ثابت عبيد يتذكر لحظات إطلاق النار عليه.. جريح التصالح والتسامح في ذكراه الخامسة:

ثابت عبيد يتذكر لحظات إطلاق النار عليه.. جريح التصالح والتسامح في ذكراه الخامسة:

                                          السلطة لم تقدم لي إلا الآلام والأوجاع
> أناشدهم باسم الشهداء والجرحى والمعتقلين أن يتوحدوا!
> التصالح والتسامح هدف استراتيجي لوحدتنا
* شفيتع العبد
يصادف هذا الأسبوع، تحديداً خميسه، الذكرى الخامسة للتصالح والتسامح والتضامن الجنوبي، التي أرّخ لها أبناء الجنوب بذكرى مأساة يناير 86، على أن اختيار الذكرى لا يعني توقف التصالح والتسامح عند نتائجها الكارثية، بل يتعداه بلغة الفعل ليشمل مجمل الصراعات السياسية المليء بها تاريخ الجنوب.
ونحن نقترب من ذكرى الفعل الأبرز في تاريخ الذاكرة الجنوبية المفعمة بالحزن، ارتأينا في “النداء” أن نقلّب في ذاكرة أحد جرحى مهرجان التصالح والتسامح عام 2008.
إنه العقيد ثابت عبيد حازم الجهولي، من مواليد 1958، ردفان –محافظة لحج. أب ل3 أبناء، حاصل على دبلوم علوم سياسية.
زرته في منزله المتواضع، والمعلومة التي لا يعرفها البعض أنه يسكن عدن منذ عام 1976، لكنه لا يملك فيها شبراً من الأرض، ويسكن منزلاً بالإيجار، عبارة عن شقة متواضعة، برغم تدرجه في عدد من المواقع العسكرية منها (قائد فصيلة مشاه، نائب سياسي لكتيبة، سكرتير منظمة الحزب في الكتيبة، سكرتير أشيد في الكتيبة، دورة قائد سرية، قائد كتيبة، في ألوية: عباس، التدريبي، والنقل.
أراضي عدن ما بعد حرب 94 كانت هدفاً للغزاة الجدد، وارتفعت على ترابها عمارات شاهقة النيان، بينما أبناؤها وسكانها الأصليون ينظرون بأعين تفيض من الدمع، وقلوباً تقتلها الحسرة، لتطاول هؤلاء القوم القادمون من وراء الجبال في البنيان على أحدث طراز!
ثابت عضو في جمعية المتقاعدين العسكريين، منذ تأسيسها، حيث رأى فيها الأمل لإخراجهم من حالة “النكد” التي أوصلتها إليهم سلطة الحرب والفيد!
كما أنه قبل ذلك، كان عضواً فاعلاً في ملتقيات التصالح والتسامح والتضامن التي ينظر إليها بأنها بوابة الانطلاقة الحقيقية نحو مستقبل جنوبي أكثر ضياءَ، وخالٍ من نزاعات سلطوية تولد كراهية في القلوب، يعتبر حركة التصالح والتسامح بمثابة عملية تنظيف للشوائب العالقة بالنفوس على خلفية صراعات سياسية تضرر منها كل أبناء الجنوب بلا استثناء، وكانت سبباً مباشراً في الحالة الراهنة التي يعيشها الجنوب بمختلف أطيافه السياسية والاجتماعية.
لإيمانه بعدالة قضيته لم يتوانَ عن المشاركة في مختلف فعاليات الحراك السلمي الجنوبي، وتنقل بين مختلف مناطقه ومحافظاته، ونال نصيبه من الاعتقال في أكثر من فعالية، يتذكر منها جيداً اعتقاله برفقة العميد الركن ناصر علي النوبة في 2/8/2007، واعتقال آخر في 1/9/2007، حيث مكث عدة أيام في سجن الاستخبارات العسكرية بعدن.
في مهرجان التصالح والتسامح 13 يناير 2008، كان ثابت عضواً للجنة الأمنية للمهرجان، وبينما كان يؤدي مهمته صبيحة ذلك اليوم في ساحة الهاشمي بالشيخ عثمان، يملؤه الاعتزاز بذلك الحشد الجماهيري الذي يتمنى أن يعود مجدداً لتلك الساحة، وأن تكتظ غيرها من الساحات بأبناء الجنوب المناوئين للظلم والرافضين للباطل المفروض عليهم قسراً كنتيجة لحرب شُنت عليهم ظلماً وعدوانا، يقول ثابت: “عند الساعة ال10 صباحاً فوجئنا بإطلاق نار كثيف وبصورة عشوائية من قبل قوات الأمن”.
يستطرد في الحديث وكأن شريط الحادثة يمر أمام ناظريه: “أصبت من الخلف في فخذ الرجل اليمنى من قبل أفراد من القوات البرية التي خرجت من معسكر بدر، ولم أشعر بالإصابة، فمشيت عدة خطوات وسقطت على الأرض فجأة، فشاهدت نزيف الدماء من فخذي، فأسعفني الموجودون بعد ربط رجلي، باتجاه مستشفى النقيب، وقبل وصولنا للمستشفى اعترضتنا دورية أمنية كانت مرابطة في جولة مصنع الغزل والنسيج، وقاموا بالتحقيق معنا، قائلين لنا: “أنتم مخربون”، وكنت أصرخ من شدة الألم، لكنهم أصروا على اعتراض طريقنا حتى يستأذنوا من الفندم، فصرخت في وجه السائق تحرك خلهم يقتلونا، سنضاف إلى قائمة شهداء الجنوبـ”.
وأضاف: “واصلنا طريقنا باتجاه المستشفى، وأجريت لي العملية، وتواجد أمام المستشفى عدد كبير من أبناء الجنوب الذين سارعوا للتبرع بالدم لجرحى ذلك اليوم”.
ثابت كان برفقة صالح أبو بكر البكري “شهيد التصالح والتسامح” أثناء عملية إطلاق النار، حيث أصيب البكري أولا.
أجريت لثابت عدد من العمليات الجراحية، بدءاً من مستشفى النقيب، وأخرى في الأردن في 22 يناير 2008، وعند عودته من الأردن تضاعفت آلامه، وأجريت له عملية في مستشفى النقيب، واضطر بعدها للسفر إلى الهند حيث أجريت له 3 عمليات جراحية، وفي مايو 2010 عاد مجدداً للهند، وأجرى عمليتين “زراعة أنسجة وتجميلـ”.
يقول: “سفرياتي للعلاج كلها كانت على نفقة أبناء الجنوب في الداخل والخارج، الذين تفاعلوا معي بشكل كبير، كما أنني أشكر “بنت الجنوبـ” التي تواصلت معي من السويد عندما كنت في الهند بعد نشر رقم تلفوني في مواقع النت الجنوبية، وأرسلت لي 500 دولار، كتعبير صادق عن موقف المرأة الجنوبية التي لن تتوانى في الدفاع عن قضيتها”.
السلطة بالطبع –كعادتها- لم تقم بأي واجب تجاه علاجه، نظرتها لجرحى الحراك وشهدائه ومعتقليه بأنهم مخربون وخارجون عن النظام والقانون، لذا فهي تواجههم بالرصاص الحي، وتفتح معتقلاتها ومحاكمها على مصاريعها لاستقبال هؤلاء الناشطين، كما تبتزهم بإيقاف “مرتباتهم” والاستقطاع منها كلما دعت حاجتها لذلك!
“السلطة لم تقدم لي سوى الآلام والمتاعب، ومحاربتي بقطع راتبي بين فترة وأخرى” هكذا يصف ثابت الوضع.
يؤكد ثابت أنه في 13 يناير 2009، ذهب صباحاً بعكازيه إلى ساحة الهاشمي لإحياء ذكرى التصالح والتسامح، ومع ذلك لم يسلم من الاعتقال، حيث أشرف على اعتقاله من وسط الساحة “القيسي” قائد شرطة الشيخ عثمان، وأخذوه إلى قسم الشرطة حيث ظل موقوفاً لديهم حتى عصر ذلك اليوم.
ونحن على مشارف الذكرى الخامسة للتصالح والتسامح وما تعنيه لأبناء الجنوب، يقول ثابت: “التصالح والتسامح هدف استراتيجي للوحدة الجنوبية الجنوبية، وكانت انطلاقته قد مثلت تلاحماً قوياً من باب المندب إلى المهرة”.
وعن الوضعية السائدة في الساحة الجنوبية مؤخراً وما تشهدها من خلافات، يرى أن “ما يحدث اليوم ليس من أبناء الجنوب، وإنما من السلطة التي تسعى إلى شق الصفوف بواسطة المال عن طريق ضعفاء النفوس الممتهنين لهذه المهنة الدنيئة”.
ولم ينسَ ثابت عبيد، وهو يختتم حديثه معنا، أن يوجه نصيحته لقيادات الحراك: “أقول لإخواننا في قيادة الحراك في الداخل؛ لماذا سالت الدماء في هذه الأرض؟ لماذا استشهد وضاح والوحيري وبن طالب والجعدي والبكري والقحوم..؟
لماذا جرح فلان وفلان..؟ لمن كل هذه التضحيات؟ أليست من أجل الجنوب؟”.
وأضاف: “ليس هناك داعٍ يا قياداتنا لهذه المهاترات والبيانات التي لا تخدم سوى السلطة. يجب عليكم أن توحدوا الصف، ووحدتنا هي قوتنا وبها ثباتنا، ولدينا الاستعداد أن نقدم التضحيات تلو الأخرى من أجل قضيتنا ووطننا”.
وناشدهم باسم الشهداء والجرحى والمعتقلين، أن يتوحدوا؛ فالمرحلة هي أخطر من سابقاتها، ولن يلتفت العالم إلينا إلا موحدين، حسب قوله.