الاحتفاء بمناسبة واحدة وخطابين متناقضين

الاحتفاء بمناسبة واحدة وخطابين متناقضين

ملتقى أبناء الشهداء بعدن يدعو مكونات الحراك لنبذ الخلافات وتعزيز قيم التصالح
وجامعة عدن تتذكر الماضي وتمنح رئيس الجمهورية درع التسامح
*عدن-  فؤاد مسعد
منذ أكثر من شهر ورئيس الجمهورية يكرر حديثه عن تصالح وتسامح لا يخلو من إشارات التذكير بصراعات الماضي المتعلقة بالاشتراكي وحكمه للجنوب، ولذلك جاء الاحتفاء بذكرى 13 يناير هذه المرة مغايرا من حيث الإعداد له من قبل أكثر من طرف، تعددت نظرتهم للحدث وتداعياته، لكن بدا أنهم يرفعون لافتة التصالح، ولكل رؤيته للتصالح.
أمس الأول السبت سارعت جامعة عدن لمنح رئيس الجمهورية الدرع الأول للتسامح والتصالح، في ندوة أقيمت تحت عنوان “منهج التسامح والتصالح في الجمهورية اليمنية”، وتحت شعار “اليمن أولاً”، والأخير غدا ماركة مشهورة تسجل باسمها كثير من الفعاليات الحكومية والموالية، ووفقا لمانحي الدرع فإن الرئيس استحقه “تقديرا وعرفانا لدوره في ترسيخ وتكريس هذا النهج الإنساني خلال مسيرته القيادية الحكيمة لليمن، وانطلاقا من القيم الوطنية والإنسانية التي ميزت نهج فخامة الأخ رئيس الجمهورية منذ توليه قيادة مسيرة الدولة في شمال الوطن عام 1978، ثم توليه قيادة مسيرة دولة الوحدة في 22 مايو 1990، والمتمثلة في نهج التسامح والتصالح والحوار الوطني باعتبار ذلك ركيزة أساسية للوفاق الوطني الشامل والتجديد الحضاري، ونموذجا لتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء والتقدم في الجمهورية اليمنية”.
الندوة التي افتتحت بمنح الدرع لراعي الندوة، اختتمت برفع برقية لرئيس الجمهورية بمناسبة ما وصفوه بـ”نجاح فعاليات الندوة التي تأتي كثمرة من ثمار المبدأ الإنساني العظيم مبدأ “التسامح والتصالح”. وأشارت البرقية إلى أن الرئيس كان له السبق في رفع المبدأ وتحقيقه على أرض الواقع والممارسة العملية، حسب معدي الندوة.
والملاحظ أن كل أدبيات الندوة المذكورة أشارت لهذا المبدأ (التسامح والتصالح)، تمييزا له عن الشعار المعروف للحراك الجنوبي (التصالح والتسامح).
ومقابل ما أشادت به برقية جامعة عدن وندوتها من “دور لرئيس الجمهورية في تحقيق حوار الميثاق الوطني الذي كانت تحركه روح التسامح والتصالح، وكان له الفضل في تحقيقه قولاً وعملاً، وكان الوسيلة الأرقى والآلية المثلى التي اجتمعت حولها كل الأحزاب والتنظيمات السياسية في الشطر الشمالي من الوطن”، أشارت إلى “اتجاهه لجنوب الوطن، لمساعدته في تجاوز مشكلاته، والوقوف مع قيادته السياسية آنذاك في معالجة تحدياته..”.
ومقابل ما وصم به تاريخ الجنوب من مشاكل وصراعات وتحديات يكاد يكون مبدأ “التسامح والتصالح” سمة خاصة برئيس الجمهورية الذي ظل حريصا -حسب ما أوردته وثائق الندوة- على تفعيل هذا المبدأ الإنساني، وتم العفو على كل الذين تورطوا في حرب صيف 1994.
كلمة عبدالعزيز بن حبتور رئيس جامعة عدن، قال فيها “إن هذه الندوة مستوحاة من طبيعة الحدث والزمان والمكان، وقعت في مثل هذا الشهر (يناير –قبل ربع قرن من الزمان)، ومستلهمة دعوة رئيس الجمهورية لإقامة هذه الندوة التي تخدم الوطن وتوجهاته نحو استلهام العبر والدروس من الماضي الأليم والانعتاق من تداعياته بروح وفكر تسامحي تصالحي أخوي منفتح على الجميع، ويحثنا ديننا الإسلامي على الأخذ بها”.
وشدد بن حبتور على ضرورة الحفاظ على الوحدة اليمنية باعتبارها الضمان الوحيد للتخلص من إرث الماضي المأسوي للنظام الشمولي وتبعاته، وحاملة لمنهج التسامح في جوهرها، وهي صمام أمان للتعددية والديمقراطية.
وقال أيضا: “إن اليمن ستشهد في الأشهر القليلة القادمة انتخابات جديدة في أبريل 2011، وهي إحدى المحطات المهمة لضمان ديمومة النهج الديمقراطي التعددي للجمهورية اليمنية، نحو التعديلات الدستورية، بما يضمن نقل الصلاحيات من المركز إلى السلطات المحلية في المحافظات، وثبات مبدأ استقرار السلطة”.
بدوره أشاد عبدالكريم شائف الأمين العام للمجلس المحلي بعدن، بالمبادرة المبكرة للرئيس في إغلاق ملفات الماضي، وكشف في كلمته أن “البحث في ملفات الماضي ليس للنكاية بأحد، بل من أجل الاستفادة للأجيال الحاضرة والانطلاق نحو المستقبلـ”، لافتا إلى أن التسامح والتصالح يبنى على النيات الصادقة بهدف تعزيز وحدة الوطن وأبنائه وليس العكس بهدف تحقيق مكاسب ضيقة ومن أجل تفتيت الدولة وخلق الفرقة بين الناس.
الندوة التي استدعى الإعداد لها تشكيل 5 لجان تضم العشرات من الأكاديميين والمتعاونين، خلصت إلى نتيجة مفادها “غياب ثقافة التسامح والتصالح في الفكر الشمولي السائد قبل الوحدة”، مشيرة إلى أن “الفكر السياسي للرئيس علي عبدالله صالح منذ الوهلة الأولى لاعتلائه السلطة في 17 يوليو 1978 حتى يومنا هذا قد تميز بنهجه السلمي في معالجة مختلف الأزمات أثناء مرحلة التشطير، وتلك التي رافقت بناء دولة الوحدة، …”، وفي هذه الإشارة شهادة براءة للرئيس وعهده من الشمولية التي كانت سمة سلطات قبل الوحدة، يبدو أن المقصود بها آخرون.
وكان ملتقى أبناء شهداء ومناضلي ثورة أكتوبر استبق الندوة الرسمية ودرعها بندوة أقامها الخميس الفائت بمناسبة الذكرى ال5 لتدشين التصالح والتسامح، بعنوان “تعزيز قيم التصالح والتسامح وإرساء دعائم السلم الأهلي”.
وفيها دعا الملتقى للتمسك بقيم التصالح التي قال إنها مثلت الانطلاقة الحقيقية للحراك السلمي الجنوبي، مؤكدا “تجاوز منغصات الماضي التي يجتهد البعض اليوم بمن فيهم السلطة ونظامها البائس، في محاولات فاشلة لنبش الماضي ونفث السموم والأحقاد. وأشار البيان إلى ما وصفها بالمؤامرات التي قال إنها تحاك لإفساد هذه القيم النبيلة، “لأن عجلة التصالح والتسامح قد دارت ولن تعود للوراء مطلقاً”.
وأكد البيان أن دعوة التصالح والتسامح لا تقتصر على فترة زمنية بعينها أو صراعات محددة، بل تمتد لتشمل كل الصراعات والاختلافات في تاريخ الجنوب منذ ما قبل ثورة 14 أكتوبر.
ودعا الملتقى مكونات الحراك السلمي الجنوبي إلى نبذ الفرقة والاختلافات والجلوس إلى طاولة حوار واحدة، والعمل صفاً واحداً لتحقيق الهدف الذي يتطلع إليه الجميع وهم متفقون عليه، والعمل الجاد على تعزيز تلك القيم الأصيلة التي كانت الانطلاقة الفعلية للحراك السلمي الجنوبي، كما دعا لعقد مؤتمر التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي بين أبناء الجنوب دون استثناء أحد.
وأعلن البيان التضامن المطلق مع مناطق الجنوب المحاصرة، وطالب السلطة بفك حصارها الذي وصفه بالغاشم على تلك المناطق وفي مقدمتها ردفان ولودر، مجددا التضامن مع جمعية ردفان الاجتماعية الخيرية التي تعرضت للإغلاق منذ انطلاق دعوة التصالح والتسامح منها، في 13 يناير 2006، ودعا السلطة لرفع يدها عن الجمعية بما يتيح لها ممارسة أنشطتها، وكذا التضامن مع صحيفة الأيام، داعيا لتوسيع دائرة التضامن معها في وجه السلطة.
وعبر البيان عن التضامن مع المعتقلين على ذمة فعاليات الحراك السلمي الجنوبي، وطالب بسرعة الإفراج عنهم والكف عن ملاحقتهم واعتقالاتهم وابتزازهم بإيقاف مرتباتهم.
وجاء في البيان “وفي الوقت الذي يحيي أبناء شهداء ومناضلي الثورة باعتزاز الذكرى ال5 للتسامح والتصالح والتضامن، فإنهم يوضحون مجددا أن صراعات الجنوب السابقة كانت بعيدة وبريئة من الصراع على النفط والثروة والأرض والمصانع والمزارع، بل كانت منطلقة من الحرص على الدولة وسيادتها وعدم التفريط بها، والذود عن حياضها والبحث عن أقصر الطرق للوصول للوحدة اليمنية، وهي تلك الصراعات التي اعترفت بأخطائها فيها كل قيادات الجنوب السابقة داخل السلطة وخارجها، داخل الوطن وخارجه، ويأمل أبناء شهداء ومناضلي الثورة من أن يستفيد من هذه التجربة في التصالح والتسامح والتضامن كل أطراف وضحايا الصراعات في شمال الوطن سابقا ودولة الوحدة لاسيما منها ضحايا الانقلابات وحروب صعدة المتعددة”.
وكان الملتقى أحيى الذكرى ال5 للتصالح والتسامح، الخميس الفائت، في مقر الحزب الاشتراكي بمحافظة عدن، بندوة حضرها عدد من المناضلين يتقدمهم المناضل علي صالح عباد مقبل، وشخصيات قيادية في الحراك وملتقيات التصالح وقيادات وناشطون في الحراك الجنوبي ومنظمات حقوقية وعدد من المهتمين والصحفيين، وألقيت فيها كلمات ومداخلات عديدة، وأدارها الكاتب الصحفي نجيب يابلي، الذي لفت إلى أن عدن احتضنت في ديسمبر 1989 إنشاء التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، فيما احتضنت صنعاء في ديسمبر 2010 الاعتداء الغاشم على الأمين العام للتنظيم الناصري سلطان العتواني، وهي مصادفة استرعت انتباه الحاضرين.
وقد افتتح الندوة إياد علي فرحان رئيس ملتقى أبناء الشهداء ومناضلي ثورة أكتوبر، وقال إن مرور 5 سنوات على انطلاقة التصالح مبعث اطمئنان أن الجنوبيين لن يكونوا حقل تجارب، وأن المحاولات التي تسعى لإعادة إنتاج الماضي لن تجدي نفعا، ودعا إلى وحدة القلوب وتجاوز الخطوب، وعدم عودة ما أسماها داحس والغبراء بعد التئام الجرح ولم الشمل وارتواء الأرض بدماء الشهداء.
من جانبه، تحدث أحمد عبدالله أمزربة عن البعد الديني والإنساني للتصالح والتسامح، مشيرا إلى أهمية إصلاح ذات البين ودعوات القران والحديث للإصلاح بين الناس، وأن التسامح أس الوحدة السلمية التي سعى لها الجنوبيون باعتراف السلطة نفسها، واعتبر التسامح صمام أمان النضال السلمي الجنوبي لأنه يؤكد أن ماضي الصراع قد ولى إلى غير رجعة.
وقال رئيس جمعية ردفان المهندس محمد محسن إنه في مثل هذا اليوم أعلن التصالح والتسامح لنسيان الماضي وتجاوز مآسيه وفتح صفحة جديدة من الإخاء والتسامح والمحبة، واستعرض ما واجهته الجمعية وفعاليات التصالح من هجمة وصفها بالشرسة من قبل السلطة، وتساءل: لماذا كل هذا الخوف من التسامح والتصالح؟ مؤكدا الحاجة الماسة لثقافة التسامح لأنها الحل الوحيد الذي يمكن أن يفضي إلى السلام.
وفي كلمته أشار عاد محمد هيثم إلى أن التصالح والتسامح أبرز سلاح لمواجهة السلطة ومخططاتها، داعيا لمؤتمر جنوبي دون سقف للوصول إلى تصالح شامل ومقبول للجميع وإيجاد أرضية مشتركة والخروج بحلول موضوعية للهموم والتراكمات ووضع رؤية للمستقبل، بما يضمن عدم تكرار الماضي وسلبياته.
ومن جهته، أشار محسن محمد أبو بكر بن فريد الأمين العام لحزب رابطة أبناء اليمن (رأي)، إلى أن قيم التصالح والتسامح هي قيم إنسانية حضارية مطلقة وليست قيما مؤقتة وانتقالية، وأنه ينبغي أن يكون شاملا لكل فئات المجتمع وبين قواه السياسية والاجتماعية المختلفة، وليس قاصرا على فئة معينة، أو فصيل سياسي أو اجتماعي معين في فترة زمنية.
ولفت في كلمة ألقاها بالنيابة عنه الشيخ عبدالله أحمد مسود عضو الهيئة المركزية لحزب رابطة أبناء اليمن (رأي)، إلى أن “قيمة وعظمة أي نظام سياسي تكمن في كيفية تعظيمه وتأكيده لقيم التصالح والتسامح بين كل أبنائه ومواطنيه وكل أجهزته ومؤسساته، وتكمن في كيفية رعايته وتعظيمه للمواطن الإنسان، وليس قهره وكبته وحرمانه، ودفعه إلى مجاهل البغضاء والتفرقة والكراهية والعنف، وقال: “وكي نبني قيم التصالح والتسامح على أساس صحيح ومتين وراسخ، يجب أن يكون توجهنا توجها صادقا في هذا المضمار، وليس تكتيكيا أو انتقائيا”.
ودعا بن فريد لإعادة النظر في كتابة التاريخ الوطني الحديث الذي قال إنه شابه الكثير من التحريف والمغالطات والتزوير. كما دعا لتعظيم وتكريم كل القيادات الوطنية التاريخية بشكل عادل ومنصف، وليس بشكل انتقائي، وكذا كل شهداء الوطن.
وأضاف: إن قيم التصالح والتسامح قيم حضارية سامية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة من أدوات تصفية الحسابات السياسية، ومن الأدوات التكتيكية في حياتنا السياسية والاجتماعية اليومية.
وفي مداخلته دعا حسين زيد بن يحيى منسق ملتقيات التصالح بمحافظة أبين، إلى تأصيل قيم التصالح من قيم فوقية إلى فعل سلوكي ملموس في الواقع، مؤكدا أن أهمية التصالح كتجربة إنسانية سياسية يرى أنها لا تقف عند إغلاق ملفات صراعات الماضي واستخلاص العبر والدروس بما يجنب إعادة إنتاج صراعات مثيلة بمسميات جديدة.
وقال إن التصالح والتسامح دعوة للوحدة الجنوبية، وإن إثارة الانقسام ورفض التعدد والتنوع الفكري والحزبي يعبر عن ضيق أصحابه بتلك القيم، وأضاف: دعونا نلمس منكم احترام الآخر، وعدم احتكار الجنوب بشخص أو فئة أو منطقة.
وأضاف أنه لا يجوز امتطاء بعض المأزومين لنفث أمراضهم ضد قيادات الجنوب وسلطته من الاستقلال حتى الوحدة تحت شعار “اجتثاث الاشتراكي”، معتبرا ذلك ليس دفاعا عنه بقدر ما هو دفاع عن الهوية والتاريخ الذي كانت حقبة حكم الاشتراكي جزءاً منه.