معاناة دكتور مع جامعة عدن

معاناة دكتور مع جامعة عدن

                        لفتة تضامن مع صديقي محمد محمود عوض الذي يعاني بكبرياء
*سامي أمين عطا
الدكتور محمد محمود عوض واحد من الناس الطيبين في بلادي، الذين يحلمون، ولم يكن حلمه كبيراً، إنه إنسان قنوع مكتفٍ برشفة حلم ولو كانت صغيرة، حلم كثيراً بوظيفة تليق بكده وصبره وكفاحه، حلم بوظيفة تعوضه سني المكابدة والمعاناة، نعم كان ولا يزال حلمه صغيراً وفي حدوده الدنيا “الحصول على وظيفة” كي تعينه على حد السؤال وتحفظ كرامته وتليق بمكانته، هل هذا كثير؟ وهل الأحلام الصغيرة أضحت عرضة للسطو أيضاً والتسوير، بعد أن صارت الأحلام الكبيرة مصادرة وممنوعاً لمسها أو الاقتراب منها؟
لصديقي حكاية تدمي العين وتحبس الغصة في الحلق، تدفع من يسمعها إلى الغضب، ولعنة برودة الناس وقلة حيلتهم وعدم اكتراثهم.
بدأت حكايته منذ عاد إلى أرض الوطن عام 97، حاملاً معه مؤهل دكتوراه في الاقتصاد؛ تخصص إدارة استثمارات من إحدى الجامعات البلغارية، عاد قبل 13 عاماً محمولاً على جناح الأماني والتمنيات والأحلام الكبيرة. ومنذ ذلك الحين تضاءل حلمه حتى بات مقتصراً على حلم “الوظيفة”، حمل قضية توظيفه إلى كل لقاء أو محفل، طرق الأبواب كلها، خلال 14 عاماً تأبط تعبه وشقاءه ومعاناته بكبرياء نادرة. عرف ألواناً من الخيبات وأشكالاً من الانكسارات، لكنه لم ينهزم قط.
قبل 14 عاماً؛ عاد إلى وطنه، وكله نشاط وحيوية وأمل. ظاناً أن له في وطنه نصيباً يستحقه بعد سنين من الغربة والمكابدة والمثابرة، جاء مراهناً على مؤهله، معتقداً أن الوطن يتسع لجميع أبنائه. عاد شغوفاً نشطاً كي يرد دين الوطن عليه. إلاّ أنه ومنذ عودته ظل يكابد ويعاني من ضيم وجور الوساطات والمحسوبيات، ومع ذلك لم تضق مساحة حبه للوطن في قلبه. فشل مرات عديدة في تحقيق مبتغاه، لكنه ظل يلتمس الأعذار راضياً بنصيبه بنفس مؤمنة محتسبة، رغم ذلك لم تفتر عزيمته، أو تخر قواه، ظل متماسكاً قوياً وصابراً. لم يلجأ إلى أية وسيلة تخل بشرف مواطنته. ظل يطرق الباب تلو الباب، جامعة تتلوها جامعة: تعز، الحديدة، إب، عمل في بعض الجامعات الأهلية بالأجر المؤقت، وفي كل مرة يقدم وثائقه للحصول على الوظيفة، يأتيه الرد بالاعتذار في نهاية المطاف.
ومنذ أن عاد إلى الوطن حتى اليوم تعاقب على رئاسة جامعة عدن 4 رؤساء، وجميعهم لم يكن حظه معهم سوى الخسران وخيبة الأمل. ففي كل عام كان يمنّي النفس هذا العام إن شاء الله خيراً، لكنه يعود خائباً مكسور الجناح.
وجدته نهاية العام المنصرم أكثر من مرة يتابع حظه من وظائف جامعة عدن. كان مستبشراً بعد أن زاد عدد الذين تعاطفوا معه في مأساته. حاولوا جاهدين مؤازرته والأخذ بيده كي يحصل على ما يستحق. وعندما لاحت له تباشير الأمل، وظن أن الأمل أخيراً بدأ يبتسم له، وستذهب سنوات معاناته إلى غير رجعة، حيث جاءته التهاني من أصدقائه بقبوله ضمن وظائف جامعة عدن لهذا العام 2011، فجلس يمنّي النفس، وحلم كثيراً، لكنه ما إن ذهب إلى الجامعة كي يتابع إجراءات التعيين، فوجئ بسقوط اسمه بجرة قلم في ليلة ظلماء. وعرف لاحقاً أن درجته مُنحت إلى شخص آخر حديث التخرج لم يكن اسمه ضمن القائمة التي قُدِّمت إلى اجتماع مجلس الجامعة.
تظلم صديقي، اشتكى، نافح، أوصل شكواه إلى أعلى المستويات، حصل على رسالة إسقاط الواجب الممهورة بختم وتوقيع رئيس الجمهورية، التي تطالب رئيس الجامعة بإصلاح الخطأ المرتكب بحق الدكتور محمد محمود عوض، استبشر بها، اعتبرها طوق نجاته، لكنها يا فرحة ما تمت؛ فعاد خائباً منكسراً.
قد تكون قضية الدكتور محمد واحدة من حالات عديدة في هذا الوطن، لكنها بنظري تعد الحالة الأكثر بؤساً وشقاءً، في وطن سلبت المحسوبيات والوساطات حقوق من يستحق، فانعدمت العدالة وغابت المساواة في المواطنة. ولا أدري لماذا عندما أرى صديقي الدكتور محمد أتذكر دائماً ما قاله الشاعر والناقد الأمريكي ماثيو أرنولد في مقالة له عن الديمقراطية التي يقول فيها “هل يمكن لأحد أن ينكر أن العيش في مجتمع من الأنداد المتساوين يميل بالإنسان -على وجه العموم- لأن ترتفع معنوياته، وأن تعمل إمكاناته بيسر وفاعلية؟ وهل يمكن لأحد أن ينكر أنه لو عاش في مجتمع يجعله في إحساس دائم بامتياز الآخرين عليه، وبأنه بلا قيمة على الإطلاق، فإن من شأن هذا الإحساس -على وجه العموم كذلك- أن يجعله مكتئبا وعاجزا شبه مشلول؟”.
يبدو أن 14 عاماً من الانتظار، لم تكن كافية يا صديقي، كي يمنحوك صك المواطنة. أم تراك أخطأت عندما ظللت مواطناً صالحاً ومؤدباً يطرق الأبواب الشرعية، وملتزماً بالأنظمة والقوانين! يبدو أنهم يدفعونك كي تغدو قاطع طريق حتى يعترفوا بحقوقك! لا تبتئس يا صديقي ما ضاع حق بعده مطالب.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا، كيف حدث هذا في مجلس جامعي عريق له تقاليد أكاديمية (جامعة عدن تتباهى أن تقاليدها الأكاديمية تمتد ل40 سنة خلت) يفترض أن تأتي قراراته معبرة عن إرادة أعضائه؟ وهل يجوز تغيير قرار أو التصرف بمحتوياته بعد صدوره؟ إنه سؤال نوجهه إلى سيادة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والمجلس الأعلى للجامعات اليمنية! وما هو الحل في مثل هذه الحالات؟ أفتونا.