ينتظرون هيبة الدولة، ويتساءلون: هل تم وأد تقرير مجلس النواب؟

ينتظرون هيبة الدولة، ويتساءلون: هل تم وأد تقرير مجلس النواب؟

                             ضحايا نهب أراضٍ بالحديدة: سخط وتذمر وعدم ثقة بالقضاء
* الحديدة – مروان كامل:
نهب الأراضي في الحديدة لا يفرق بين أحد، والناهبون قادة في الجيش وأعضاء في مجلس النواب ووزراء ومشائخ. كان تقرير برلماني عن هذه القضية المثيرة قد برز للسطح قبل أشهر، فيما يتساءل متضررون الآن: هل تم وأده؟
يبلغ إجمالي شكاوى الأراضي المنهوبة هناك المئات حسب تقدير محامين وبرلمانيين، إن لم يكن الآلاف بالطبع.
والأنكى أنه يتم الإعلان بوجوه الضحايا “عليكم كمتضررين اللجوء إلى القضاء”، غير أنها الوقاحة التامة، بحسب تعبير للنائب مفضل إسماعيل أحد أعضاء اللجنة البرلمانية التي صاغت التقرير البرلماني المرعب.. بل إن من العجائب المعروفة أن أحدهم سطا على قطعة أرض واحدة في الحديدة مساحتها 15×15 كيلومتراً! أي 285 كيلومتراً مربعاً!
أدناه ما تيسر من نماذج ضحايا الاستيطان غير القانوني هناك -خلال زيارة سريعة– وهموم المتضررين من آليات الإنصاف، فيما المطلوب أن تثبت الدولة هيبتها وأن تكون عوناً للضحايا على حل مشاكلهم وتفعيل القضاء وقيمة الحق لا العكس، حيث إنها أهوال ومآسٍ تزداد تعقيداً كما تتضاعف إشكالياتها النفسية بالنسبة للضحايا، وبالتأكيد لها آثارها الاجتماعية الخطيرة في ظل عدم جبر ضرر الضحايا، وبسبب التمييز المناطقي الواقع.
وللتذكير: كان مفضل إسماعيل أوضح في تصريحات سابقة أن “هناك 4 أطراف يشتركون في معظم عمليات النهب للأراضي. الطرف الأول بائع لا يملك، وهذا البائع قد يكون مضغوطا عليه وقد يكون بإرادته. الثاني كاتب بلا ذمة، وهؤلاء سبب رئيس في القضية، وقد شددنا في التوصيات على ضرورة تجريم من يكتب وهو لا يملك أية مرجعية. الثالث المشتري النافذ الذي يعلم أنه اشترى ممن لا يملك بسعر رمزي، وأنه يكتب عند كاتب بلا ذمة. ورابع هؤلاء أجهزة متواطئة أو عاجزة عن القيام بدورها”.
لا تصريح إلا بتصريح
بعد حصولي على وثيقة تدين أحد النافذين كناهب، قررت مقابلة مدير عام مصلحة أراضي وعقارات الدولة في المحافظة عبدالعزيز شجاع الدين، الذي ظل متربعاً على عرش هذه المصلحة لأكثر من 13 سنة. وبالفعل ذهبت إلى المصلحة للاستفسار، لكني وجدت مكتبه مغلقاً لعدم وجود مديره، بعدها ذهبت إلى عايش حميد ستيني العمر.. الرجل الذي تم إعادته إلى العمل بعد تقاعده، وذلك بسبب خبرته الطويلة جداً في الأراضي الحديدية، عله ينوب المدير في التفسير، وليتني لم أذهب: لقد رفض التصريح لـ”النداء” ثم أردف: “ما أقدر أعمل أصرح لك بشيء إلا بأمر من المحافظ”!
نشر الوثائق في الصحافة ممنوع
على أنني التقيت بأحدهم له صلة وظيفية هامة بالجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، فقال –بعد أن طلب عدم ذكر الاسم- “لدي وثائق كثيرة عن فساد ونهب الأراضي في هذه المصلحة يفوق الخيال، سبق أن أصدرنا تقارير للجهات المعنية التي لم تحرك ساكناً.. وللأسف لا نستطيع نشر الوثائق للصحافة لأن ذلك ممنوع”!
النهب أعمى
في نفس المصلحة أيضاً التقيت رجلاً يطوف طواريدها.. استوقفته سائلاً عن حاله وما يعمل، وفاجأني أنه مسؤول أمني كبير، قال: تم نهب أرضيتي التي تبلغ 25 معاداً من شخص يدعى “الحشيشي عقيد في الحرس الجمهوري”. قلت في نفسي “النهب أعمى فعلاً”! ثم استفسرت الرجل عما يصل إدارة الأمن من شكاوى حول النهب، فقال “مليان شكاوى.. مليان، روح الإدارة وباتشوفهن كلهن تحكي نهب أرض”.
أبرز المعتدين كما تفيد المعلومات “مقصع قريب الرئيس، و”ع” الجرموزي وغيرهما الكثير.. وحين سألته ماذا يعملون حيالها رد قائلاً “إيش نعمل يا ابني. والله العظيم بأننا نستحي و.. إيش نعمل بالله عليك!”.
عمليات قضائية لصالح المتنفذين
محامو الحديدة يبدون متخصصين جداً في قضايا الأراضي والعقارات، ومن كثرة قضايا الأرض التي يترافعون عنها أصبح أكثر حديثهم يتعلق بها.. حين التقيت بأحد المحامين هناك لم يستطع قلمي لحاقه! بطلاقة متناهية كان حديثه عن قضايا النهب: في أية منطقة… ضحيتها… ناهبها… مساحتها… تاريخ النهب ومدة القضية في المحكمة… إلخ، إلى أن استوقفني قوله: “كم أحصي لك كم؟ الحديدة كلها منهوبة، فأرض أهالي الدريهمي وأهالي المنظر يستولي عليها مطار الحديدة والدفاع الجوي.. و400 معاد يستحوذ عليها “م.ع.ق”، وحق التربويين مع “أ.ص.م” ضعف الكمية السابقة، و”س.ز” العقيد في الأمن. وجميع الناهبين اللي ذكرهم مجلس النواب في تقريره”.
محامو الضحايا بالإجماع يبدون قلقهم وتخوفهم الشديدين من أن تسير العملية القضائية لصالح المتنفذين بحكم نفوذهم.. فقضايا الأرض في جميع المحاكم تطول مدتها كثيراً، فبعضها يعود إلى 10 سنين، وأخرى إلى 8 متوزعة في حوالي 14 محكمة ابتدائية، وأيضاً لما يتعرض له المحامون من اعتداءات وتهديدات بالتصفية.. ثم إن إجراءات التقاضي قد تطول لسنوات، وكثير من المواطنين ضعفاء وعاجزون عن متابعة المحاكم والتقاضي خاصة، وفي حال لجوء البعض للقضاء ليخوض فيه سنوات ويصدر الحكم لصالحه مثلاً، فمن سينفذ الحكم؟ وهناك الكثير من اللاجئين للقضاء سلموا أمرهم لله، كما أن آخرين تمت مساومتهم بعد الضغط الشديد بشتى الوسائل، حتى قبلوا بمبالغ زهيدة من أجل تسديد ديون التقاضي!
4 مسؤولين ضد أسرة
تصوروا 4 مسؤولين من العيار الثقيل: وزيرين، ومحافظ، وبرلماني قيادي مؤتمري كبير في المحافظة توحدوا ضد أسرة واحدة. أسرة “آل الحرد” هي الخصم لهؤلاء.. يتهمون الأربعة بنهب واغتصاب أرض تملكها هذه الأسرة من عشرات السنين، والتي تقدر مساحتها ب8000 معاد، أي ما يوازي 800,000 لبنة، وكتابة (ثمانمائة ألف لبنة من الأرض)! في منطقة المنيرة.. الزيدية.
تخوض هذه الأسرة، وبعد أن وكلت أحد أفرادها “مساوى الحرد” توكيلاً من جميع المتضررين وتنصيب المحامي طه الحرد ليمثلها قضائياً.. وهو نفس المحامي الذي يخوض أيضاً أكثر من 10 قضايا تتعلق بنهب الأراضي لأسر أخرى.. تخوض هذه الأسرة نزالاً في المحكمة منذ أكثر من 6 سنوات، وتتخوف من أن تتم فبركة الحكم لصالح الأربعة بحكم نفوذهم.
عميد يملك 200 ألف لبنة
من أين أبدأ الحديث عن هذا النموذج..؟ وإن بدأت فكيف يمكنني سرد كل ما يقوم به من أعمال فاجعة.. فاجعة لا مثيل لها، المدعو “ح.أ.أ”، عميد في السلك العسكري، وقائد لواء في إحدى الجزر، ينتمي قبلياً إلى محافظة عمران.
العميد من رجال السلطة التي تمتن له بعدة “جمائلـ”، والتي من أهمها إيفاده بالجيش الشعبي “البشمرجة” لمشاركتها حرب صعدة.. يدعي ملكية 2000 معاد من الأرض، من أين وكييييف..؟ لا تستغربوا!
200.000.. مائتا ألف لبنة من الأرض.. حسب المخطط الذي أصدرته له خصيصاً وباسمه كمان مصلحة الأراضي بالمحافظة، والمصادقة على نحو 1980 معاداً له شخصياً، أما بقية المعادات ال200 فهي لآخرين في منطقة السلخانة.
أيها الناس انظروا معي.. إن هذه الأرض تتمتع بحراسة من قبل أفراد الشرطة العسكرية، ظل هذا الشخص يشتغل فيها أكثر من 15 سنة سراً حتى طمس جميع معالمها.. لم يترك هناك أي دليل أو معلم ليفسر كثيراً من بصائر أصحابها الحقيقيين والمقدرين بأكثر من 30 ضحية، يملكون بصائر من ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويتوزعون بين أسر وأشخاص، ظل العميد يسوي الأرض ويحسنها، ومطمئناً في نفس الوقت أصحاب هذه الأرض بأنها في الحفظ والصون، لكن المالكين الأصليين يشبهون ما فعله بهم، بمشروع تهويد القدس الإسرائيلي، حيث يملك جمعية سكنية، تدعي أن رأس مالها حوالي 6 ملايين ريال لجميع هذه المساحة! يديرها نجله، وتقوم “بقصدة الله”، والبيع في هذه الأراضي.. تجاوز هذا المستوطن جميع زملائه، وأتم مشروعه بنجاح، رغم أن العديد من قضايا المنهوبين ما تزال عالقة في المحاكم، ما يعني فقدان الأمل قضائياً بالنسبة للضحايا!
سخط وتذمر
الثابت أن سخط وتذمر المتضررين منقطع النظير، كما أن عملية السطو والنهب تتم بصورة ممنهجة ومستفزة، وعلى نحو سافر لا يصدقه عقل.
صحيح أن أبناء تهامة بطبيعة سلمية، ويحتكمون للنظام والقانون، غير أنهم سينتهون آخر الأمر إلى الدفاع عن أنفسهم وعن حقوقهم وممتلكاتهم وأراضيهم، وقد يقلبون للجميع ظهر المجن، كما أكد النائب مفضل إسماعيل، في حوار صحفي سابقاً.. ويبدو واضحاً أن المشكلة كبيرة وتحتاج من الدولة إلى حزم وصرامة وأخذها بجدية كما يأملون.
والمؤسف فعلاً أن تخرج القوات المسلحة عن وظيفتها الحقيقية التي هي حماية الحقوق والمكتسبات، بل لعل بعض الانكسارات العسكرية التي حصلت في صعدة مع الحرب ضد الحوثي، كان سببها انشغال كثير من القيادات في الصراع على الأراضي، بحسب التعبير الأسيف لمفضل.
حراك المنهوبين
إن ذلك إساءة قصوى لسمعة الدولة ولقيادتها وللجيش. ويطالب الأهالي بإنصافهم، وعدم تطنيش هذه القضية الشائكة. بل لعلها بتساهل الدولة وعدم الحزم والردع، ستؤول إلى أسوأ مما يحدث من حراك في الجنوب.. خصوصاً وأن هناك حالة واضحة وجدناها من عدم الثقة بالقضاء