بعض خلفيات الانفصال

بعض خلفيات الانفصال

*منصور هائل
يأتي انحياز سكان جنوب السودان لخيار الانفصال عن الشمال، على خلفية التالي:
* إخفاق النظام بالمركز في بلورة صيغة “الوحدة الجاذبة”، وفلاحه في بناء شبكة العصابة الطاردة للدولة، والوطن، وعجزه عن المساهمة الفعالة في بناء دولة القانون والمواطنة والشراكة الفعلية في السلطة والثروة بين الشمال والجنوب.
*  فضل الجنوبيون الانفصال على وحدة يشعرون معها بالهوان والامتهان وانعدام الأمان وضياع حقوقهم الإنسانية الأساسية.
* إمعان الأقلية الحاكمة في المركز في الاستبداد والطغيان والفساد، والاستئثار بالسلطة والثروة، والاعتماد على القوة العسكرية والأمنية كوسيلة سيدة ووحيدة لضبط المجال العام ومصادرة الشارع، وقمع حركات الاحتجاج، وإخراس صوت التظلمات السلمية العادلة، ما دفع الأوضاع نحو المزيد من التدهور والتفجر، وأفضى إلى انهيار الخدمات الأولية، وانعدام الحاجات الأساسية، وتآكل بنيان الدولة لحساب تغول الأقلية الحاكمة التي أشاعت مناخات الخوف والترهيب لتؤمّن لنفسها نهب الإيرادات والموارد والأموال العامة، و”شفط” المساعدات والمنح والقروض الخارجية بمبررات وهمية وواهية، وسفه عربيد كان دوره حاسماً في تخصيب البيئة الملائمة لظهور جماعات الجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية والإجرامية الضالعة في جرائم القتل والنهب والاغتيال والاغتصاب، وفي السياق إياه كان نظام المركز في الخرطوم بزعامة البشير، قد قام منذ مطلع التسعينيات بجمع الضالين من مختلف الأمصار، ولملمة شتات التكفيريين والمتطرفين وقتلة الدين “المؤدلج” من شتى الأقطار.
< وانساق نظام المركز في الخرطوم وراء نداء غرائز التطرف الكامنة والمتفجرة فيه، وحوَّل الخرطوم إلى مضافة وملاذ للمجاهدين العرب السوريين والليبيين والجزائريين والمصريين، وزد على رأسهم كبيرهم أسامة بن لادن الإرهابي الأشهر في العالم. ولم يكتفِ باحتضان هذا الصنف من المتطرفين والمقاتلين، بقدر ما أفسح المجال لكارلوس إيلتش راميز “ابن آوى”، لأن “يتخذ من إحدى حرائر السودان عشيقة يرتاد معها الحفلات الساهرة، تحت حماية أمن النظام الذي كان يريد منذ اليوم الأول لمجيئه أن يبيعه إلى فرنسا في مقابل منافع”، معاوية يسن، “الحياة”، 30 نوفمبر 2010.
< لم يتورع المركز في العاصمة عن التطويح بمصالح شعبه وبلاده، والشاهد على ذلك أنه سارع إلى تبني موقف منحاز للرئيس العراقي صدام حسين حين قام باحتلال الكويت، وحتى عندما لاحت مؤشرات إرغام صدام على الخروج من الكويت، واضحة وقوية، فإنه لم يتراجع عن موقفه العنيد وطبعه المسبوك من خشب وحديد، ما أدى إلى حرمان عشرات الآلاف من السودانيين من وظائفهم في دول الخليج العربي.
< لاشك أن المعارضة السياسية المفتقرة لقدر من النضج السياسي المطلوب والمنفتح على احتمال تأسيس الدولة قد دفع بالأقلية الحاكمة في المركز في اتجاه الهرولة النشطة نحو تفكيك البلاد منذ أكثر من عقدين، وأوصل الناس في الجنوب إلى اختيار الانفصال الذي لا يمكن عزله عن تشظي وانقسام تلك النخبة، وسريان فيروس الشرذمة في أوصال السودانيين عامة.
* هيأ الاستنزاف الماحق لموارد الدولة وتحويلها إلى مقاطعات وعزب موزعة بين أرباب الفساد الحاكم، المجال واسعاً، ليس لانفصال الجنوب وحده، وإنما لانفجار انقسامات وحركات تمرد أخرى، ونشوء دويلات وإمارات غير معلنة في الجنوب ودارفور وكردفان، ما يؤشر إلى انزلاق السودان نحو متوالية من الانفصالات التي لا آخر لها ولا كابح.
* كان نظام الإتاوات والجبايات والتقارير الأمنية والملاحقات البوليسية و”بيوت الأشباح” طارداً للآلاف بل والملايين من السودانيين الذين انتشروا في أصقاع الأرض، وكانت ممارسات تطبيق “أحكام الشريعة” على النساء المسرولات بالجلد وتنفيذ حد الجلد بحق أكثر من 43 امرأة خلال عام واحد، كفيلة بوضع النافذين الفاسدين في الخرطوم تحت دائرة الانكشاف الفادح، وفي عين الاتهام بالجرم المشهود والمدان إنسانياً ودولياً.
تلك بعض خلفيات الانفصال التي دفعت إليه ممارسات المركز/ العاصمة: في السودان طبعاً، وثمة خلفيات أخرى لا يتسع المجال لعرضها في هذا الأسبوع.