ما الذي فعلته الثقافة لشاب أسس فرقته الخاصة وقدم من خلالها 6 أعمال

ما الذي فعلته الثقافة لشاب أسس فرقته الخاصة وقدم من خلالها 6 أعمال

                                                       فرقة خليج عدن
*صدام الكمالي
لأن المشاريع الضخمة تبدأ بفكرة صغيرة، ولأن نهضة أي بلد في أي مجال من المجالات تبدأ بمبادرات شخصية -مهما كان حجمها، كان من الواجب في أي بلد من البلدان تقديم الدعم والرعاية لهذه المبادرات والأفكار التي تساهم في تطوير المجال الذي تصب فيه هذه الفكرة وتلك المبادرة.. بيد أن المبادرات الشخصية في بلادنا -للأسف الشديد- قليلا ما يكتب لها الاستمرارية وبالتالي النجاح، ويأتي هذا لعدة أسباب لعل من أهمها عدم الالتفات إليها بعين مسؤولة، وتقديم الدعم والرعاية إليها، ما يجعلها تقف عند نقطة البداية ولا تقدم أي جديد للساحة.
الكلام الذي كُتب أعلاه هو السائد في بلادنا، ولا يمكن لأية فكرة أن تنطلق بشكل ذاتي وهي لا تملك دعماً يجعلها تسير بخطىً ثابتة، وتحقق النتائج التي تصبو إليها، وهي أعتقد معادلة منطقية ومقبولة، لأن تنفيذها يحتاج إلى سيولة وإلى فريق لتنفيذها… لكن أعتقد –وهذا اعتقاد شخصي- أنه إذا كانت الفكرة التي يتبناها الواحد منا تعيش في داخله وتستوطن كل فكره وحياته، عندها فقط يكتب لها النجاح، لأنه مهما كانت العراقيل والصعاب التي تصطدم به، فإنه سيسعى نحو تحقيق فكرته وترجمتها عبر الواقع بكل مصداقية بشتى الطرق والأساليب.. وهذا ما حدث مع ابن “كريتر” الشاب عمرو جمال (27 عاماً) الذي يحمل بكالوريوس تقنية معلومات من كلية الهندسة بجامعة عدن، وأنا أتحدث عنه كمبدع استطاع أن يثبت نفسه من خلال أعماله، ففرقته في مقدمة الفرق التي تتوالد اليوم بطريقة تبعث على التفاؤل.
لقد بدأ عمرو مسيرته الفنية كقاص، لتستوطن عقله وكل جوارحه فكرة إيجاد مسرح يمني حقيقي مستمر كفكرة عامة، أو إعادة الروح للمسرح الذي عرفناه في عدن في فترات سابقة، في ظل افتقارنا لهذه الجزئية المهمة، والتي بوجودها يكون تطور الشعوب ورقيها. ولأن فكرته لم تكن مجرد فكرة عابرة أو “طيش شبابـ”، وإنما كانت مشروعاً شبابياً تنويرياً يستحق الاحترام والتقدير، ولأنه امتلك التصميم والإرادة؛ فقد عمل على تسويق فكرته وبشكل ذاتي، مؤمناً أنه إن انتظر للآخرين وتكاسل عن البدء بفكرته، فإنه لن يبدأ مطلقاً.. وانطلاقاً من كونه مهندساً؛ فقد عمل على هندسة كل العراقيل والصعاب، وهندس أفكاره بشكل منظم مفتتحاً طريق الألف ميل بفرقته الفنية، التي كانت هي بوابة العبور والانطلاق لرؤيته النبيلة، حيث أطلق عليها اسم “فرقة خليج عدن”، ومنها قدم أعمالاً مسرحية راقية جداً، لم نرَ مثيلاً لها منذ سنوات في مسرحنا اليمني، فبعد أن قدم “سيدتي الجميلة”، و”حلا حلا يستاهلـ”، و”بشرى سارة”، و”عائلة دوت كوم”، وصولاً إلى العمل الراقي “معاك نازلـ”، ويطل علينا نهاية 2010 من خلال مسرحيته الجديدة “كرت أحمر”. وإن كان عمرو يرى أن “كرت أحمر” عمل مسرحي مختلف عن كل ما قدم مسبقا، وتقول عنها أيضاً الكاتبة حنان محمد فارع “إن مسرحية كرت أحمر تعد نقلة نوعية للمسرح اليمني؛ فقد وضعت هذه المسرحية الخطوط العريضة لمسرح يمني هادف، وجعلته أقرب إلى أن يكون مشروعاً تنويرياً”.
يحسب لعمرو جمال اختياره لأعضاء فرقته المميزة، الذين ساعدوه بكل إمكانياتهم ومواهبهم في ترجمة فكرته إلى واقع، فكانوا عند المسؤولية، محدثين للمسرح اليمني نقلة نوعية في وقت قياسي، ولعل ذلك الجمهور النوعي الذي امتلأت به قاعة المركز الثقافي بصنعاء في عرض مسرحية “معاك نازلـ” الأسبوع الماضي، لهو خير دليل على تميز هؤلاء الشباب وتفردهم، وهم بالتأكيد كما وصفهم الزميل التشكيلي الشاب ريان الشيباني “عندهم إيمان بالابتكار أكبر من قدرة الجهات المعنية على تحمل عناء ومشقة هكذا جمال وإبداع”!
لقد تم كل هذا الجهد بعيداً عن أي دعم حكومي من وزارة الثقافة أو وزارة الشباب والرياضة، كوزارتين تهتمان بالمواهب الشبابية وإبداعاتها! لكن دعمهما يذهب لـ”دكاكين” في المجتمع المدني، وجهات تسمي نفسها “جهات ثقافية” غير فاعلة!
ألا يستحق هذا الشاب ورفاقه الالتفات إليهم من قبل كل الجهات الحكومية، وتقديم الدعم والمساندة لهم، حتى يُطوروا من فرقتهم ومن المسرح اليمني؟
أليس من المهم تكريم كل مبدع حتى يستمر في إبداعه ويطور منه، وهو للأسف ما يفتقده أعضاء فرقة “خليج عدن” التي كانت من الفرق الجديدة الشابة التي ألهمت الكثير من الفرق الأخرى التي نراها تقدم عروضا مسرحية؟ يفترض بوزارة الثقافة أن تكون السبب في استمرار مثل هكذا مشاريع ثقافية وتنويرية، والوزير هو الذي طالما تحدث عن حبه للمسرح واستعداده لدعمه منذ أن تولى منصبه في الوزارة.
ها نحن نقترب من الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح، لكن ما ألاحظه دائما أن الفرق أو الممثلين هم من الممثلين القدامى، بينما تستبعد تلك الفرق التي تصنع المسرح الآن، وعلى رأسها فرقة خليج عدن، وهذا يتطلب أيضا من الإدارة العامة للمسرح عدم تكرار المسلسل في عروضها لهذا العام، واختيار لجنة مكونة من مسرحيين مخضرمين، كما أن يكون هناك فرصة لأن تكون اللجنة مكونة من دماء جديدة؛ ولن يكون جديدا ما تفعله اليمن، بل هي الطريقة التي يعمل بها الجميع في كل العالم، لاختيار الأعمال التي تستحق أن تعرض في احتفائية اليوم العالمي للمسرح لهذا العام، وألا نكرر عرض “الاسكتشات المدرسية”، وإلا فإننا سنكون كمن ينفخ في “قربة مخرومة” ولن نستفيد شيئاً جديداً!
أخيراً نتمنى لعمرو جمال ورفاقه في فرقة “خليج عدن” وكل الفرق الأخرى التي تحاول أن تثبت نفسها كل التوفيق والنجاح والمضي قدماً بالمسرح اليمني إلى الأمام، وأتمنى لهم الاستمرارية في إبداعهم –وإن كان الواقع مريراً- ولهم منا كل الحب.