارسات بن علي الأمنية، وأساليبه في مكافحة الإرهاب، تؤدي إلى انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في تونس. ظل الناشطون يطالبونه بالوفاء بوعوده باحترام حقوق الإنسان دون فائدة، واستمرت المعارضة تعاني من السياق السلطوي الإقصائي، حتى إن الانتخابات التي تمت غابت فيها أبسط شروط التعددية والتنافس الحر.
هذه الإجراءات احتلت صدارة الأحداث الوطنية طوال عقدين، مع أن الناس ظلوا يأملون من نظام بن علي إجراء مراجعة نقدية للفترة التي سبقته. الرجل الذي بقي على رأس السلطة 4 ولايات كاملة، كان في طريقه لإكمال ولايته الخامسة (مع أنه ألغى فور توليه السلطة في تونس “الرئاسة مدى الحياة” التي كان أرساها الحبيب بورقيبة، وحدد الولايات الرئاسية ب3، لكن تعديل الدستور التونسي في 2002 في استفتاء، أتاح له البقاء في السلطة)، وهكذا: فاز بن علي وحزبه في كل الانتخابات التي خاضها.
في ال7 من نوفمبر 1987، نفذ خطة استهدفت إزاحة الرئيس الأول الحبيب بورقيبة بعد أن بلغ من العمر عتيا، واستمع التونسيون لصوته وهو يقرأ نص بيانه الشهير، هذا البيان الذي كان تضمن معظم تطلعات التونسيين ونخبتهم، منذ ذلك التاريخ، دخلت تونس في دورة جديدة، ففتح بن علي لأول مرة قصر قرطاج في وجه الأحزاب والمثقفين من غير المُنتمين للحزب الدستوري الحاكم منذ استقلال البلاد عن فرنسا.
وفي أجواء حرب الخليج الثانية، اندلعت المواجهة بينه وبين حركة النهضة، فكان ذلك إيذانا بنهاية سريعة لفُسحة نادرة، وبداية تغيير جوهري لأسلوب تعامُله مع المعارضين والمجتمع المدني والمثقفين.
أحزاب المعارضة دخلت لأول مرة مجلس النواب التونسي عام 1994، بنسبة 9% من جملة مقاعده، وجرت أول انتخابات رئاسية تعددية في أكتوبر 1999 (بعد ما يربو على 12 سنة من استلام بن علي للحكم، وصفها البعض بأنها انتخابات تعددية مخلصة للأحادية، حيث إن نتائجها كانت قد اعتبرت محسومة سلفا لصالحه)، وفاز بن علي في هذه الانتخابات بغالبية ساحقة بنسبة 99%، وأما في انتخابات 2004 فقد فاز بنسبة 94%.
قام بن علي بتعديل دستوري بالفصلين 39 و40 من الدستور لإزالة الحد الأقصى لتقلد المنصب الرئاسي، ومنحه الحق في الترشح لانتخابات 2009، كما منح تراخيص عمل لعدة أحزاب غير فاعلة ونشاطها السياسي ضئيل، مقررا مواصلة حظر حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي.
تلك الانتخابات أسفرت عن فوز بن علي طبعاً، وقاطعها الحزب الديمقراطي التقدمي أحد أبرز أحزاب المعارضة في البلاد. ورغم أنه أقر بالحوار مع الشباب سنة 2009، ومنح حق الانتخاب لمن يبلغ 18 سنة، إلا أن ذلك هدف -حسب المراقبين- إلى تفادي الثورات الطلابية كالتي برزت في أواخر العهد البورقيبي، لكي يواصل رئاسة البلاد سنوات أخرى.
يرى اقتصاديون أن تونس في عهد بن علي أصبحت دولة رأسمالية لا تجبر الضرر الاقتصادي الكبير الواقع على غالبية المواطنين، إضافة إلى بروز عائلات مقربة له تتحكم في البلاد، وتمتلك مساحات شاسعة من الأراضي والشركات في مختلف المجالات، وإذ بدا جليا أنه لم يكن يرغب بتداول السلطة، فقد ظهر مثالا للاستبداد، كما انطوت ممارساته على شخصية الديكتاتور الذي يعتقد أن البشر لا يريدون سوى أن يظلوا عبيداً.
يعد الاستبداد هو الراعي الأول للفساد، فيما سلب الحقوق والحريات على رأس تجليات النهج الذي اتخذه النظام التونسي السابق، فهو لم يحترم القضاء، وسيطر الحزب الحاكم على مؤسسات البلاد، محاولاً انتزاع العيش الكريم من أعصاب الناس، ومتعاملاً معهم كحالة أمنية فقط، بمعنى أن نفوذ القانون استمر بعيداً عن التحقق، وفي جميع المراحل كان لا يمكن الحديث عن المساءلة السياسية، التي تُوضع على المحك، مثلاً، خلال الانتخابات؛ أو عن المساءلة الأخلاقية، التي قد تُقاس، مثلاً، بمعيار قيم الإنصاف في المجتمع، وإذ قمع بن علي مطالبات حقوق الإنسان، فقد تصاعد في عهده اعتقال المعارضين، كما تزايدت أعداد سجناء الرأي.
لتلك الأسباب ظل التوانسة يفتقدون الأساس الذي يتيح بناء الإصلاحات في مؤسسات الدولة، إذ من شأن آليات المساءلة ذات الكفاءة والفعالية أن تساعد الدول على وضع سياسات أفضل وسَنِّ قوانين أرقى، ورصد تأثير هذه وتلك في حياة الناس.
وفي السنوات الأخيرة صار 40% من التوانسة يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، كما توسعت أعداد الشباب الجامعيين في تونس إلى ما يقارب نصف مليون طالب، يتخرج 80 ألفا منهم سنويا، في حين لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لسوق العمل 15 ألف وظيفة.
الأسوأ أن نظام بن علي تخلى رويدا رويدا عن دوره الاجتماعي، ماضياً في تأجيل مطالب الإصلاحات الدولية والمحلية، بينما فاقمت إجراءاته الاقتصادية من زيادة الأسعار، فتحت شعار أولوية الأمن والاستقرار، استخدمت السلطات التونسية الجيش للقضاء على اضطرابات على خلفية البطالة والمحسوبية والفساد.
بالتأكيد تحمل الثورة الجديدة للتونسيين دلالات طبقية وسياسية وحقوقية، إذ تعبر الممارسات التي انتهجها النظام عن حالة انسداد السبل، حتى استطاع المواطنون التونسيون التأسيس لنمط جديد من أشكال الرفض والاحتجاج، ومن زاوية مهمة يبقى الفارق ما بين تونس وعديد بلدان عربية هو أن المجتمع المدني استمر قوياً -رغم كل الاختراقات السلطوية- نظراً لقوة الوعي المدني المجذر هناك طوال عقود.
غير أن تحفّظ السلطة وحذرها وردود أفعالها السلبية تجاه ضرورات الانفتاح السياسي، قاد إلى تعطّل التنمية السياسية في البلاد، ما أدى أيضاً إلى تلاشي وجود مؤسسات وسيطة بين النظام الحاكم والمجتمع، سوى صدور عارية وأجهزة قمع ضخمة، ولذلك ظلت الرهانات الانتخابية لا تحل أية مشكلة، وخصوصاً التدهورات الاقتصادية المتسارعة بسبب الفساد، فيما يبدو واضحاً أن من نتائج ذلك ما تم من مواجهةٍ بين شعب بمختلف مكوناته الفكرية والسياسية، وبين نظام استبدادي غاشم.
كان المقربون لبن علي يستولون على أملاك الناس “سلبطة”، وعلى أموالهم وأراضيهم، بل ويجبرون أصحاب الأعمال والاستثمارات على الدخول في شراكات، مقابل توفير الحماية، وتقديم التسهيلات، هؤلاء كانوا يستولون أيضاً على مؤسسات في القطاع العام بأبخس الأثمان.
فوق ما سبق، كرس النظام التونسي الفساد في الشرطة وفي القضاء، والملاحظ أن الاحتجاجات هناك قد انطلقت من منطقة سيدي بوزيد، المعروفة تاريخيا بولائها للحزب الحاكم، وبكونها خزان الأجهزة الأمنية والعسكرية.
هذا يعني أن الإكراهات قد وصلت مداها، وأن الشعب عندما يتحرك يشكل قوى ثورية كبيرة، إذ تؤدي أمثال هذه الممارسات السلطوية المشينة وتراكماتها اللامسؤولة إلى عدم ثقة الجمهور بالحكومات، كما تتحول أساليب الجمهور بالتالي في النظرة والإدراك إلى الواقع والمستقبل، نحو الإقرار بمعاناتهم، باتجاه التغيير الفعلي.
والثابت أن الفساد التونسي توأم الفساد العربي، كما أن الاستبداد التونسي يتكرر في أكثر من نموذج استبدادي عربي. وإذا عدنا إلى التاريخ الدستوري للبلاد يمكننا القول إن القانون الدستوري يجعل النظام السلطوي أمرا عاديا، إذ منذ 1959 أسس الدستور للإفراط في السلطة بين يدي الرئيس من حيث إن له نفوذاً على جميع السلطات، فهو تقريبا رئيس الحكومة وقائد القوات المسلحة وصاحب المبادرة التشريعية، فنستنتج أن القانون هو الاستثناء، وأن القرار الرئاسي هو القاعدة. ورغم تعديلات دستورية تمت، إلا أن ما ترتب عليها هو أن الدستور التونسي ليس أكثر من أداة لتأسيس النظام المغلق وإعادة إنتاجه. وبما أن ذلك النظام السلطوي فتح الباب جزئيا لمعارضيه من أجل المشاركة واكتساب الشرعية، إلا أنه ظل يتعارض على الدوام مع رغبته في البقاء بنفس العقلية السلطوية.
بمواجهة ذلك كان أن كفت الكثير من الأحزاب السياسية التونسية عن مخاطبة السلطة، والتوجه نحو مخاطبة المجتمع، كما ربطت جسور التواصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي. والأهم توقف هذه الأحزاب عن التناحر، وتجنبها قدر المستطاع الصراع الداخلي، لأن ذلك يضعفها وينقص من جاهزية المجتمع المدني على تفعيل القطار الديمقراطي، كما يقوي في المقابل النظام السلطوي، ويطيل من مدة بقائه.
                                                                        عن وكالات أنباء وتقارير ودراسات
*************************
 
تستهوي اليمنيين فكرة الثورية، وحين تبدو الفكرة أمراً يصعب تحقيقه هنا يتمنى البعض أن يكون تونسياً
                                                         الثورة القادمة من اليمن
*هلال الجمرة
استهوت الشارع اليمني التجربة الفريدة للشعب التونسي التي أجبروا بها زعيم تونس على التخلي عن الحكم ومغادرة البلاد قسراً. ووضعها اليمنيون محور اهتمامهم ونقاشاتهم في الفصول والساحات والمجالس. لقد سرّهم ما حدث، حتى إنهم تمنوا لو كانوا “تونسيين”. إنهم يتوقون لثورة شبيهة للتخلص من حكم مماثل.
أحداث تونس وصمود المظاهرات والاحتجاجات، تركت في نفوس اليمنيين أثراً بالغاً. يقول الشاب فؤاد السريحي، 20 عاماً، وهو طالب في كلية علوم الحاسوب، إنه “طار من الفرحة”، وظل يتابع الأخبار على القنوات الفضائية ليلة هروب الرئيس، ليرى تخبطه: “كنت متشفياً منه لأنه “بهذلـ” التونسيين واستبد بهم، وقبل يومين رفض الجميع استضافته حتى من كانوا أصدقاءه”.
ريدان علي العبسي، وهو حاصل على دبلوم مهني -كهرباء، لم يخفِ سعادته من خبر مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي. ولأنه عاطل عن العمل رغم أنه مضى على تخرجه 3 سنوات، يعتقد أن الثورة التحررية التي قادها شباب تونسيون معظمهم عاطلون عن العمل، أثرت على عقليته، ولو خرج الناس للمظاهرات في اليمن فسيكون على مقدمتهم.
ويعبر الشباب عن شغفهم وإعجابهم بالتونسيين بأكثر من وصف. سارة أحمد، الطالبة في كلية اللغات جامعة صنعاء، تصفهم بأنهم “أصحاب قرار، وأنهم شجعان ويأبون الظلم والاضطهاد”. وأضافت: شعب يهوى الحرية. وحيّت الشاب محمد البوعزيزي، الذي أشعل الثورة من جسده، ومات قبل أن يتذوق طعم الحرية “كانت تضحيته مشرفة”.
هناك حماس كبير لدى اليمنيات أيضاً، فالعنود محمد (اسم مستعار)، طالبة في المستوى الثاني بكلية الإعلام، تفيد بأنها متحمسة جداً لما فعله التونسيون. “أتمنى أن نصل إلى مستوى الوعي الذي وصلوا إليه، وأن ندرك مصالحنا، ونخرج للمطالبة بحقوقنا المسلوبة”، قالت. مؤكدة أن المرأة ستكون ضمن المشاركات “وسنكون جزءاً من التغيير”.
لم ينكسر الشعب التونسي أمام أدوات القمع التي حملتها الشرطة المدججة بالأسلحة. وواصل نضاله، وقدم تضحيات باهظة، لكن الثمن كان أكبر: الحرية. مع ذلك منذ أشهر وأحزاب المشترك في اليمن تلوح وتتوعد السلطة بالخروج إلى الشارع، يقول محمد المفلحي، في ال30 من عمره، سائق تاكسي، “أحزاب المشترك خائفة ولا تريد أن تضحي”. لكنه أمل أن يتنبه الشعب اليمني ويتأثر بما حدث في تونس؛ البلد الذي يأبى الظلم ويعشق الحرية، “يا ليت يثور الشعب على الظلم في اليمن”، قال. وأضاف: “لقد أصبحنا طبقتين: طبقة الأثرياء وطبقة المسحوقين، وإحنا الآن نشتغل للطبقة العليا… دولة تعودت على النهبـ”.
“نتمنى أن تنتقل نار الثورة التونسية الرائعة إلى اليمن”، قال السريحي. كان الاستياء الشديد والسبب الأكبر وراء قيام الثورة التونسية هو القضاء على الحكم الاستبدادي الأسري. ويرى السريحي أن الحكم في اليمن “أصبح ملكيا ووراثياً، ولم يعد له مبدأ في الحكم بعد أن ترك القانون والدستور، سوى الاستغلال الذاتي المقيت”.
حتى قبل خروج الشعب التونسي كان النظام الحاكم هناك مدعوماً من أعتى القوى الدولية، لكن إرادة الشعب غيرت الموازين، وأثبتت أن بإمكان الشعوب تغيير الأنظمة العربية السلالية والاستبدادية من خلال ثورة الجماهير. النائب المستقل أحمد سيف حاشد، اعتبر ذلك “مقدمة رائعة ورسالة قوية للشعوب العربية كلها”. وقال: مهما كانت سطوة الأنظمة وديكتاتوريتها، فإن القوة الشعبية والجماهير تغلب في النهاية.
أوجه تشابه بين الرئيسين
من الغريب أن تحدث كل تلك الانتهاكات والفساد في اليمن، فما كشفته وثائق ويكيليكس عن النظام اليمني أخطر بكثير مما كُشف عن النظام التونسي. لكن الفرق شاسع: يومياً تُنتهك كرامة وأعراض أصحاب البسطات، ويجرجرون إلى السجون، ويُسلبون، ويتم ابتزازهم، دون أن تقوم قائمة الشعب. منذ سنة وشهر، وأبناء الجعاشن في صنعاء نازحون بعد أن طردهم الشيخ محمد أحمد منصور من بيوتهم في محافظة إب، “وأعاد الرئيس اللجنة البرلمانية قبل أن تصل إلى المنطقة لتقصي الحقائق حول واقعة طردهم من بيوتهم”، بحسب تقرير اللجنة البرلمانية.
ويسرد حاشد بعضاً من أوجه التشابه بين نظامي الحكم: في اليمن يتولى أقرباء الرئيس القيادات العسكرية والأمن، في تونس يتولى أقرباء الرئيس المؤسسات الاقتصادية. وهناك تتسع الطبقة الوسطى عن الطبقات الأخرى، بينما في اليمن يتسع نطاق الطبقة المطحونة، وتزيد نسبة البطالة، ويتدنى مستوى الحياة العيشية.
الحاج فيصل أسعد، 55 عاماً، أحد نازحي الجعاشن، يقول: التونسيون رجال، أنهوا الطغيان وقالوا لا للديكتاتور.. وقياساً على قضية الجعاشن يعتقد أن القادم في اليمن لا يبشر بخير “الشعب التونسي التف عن بكرة أبيه، وإحنا (أبناء الجعاشن) ما أحد تضامن معانا ولنا سنة وشهر”، قال بأسى. وأجاب على السؤال بأنه لو خرج الناس هنا إلى الشارع، فإنه لا يستبعد التغيير “نأمل من الله التغيير لو خرجوا الناس يتظاهروا”.
ويتشرف الشاب نجيب مهيوب، 26 عاماً، من أبناء الجعاشن، بسماع ثورة التونسيين. ويأمل التغيير والتخلص “من المستبدين والديكتاتوريين، وأولهم شيخ الجعاشن الذي جرعنا الموت”. ويتمنى أن يسمع عن “محمد أحمد منصور وهو يدور فوق الطائرة عن دولة تقبله هو والرئيس الذي بيدعمه”. وقال: “لن يصلح الوطن إلا لو به شعب شجاع، لأن التونسيين أحرار ويعرفوا مصلحتهم ويعرفوا الفاسد الأكبر ما توقفوا إلا بعد أن خرج من البلاد”.
“لو الشعوب كلها اتحررت الشعب اليمني بيجلس مخزن”، قالت العنود. وأردفت: لكي نتخلص من هذا النظام الحقير، لابد من الخروج إلى الشارع. ووصفت السلطة اليمنية بأنها أسرية، كما في تونس “محتفظون بالكراسي ويورثونها كأن نقول عبدالباقي عبدالدائم عبدالوارث”.
في تونس أشعل الشاب محمد البوعزيزي الشرارة الأولى للثورة من جسده، وهو حاصل على شهادة بكالوريوس، ولم يجد عملاً، فاشترى بسطة لتوفير لقمة العيش. لقد أنهى عهد الاستبداد عندما رفض الخنوع لصفعة وجهتها له شرطية حاولت منعه من البيع ومصادرة ما في الطاولة من خضروات. في اليمن يقول محمد الريمي، عامل بسطة، لـ”نيوزيمن”: “نتعرض لانتهاكات مستمرة من قبل عمال البلدية، وقُتل منا الكثير بالرصاص الحي، واعتقل العشرات. كما نتعرض يوميا لابتزاز ومصادرة أموالنا من قبل البلدية دون أن نجد من ينصفنا”.
وتوقع الريمي أنه لو يعلم بوعزيزي بواقعنا الذي يختلف كليا عن واقعهم، وما نتعرض له من إهانات وسطو وضرب، لجاء إلى اليمن وأحرق نفسه هنا. ويتمنى الريمى خروج “ثورة شعبية باليمن لإسقاط النظام الحاكم والأحزاب جميعها”، ويؤيده في ذلك زميله محمد.
محمد،وهو خريج معهد عالٍ، يرى “أن الأحزاب تعيش حالة من الركود السياسي والعزلة الجماهيرية كانعكاس موضوعي لافتقارها لبرنامج عمل وطني حقيقي”.
*************
3 مسيرات تضامنية: أين الوحدة والثورة… أصبحنا ملك الأسرة
الثائرون من الجامعة
*هلال الجمترة
لن تتوقف الفعاليات عند المسيرات التضامنية، التي بدأتها منظمات المجتمع المدني وطلاب جامعة صنعاء. منذ اليوم سينفذ الطلاب ومنظمة صحفيات بلا قيود –وربما منظمات أخرى- مظاهرات واعتصامات تبدأ من جامعة صنعاء الجديدة لتنتهي في ميدان التحرير.
رئيسة منظمة صحفيات بلا قيود، توكل كرمان، دعت المهتمين إلى التجمع أمام الجامعة لنقل الاعتصام إلى ميدان التحرير. لافتة إلى أن الاعتصامات ستتواصل حتى يجني الشعب اليمني الثمار، كما جناها الشعب التونسي مساء الجمعة.
حملت المسيرات التي نفذها طلاب جامعة صنعاء ومنظمات المجتمع المدني، شعارات ساخطة على النظام اليمني أكثر منها تضامنية مع الشعب التونسي. ففي المسيرة التي نفذها الطلاب أمس، رفعوا شعاراً صريحاً يطلب من الرئيس الرحيل “ارحلوا قبل أن تُرحّلوا”.
وانطلقت أمس مسيرة حاشدة من بوابة جامعة صنعاء إلى السفارة التونسية، حملت في الظاهر رسالة إلى السفير التونسي “تعبر عن تأييدهم لثورة الشعب التونسي التي أسفرت عن خلع الرئيس زين العابدين بن علي بعد 23 عاما من الحكم”، لكنها أطلقت عدة رسائل ضمنية لرئيس الجمهورية وللشعب اليمني، مفادها: طلبت من الرئيس أن يرحل قبل أن يُرحل ويطرد، عبرت عن رفضها للحكم السلالي والوراثي، ودعت الشعب إلى الخروج إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم وإنهاء عهد المفسدين.
خلافاً للمسيرتين اللتين نفذتا في اليوم السابق، تعاملت قوات الأمن أمس مع المعتصمين بأسلوب راقٍ وحضاري. أما السبت فقد تعاملت بشكل يظهر الوجه السيئ للنظام “فقامت باعتقال البرلماني عيدروس النقيب والصحفي رداد السلامي والناشط الحقوقي محمد المقبلي”، وحاصرت طلاب الإعلام الذين خرجوا بمسيرة طلابية من الجامعة يدعون لثورة يمنية مشابهة للثورة التونسية، وعملت على إعاقتها عن الوصول إلى السفارة التونسية.
تكشف المسيرات أن الطبقة السياسيّة اليمنية بعيدة تماماً عن هموم الشعب. ولم يشارك فيها سوى الطلاب وناشطين حقوقيين وعدد من الإعلاميين، في حين انضم إلى المسيرة عدد لا بأس به من الناس العاديين عند سيرها خلال شارع الدائري إلى شارع الجزائر حيث مقر السفارة التونسية. في حين غابت ممثلو الأحزاب السياسية من المسيرات، وشاركت من منظمات المجتمع المدني: منظمة صحفيات بلا قيود، ومنظمة التغيير، ومنتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان.
في اليوم التالي لفرار الرئيس التونسي وانتصار الشعب التونسي في مظاهراته، التي بدأت قبل نحو شهر، ظهرت ملامح الثورية في اليمن، ولو على استحياء. إنها ثورة تنطلق من الجامعة “ستكون هذه المسيرة بداية لمرحلة ثورية يمنية للتحرر من الظلم والاستبداد”، أعلنت توكل كرمان رئيسة منظمة صحفيات بلا قيود. وحذرت الحكام العرب من عدم “التنبه لمطالب شعوبهم وألا يتأخروا في فهمها حتى لا يجبروا الشعوب على إفهامهم بالطريقة التي حصلت لزين العابدين بن علي”.
المتظاهرون حملوا في مسيرة التأييد للشعب التونسي، همومهم الوطنية. ونادوا الشعب اليمني بالخروج والبدء بثورة “ثورة ثورة يا شعوب ضد الحاكم المرعوبـ”. وفي يافطة كبيرة كتبوا “التغيير السلمي الديمقراطي خيارنا لبناء اليمن الجديد”. وحذروا الرئيس من مغبة الحكم الفردي والسلالي وجعل المواقع القيادية حكراً على أبنائه وأقربائه، متسائلين أين الثورة والوحدة اللتان أسستا ليمن حر وديمقراطي “أين الوحدة والثورة أصبحنا ملك الأسرة”.
شعب أعزل يواجه أقوى سلطة مستبدة في الوطن العربي، ويجبر رجل تونس القوي على مغادرتها صاغراً. لقد مثلت إرادة الشعب بكل ما تعني الكلمة. المشاركون في المسيرة حيّوا الشجاعة والإباء اللذين يتمتع بهما الشعب التونسي، ورفعوا شعار “لتونس الحرية من صنعاء ألف تحية”.
وجدنا أن الناس يقولون: “هاتوا من يقودنا”. وليس بالضرورة أن تقودهم الأحزاب، فلو أنها خرجت إلى الشارع كما فعل الشعب التونسي لقادت ثورة، لكن النائب المستقل أحمد سيف حاشد نبّه “الأحزاب السياسية بأنها إذا لم تخرج إلى الشارع فإن الناس سيتجاوزون الأحزاب ويخرجون بدونها”. مؤكداً أن نضال الشعب التونسي أثبت أن الناس قد يئسوا من الأحزاب، وأن بإمكانهم التغيير بالخروج إلى الشارع، وهو ما تخشاه الأحزاب حتى الآن.
********************
 
عبرة
*نعمان قائد سيف
عطفا على مقالي السابق، أجدد التأكيد بأنه لا زال لدى الرئيس علي عبدالله صالح -إذا أراد دخول التاريخ بحمل أخف من آثام حكمه المديد- الوقت الكافي مما تبقى من فترة ولايته الأخيرة/ الحالية، لترتيب انتقال البلاد بسلاسة ولطف وعطفا أيضا، إلى مرحلة جديدة بدونه، وبتمثيل مقبول لبعض أقاربه وصحبه، وليس بالضرورة عبر (محلل) يمهد الطريق لابنه أحمد، بعد دورة انتخابية كاملة، كما كنت اقترحت في العدد الماضي، حيث إن مستجدات الأحداث في تونس لوحدها، قطعت طريق الأخذ ب(مزحتي) الجادة، حول تدبير المحلل (الشرعي) المذكور، الذي يمهد انتقاليا لإبقاء الحكم في نطاق الأسرة مدى الحياة!
نصيحة لوجه الحقيقة المرة أقول بأنه قد آن للمشير أن يفكر مليا وجديا، مستعينا بأعقل مقربيه وحكماء المعارضة، لتجنيب البلاد ما لا تحمد عقباه، ولا ولن يقاس أبدا بما جرى وسيجري في الدولة الشقيقة المذكورة آنفا، حيث إن ظروف وتكوينات السعيدة/ اليمن تختلف كثيرا عن واقع حال الخضراء/ تونس، فهناك في مغرب الوطن العربي ثبت للعالم، وإلى حد ملفت، وجود مجتمع مدني حقيقي، لجأ عن وعي للاحتجاجات السلمية كسلاح لتحقيق مطالبه المشروعة، في إسقاط الرئيس المتعنت المتجبر، وشل نظام حكمه القمعي الفاسد، الذي لا زال (الحكم) قائما، ويعمل أخلص معاونيه على إيجاد مخارج لأزمته، أو على الأقل للخروج بقدر من الخسائر الشخصية -كآخر محاولة- لأركان سلطاته المختلفة، بعد إصرار الشعب الغاضب بطبقاته وفئاته المهمشة والمقموعة، على رحيل النظام برمته، وليس رئيسه فقط، فإزاحة الأخير كانت مقدمة حتمية، لإنهاء عهد حكم كثرت مظالمه وتغول فساده!
لقد صدق الرئيس يوم قال إن الشعب مل منه، غير أنه للأسف أجهض حمل لسانه، بعد أن أكد له من هم حوله، ومن خلفهم المنتفعون من فساد حكمه، أنهم جاهزون لمواصلة مشوار العبث بالوطن حتى الرمق الأخير من سنوات عمره كحاكم، وصوروا له استهبالا أن الشعب (كل) الشعب يموت حباً فيه، ولا يستطيع تحمل فراقه، ونظموا له مهرجانات تهريج يترجاه فيها المنافقون أن يبقى على كرسيه، كي يستزيدوا منافع مادية، خصوصا وأنه (كريم) في أوامر الصرف، ولا يبخل بالذات على المبتذلين من سقط السياسة والعلاقات العامة، وبدورهم رتب خبراء التزوير لاحقا نسبة نجاح أرقامها (الصحيح منها والكسر) توافق شغفه كقائد بالمناسبات (العظيمة)، وثبتوا رقم (فوزه) النهائي على أغلبية سبعية كاسحة، فكانت –ويا لمحاسن/ مخازي الصدف- بهتانا عظيما (77.17)، وللتوضيح يذكره/نا الكسر (17) بتاريخ بداية حكمه للجمهورية العربية اليمنية عام 1978، فيما حاصل جمع الصحيح مع الكسر (77+17=94)، وهو عام الحرب على الشريك في تحقيق الوحدة السلمية، التي جرى الانقلاب عليها، وإذا وضعت شرطة تفصل بين ال77، فالمحصلة تشير ليوم النصر المزعوم (7 يوليو 1994)، وقد تمت المصادقة الرسمية على النتيجة الكاذبة، من قبل شهود الزور المحليين والدوليين، وشواهد التاريخ تقول بأن الأخيرين سيذمونه مستقبلا، فور خروجه/م وسقوطه من الحكم، تماما مثلما فعلوا مع سابقيه في أماكن مختلفة من العالم!
ختاماً، أكرر القول مع الرجاء، إن بإمكان الرئيس أن يعوض الشعب جزئيا، بترتيب سلس لترك الكرسي الأمار بالسوء، في الموعد الدستوري النافذ، كي يزيد من قوام من سيترحمون عليه لاحقا، ويضمن كآخر فعل له للوطن السلام، ويشكر!
Freejourn
*****************
 
                                                                 الشعب أكبر
*فتحي أبو النصر
تريد الشعوب الناضجة أن تعيش، لا أن تعتاش عليها أنظمة الفساد والطغيان واللامسؤولية. هذه الشعوب تريد أنظمة وطنية فعلياً، لا صورياً. وأظنه عصر الشعوب الجبارة والمحترمة سيبدأ. الشعوب التي ستلبي نداءات كيلها الطافح.
مما لاشك فيه أن الثورة التونسية الجديدة ستلهم بقية الشعوب المقهورة فتح آفاق نوعية لمرحلة الكرامة والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية للجميع. ولقد كانت شجاعة التونسيين الثائرين استثنائية وجليلة وهي تكسر حاجز الخوف للأبد.
الآن.. بعد أن تخلص الشعب التونسي من الديكتاتورية السياسية الرهيبة، بقيت معركته مفتوحة مع الفساد والفاسدين الذين رباهم النظام السابق.
النظام الذي أهان أحلام الشعب التونسي طوال 23 عاماً، يستحق محاكمة عادلة. النظام الذي جثم على صدور التونسيين وقد صار رأسه في خبر كان: أطق هذا النظام بصفاقة متناهية يد “الأعمام والأخوال والأبناء والأصهار وكافة أنواع الأقارب الذين كانوا أكثر جشعاً في الاستيلاء على مقدرات وثروات تونس كأنهم مافيا”.
وبالتأكيد فإن تونس كبلد عظيم أثبت أن الشعب أكبر، والحق أكبر، والعدالة أكبر بمواجهة عصابة الحزب الحاكم. ثم إن الفساد بدا أفظع مما هو متصور، كما أوصل الناس إلى مستوى اليأس، لكنه اليأس الذي يتأجج بالأمل المضاعف من أجل التغيير.
ذلك النظام المصنف كواحد من أسوأ الاستبداديات في العالم المعاصر، ها هو يسقط في 5 أسابيع فقط.
***********************
 
بيان الثورة
طالبت المنظمة الطلابية للحزب الاشتراكي اليمني من وصفتهم بـ”زعماء التسلط والاستبداد” بالرحيل قبل فوات الأوان، وتسليم سلطة الشعب للشعب.
وفي بيان صادر عنها، بعنوان بيان الثورة، حذرت النظام من استخدام العنف في وجه الثورة السلمية، وإراقة دماء الأبرياء والمنافحين عن الحق، وفي مقدمة ذلك الحراك المدني السلمي لأبناء الجنوب. داعية الشعب اليمني بكافة أطيافه ومؤسساته ونقاباته للاضطلاع بدوره التاريخي والانطلاق نحو استرداد الحقوق المصادرة، والحفاظ على ما تبقى من الثورة والجمهورية والوحدة.
نص البيان:
يتابع الشارع اليمني ومعه أحرار العالم اليوم الثورة السلمية التونسية التي أطاحت بالنظام الدكتاتوري المتسلط في تونس، وأثبتت أن إرادة الشعوب لا تُقهَر.
يا شباب اليمن الأحرار:
إن تاريخ شعبنا في التصدي للاستبداد والطغيان تاريخ حي وناصع ومثال للاقتداء، ونحن اليوم أمام مشهد يستدعي منا التحرك العاجل للإطاحة بالنظام القبلي المتسلط على رقابنا منذ 33 عاماً، متمسكين بخيار النضال السلمي الديمقراطي للانتصار لإرادتنا وتحمل تبعات هذا الخيار الأجدى للتخلص من الطغيان.
يا شباب اليمن الأحرار:
إننا إذ نحيي بإكبار وإجلال رمز البطولة والثورة التونسية شهيد الحرية والديمقراطية العربية البطل محمد البوعزيزي، ندعو الشباب العربي وفي مقدمتهم الشباب اليمني إلى أن يستلهم مضامين الثورة من تجربة الشعب التونسي الذي قدم نموذجا حياً للعالم في الانتصار لحقه في الحرية وكرامة العيش.
إن مواكب التغيير قادمة لا محالة، وعلى زعماء التسلط والاستبداد أن يستجيبوا لنداء العقل وقوانين المنطق، وأن يسلموا سلطة الشعب للشعب، وأن يرحلوا قبل فوات الأوان.
وبهذا الصدد نحذر النظام من استخدام العنف في وجه الثورة السلمية وإراقة دماء الأبرياء والمنافحين عن الحق، وفي مقدمة ذلك الحراك المدني السلمي لأبناء الجنوب، وندعو الشعب اليمني بكافة أطيافه ومؤسساته ونقاباته للاضطلاع بدوره التاريخي والانطلاق نحو استرداد الحقوق المصادرة والحفاظ على ما تبقى من الثورة والجمهورية والوحدة.
                                           صادر عن المنظمة الطلابية للحزب الاشتراكي اليمني
                                                          جامعة صنعاء 15/1/2011